رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 9 - 15 جمادي الاولى 1421 هـ الموافق 9 - 15 اغسطس 2000
العدد 1439

الشفرة الوراثية تكشف عوراتنا*
"الجينوم" قراءة في سفر الإنسان

·         الانتهاء من سلسلة الجينوم البشري لا يعني نهاية العمل، بل سيكون في الواقع مجرد بداية، بداية علوم "ما بعد الجينوم"، فسلسلة الجينوم شيء وتفهمه شيء آخر

·         أنت تحمل جيناتك في أنوية خلاياك، فيها يكمن سرك الوراثي المتفرد، ليس من شخص يمتلك جينوماً يطابق جينومك، اللهم إلا إذا كان الله قد حباك بتوأم طبيق· لكن، هل هذه الجينات ملكك لا يحق لأحد أن يتلصص عليها؟

·         في اليوم الأول من ديسمبر 1999 أعلن عن الانتهاء من سلسلة الكروموزوم 22- ثاني أصغر كروموزومات الإنسان· كان أول كروموزوم بشري تنتهي سلسلته بالكامل· فُتح عالم جديد للبيولوجيا· عالم جديد غريب

 

أحمد مستجير

ربما كان مشروع الجينوم البشري الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في نهاية الشهر الماضي هو أهم المشاريع العلمية التي اضطلع بها الإنسان، لا أستثني من ذلك تحطيم الذرة والهبوط على سطح القمر فالمشروع سيغير إلى الأبد طريقة فهمنا لجسم الإنسان وأمراضه، إنه يتغلغل في أعماق مادتنا الوراثية، أهم وأعز ما نمتلك في هذا الكون المادي، يتسلل إلى أغوار تاريخنا الذي نحمله داخل كل خلية من خلايا أجسادنا وننقله إلى أبنائنا من بعدنا، المشروع يسبر الجوهر منا، ليعرف الإنسان "نفسه بنفسه"، مهمة المشروع هرقلية، وحميمة تغوص إلى صميمنا، ثم هي في ذات الوقت مخيفة·

" " اليوم يُزاح الستار عن أدق أسرارنا ونتعرى أمام أنفسنا ونعرف "فجأة" (فعمر المشروع لم يتجاوز بعد عشر سنوات) كم نحن ضعفاء، ونعرف أن علينا -ربما- أن نتواضع ونتخلى تماماً عن موقعنا على قمة عالم الأحياء- بعد أن تخلينا عن كوكبنا الأرض مركزاً للكون· ستثير نتائج المشروع قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية ودينية وقانونية، قضايا جديدة تماماً، أبداً لم تخطر لنا على بال، سينقلنا المشروع إلى مشارف حضارة جديدة غير مسبوقة، تتغير فيها القيم والمفاهيم، تتغير فيها المجتمعات والحياة كما نعرفها، وتتغير حتى خيالات الشعراء، ثم إن كل شيء سيتغير إلى ما لا ندريه، وهذا شيء مخيف، سيعود يؤرقنا السؤال الخالد: مَن نحن؟ هو سؤال يخص الفلاسفة، لكن نتائج المشروع ستجعله سؤالاً يطرحه كل منا، وإن يكن في صيغة مختلفة·

نحمل بداخلنا سرنا الكبير، وهو سر لابد أن يحمله الحيوان المنوي والبويضة، ويحمله لقاء الحيوان المنوي بالبويضة- فمحصلة لقائهما أكبر من مجموعهما· حصيلته الإنسان، فهل نحن جيناتنا التي سيُفصح عنها مشروع الجينوم البشري؟ التي يحملها الحيوان المنوي والبويضة؟ هل نحن- أجسادنا- مجرد آلات تُسخرنا الجينات كي تخلد هي، فنصنع لها نُسخاً منها جديدة تقاوم الزمن؟ أم ترانا أكبر من جيناتنا؟ أهي نحن، أم نحن هي؟

يخشى البعض أن ينقلب المشروع عند تفسير نتائجه، فنفاجأ بثورة عنصرية جديدة أعتى، تحرقنا نحن في العالم الثالث أول ما تحرق· سيُثبت المشروع أن المادة الوراثية لكل الناس سواء، نحن البشر جميعاً نشترك في %99.9من مادتنا الوراثية- إن الاختلافات بين الشعوب جد ضئيلة· لكن سيكون هناك من يرى غير ذلك، فهذه الفروق، وإن كانت ضئيلة، موجودة وستجد من يضخم في أهميتها وينفخ فيها· ومن يمتلك العلم في زماننا هو صاحب القوة، فهل لنا أن نتخوف، مع من تخوف، على مصير جنس البشر؟ أن يفنى معظمه· وتتمكن منه قلة ترى في نفسها الإنسان السوبر، الذي يحمل الجينات السوبر، والذي يستحق أن يمتلك الأرض وحده، دون سواه ليعيد قصة الإنسان الحديث عندما قضى على إنسان نياندرتال قضاء مبرما منذ نحو أربعين ألف عام·

عرض (لابد منه!)

لعلم الوراثة

يمتلئ علم الوراثة الحديث بأدغال من المصطلحات العلمية المنفرة، لكن عدداً قليلاً منها فقط هو ما يهم القارئ العام ويلزم معرفته، إذا كان له أن يدرك ويتفهم ما يقوم به مشروع الجينوم البشري·

علم الوراثة هو العلم الوحيد بين كل العلوم الذي نشأ على أكتاف رجل واحد هو الراهب جريجو مندل (1884-1822)، اكتشف الرجل أن لكل صفة من الصفات التي تورث أساساً مادياً، أطلق عليه اسم "العامل" (ونسميه الآن: الجين) يحصل كل فرد على "عامل" لكل صفة من أبيه، و"عامل" من الأم، أجرى مندل أبحاثه لمدة ثماني سنوات على بسلة الزهور في حديقة الدير، وفحص ما يزيد على ثلاثين ألف نبات، ثم نشر نتائجه عام 1866 في مجلة مغمورة، فلم يعرف بها أحد، إلى أن أعيد اكتشافها على أيدي علماء ثلاثة في عام 1900، فبدأ علم الوراثة يأخذ طريقة إلى معامل الأبحاث· وفي أواخر العقد الأول من القرن العشرين، وخلال العقد الثاني، تمكن توماس هنط مورجان- بالعمل على ذبابة الفاكهة (الدروسوفيلا)- من التوصل إلى نظرية عن الأساس المادي للوراثة، تقول إن الجينات توجد مُصطفة طولياً كحبات العقد على خيوط تسمى الكروموزومات، كان علماء الخلية قد اكتشفوا وجودها داخل أنوية الخلايا الحية·

تتكون هذه الكروموزومات- حاملات الجينات- من بروتين يغلف مادة اسمها الدنا DNA· وكان الدنا هو المادة التي تحمل الشفرة الوراثية· لم يُكتشف التركيب الدقيق للدنا إلا في عام 1953 على يدي جيمس واطسون وفرانسيس كريك· اتضح أنه جديلة من شريطين متعانقين يلتفان حول بعضهما بعضاً في صورة لولب مزدوج يشبه السلم الحلزوني، يحمل كل شريط على طوله تتابعاً من أربع مواد كيماوية، تسمى قواعد، سنرمز لها بالحروف أ،ث،س،ج (=أدنين، ثايمين، سيتوزين، جوانين)· ترتبط كل قاعدة على شريط بقاعدة على الشريط المواجه في نفس الجديلة، برباط كيماوي ضعيف (ليشكلا سلمة بالسلم الحلزوني)· لكن ثمة مبدأ هاماً يحكم هذا الارتباط: فالقاعدة (أ) على شريط تواجه وترتبط بالقاعدة (ث)، ولا غيرها، على الشريط الآخر، والقاعدة (ج) على شريط تواجهها وترتبط بها القاعدة (س)- ولا غيرها- على الشريط الرفيق في الجديلة· نعني أن الحرف (ث) على شريط في جديلة لابد أن يواجهه ويرتبط به الحرف (أ)، وكذا الأمر بالنسبة للحرفين (ج، س)· إذا عرفنا تتابع الحروف (القواعد) على شريط في جديلة عرفنا على الفور تتابع الحروف على الشريط الثاني بنفس الجديلة· فلو كان تتابع القواعد على شريط هو (أ أ س ث ج) كان التتابع على الشريط الآخر بنفس الجديلة هو (ث ث ج أ س)، يكفي أن نعرف تتابع شريط لنعرف تتابع الشريط الرفيق·

هل تُصدق أن هذه القواعد- ترتيبها وطريقة اقترانها- هي سر الحياة؟!

والجين هو الأساس المادي للصفات في الكائنات الحية، وهو مسافة على شريط الدنا في منطقة منه معينة، أي أنه تتابع محدد الموقع من القواعد يُقاس طوله بعدد أزواج القواعد فيه·

وتتراوح أطوال الجينات ما بين بضع مئات من هذه الأزواج وبين مليونين، ويبلغ متوسط طول الجين في الإنسان نحو عشرة آلاف زوج من القواعد (=00001 زق)· تصطف الجينات متوالية على جديلة الدنا، وتفصل بينها امتدادات لا وظيفة لها تعرف باسم "سقط الدنا"، بل إن الجينات ذاتها كثيراً ما تتخللها أطوال من سقط الـ "دنا" تسمى "إنترونات"، ليطلق عندئذ على الأجزاء العاملة اسم "الإكسونات"·

تُشكل الحروف المتتالية على شريط الدنا "كلمات"، كل من ثلاثة أحرف (قواعد) متعاقبة يسميها الوراثيون "كودونات"· ولأن للغة الجينات أبجدية من أربعة أحرف، فهناك إذن أربع وستون كلمة (كودونا) (مثلاً: س ج أو أ س ح، أو أ ح س···) لإنتاج حمض أميني معين: فالكودون (س ج أ) مثلاً يُشفر لحمض الأرجنين، والكودون (أ س ج) لحمض الثريونين، والكودون (أ ج س) لحمض السيرين، ولعلنا نلاحظ أن ترتيب الحروف على شريط الدنا هو الأمر المهم·

عندما ينشط الجين، فإنه يدفع الخليج لإنتاج هذه الأحماض الأمينية، التي تلتحم ببعضها ذيلاً برأس (وبنفس تتابع كودوناتها على الجزء من شريط الـ "دنا" الذي يكون الجين) لينتج بروتين (كالإنسولين مثلاً، وهو "الصفة" التي يشفر لها جين الإنسولين) ذو خصائص معينة تحدد وظيفته في الجسم· وكل شيء في الجسم، من الشعر إلى الهرمونات إلى الإنزيمات يكاد يكون بروتيناً أو تصنعه البروتينات· وكل بروتين هو جين قد نُسخ وترجم· الجينات إذن كتل دقيقة غير مرئية من المواد الكيماوية الـ "دنا" تحمل التعليمات اللازمة لطريقة تنامي الجسم وعمله، تتحكم الجينات في نمونا وفي كيمياء أجسادنا، بل حتى في لون أعيننا وشعرنا وجلدنا؛ هي التي توجه تكوين كل خلية فينا من بدء الحمل وحتى الموت، وهي التي تنسق وظائف كل جهاز في الجسم وكل نسيج وكل خلية وكل جزء· وكل الجينات تعمل بشكل صحيح، لكن البعض منها لا يعمل، كذلك تتغير الجينات في بعض الأحيان بالطفرات، إذ قد يتحول حرف واحد في شريط الـ "دنا" داخل الجين، أو يُحذف، فيتغير البروتين الناتج عنه ولا يؤدي الوظيفة المطلوبة منه بالجسم كما يجب، أو لا يؤديها على الإطلاق، ومن ثم يُسبب مرضاً· كما أن إضافة أو حذف كلمة (كودون) أو أكثر داخل الشريط قد يسبب المرض أيضاً· تنتج مثل هذه الصور الطافرة من الجين بسبب الإشعاع أو بعض الكيماويات التي يتعرض لها الفرد أثناء حياته، أو بسبب حوادث غير معروفة تقع داخل الخلايا·

ما الجينوم؟

الجينوم البشري هو الجهاز الوراثي للإنسان الذي يحمله كل حيوان منوي وكل بويضة، توجد منه نسختان بنواة كل خلية من خلايا الجسم التي يبلغ عددها نحو 06 مليون مليون، يتألف الجينوم من جديلة طويلة من الـ "دنا" مقسمة إلى ثلاث وعشرين قطعة، كل قطعة تسمى كروموزوما، واحدة من الأب والأخرى من الأم إلا في حالة الذكور، إذ يحملون نسخة واحدة من الكروموزوم X (من الأم) ونسخة من كروموزوم Y (من الأب) بجانب النسختين من كل الكروموزومات الأخرى (التي تسمى الأوتوزومات)، تختلف الكروموزومات في الطول وأطوالها هو الكوروموزوم رقم 1 (362 مليون زوج من القواعد) وأصغرها الكروموزوم 21 (33.5 مليون زق)، ويبلغ طول كوروموزومات الإنسان جميعاً 3.18 ألف مليون حرف·

فإذا كان لنا أن نشبه الجينوم بالكتاب- فهو في الحق سفرنا- فسنقول إنه كتاب من 23 فصلاً، يُسمى كل منها إكسونا، تتخللها إعلانات لا علاقة لها بالنص الأصلي تسمى إنترونات، وكل فقرة تتكون من كلمات تسمى كودونات، وكل كلمة مؤلفة من ثلاثة أحرف يسمى كل منها قاعدة· وأبجدية الشفرة الوراثية أربعة حروف فقط هي أ، ث، س، ج· ثم إن كتابنا الوراثي لا يكتب على صفحة مسطحة كهذه الموجودة أمامك، وإنما على خيط طويل طويل تتتابع فيه الأحرف الواحد خلف الآخر، بكتاب الجينوم نحو ألف مليون كلمة، فإذا حاولت قراءته بصوت مسموع، وبسرعة عشرة أحرف في الثانية، فستظل تقرأ وتقرأ دون توقف تسع سنوات ونصف السنة·

يحمل الجينوم جينات الإنسان جميعاً، وهي -للغرابة- لا تشكل إلا نحو %3 فقط من طول الـ "دنا"، أما الباقي فهو من السقط الذي لا تعرف له وظيفة- وإن كانت بعض المناطق من هذا الـ "دنا" الذي لا يشفر لأي بروتين، قد قدمت دلالات مفيدة عن أمراض السرطان والسكر وهشاشة العظام·

قصة قصيرة

ماراكايبو بحيرة في فنزويلا على شواطئها تنتثر قرى يعمل معظم سكانها بصيد السمك· كان الكثيرون من أهالي هذه القرى يمشون في الشوارع دائخين يترنحون، حتى ليظن الزائر الغريب أنهم سُكارى، ثم اكتشف طبيب يعمل بقاعدة عسكرية هناك أن السبب في هذا السلوك الغريب هو مرض هنتنجتون· هذا مرض وراثي نادر للغاية، يُضمحل المخ ويصيب العقل والجسم في الرجال وفي النساء بكل السلالات البشرية، تظهر أعراضه أول ما تظهر في عمر ما بين الخامسة والثلاثين وبين الأربعين- وقد تظهر في عمر سنتين، كما قد تظهر عند السبعين، تبتدئ الأعراض بتحول في الشخصية، والاكتئاب، ثم يبدأ المريض في الترنح عند المشي وتصدر عنه حركات لا إرادية ولفلفة عند الكلام وهذيان وصعوبة في البلع، وينتهي الأمر بنوع من الخلل العقلي الفظيع، يتفاقم حتى يموت المريض بعد فترة مرض تتراوح ما بين 01 و52 عاماً· جين هذا المرض سائد، من يحمل منه نسخة لابد أن يصاب بالمرض إذا امتد به العمر، وليس ثمة علاج له·

نانسي ويكسلر عالمة أمريكية، كان لديها اهتمام خاص بمرض هنتنجتون هذا، فقد ماتت أمها به، ومن ثم هناك احتمال قدره %50 في أن تكون حاملة لجين هذا المرض· شدت رحالها إلى ماراكايبو عام 1979، تبحث عن عائلة كبيرة العدد يحمل بعض أعضائها هذا المرض، أو إن شئنا الدقة: تبحث عن الجين، فمعرفة الجين وتركيبه والبروتين الذي ينتجه هو أهم السبل في محاولة علاج المرض· عثرت على العائلة المنشودة، وجمعت ما تحتاجه من دم أفرادها وعادت إلى بلادها، لكنها رجعت إلى هناك ثانية في مارس 1981 ومعها فريق علمي، لتتكرر زياراتها إلى ماراكايبو بعد ذلك كل عام، تجمع عينات من دم أكبر عدد ممكن من أفراد العائلات التي يجري فيها المرض، وما أكثرها هناك، اكتسبت ثقة الأهالي عندما عرفتهم أن أمها قد ماتت بالمرض، كانت ترسل عينات الدم إلى معمل جيمس جوزيلا في بوسطون، حيث يستخلص الـ "دنا" ويفحص· ولقد تمكن جوزيلا بضربة حظ نادرة من اكتشاف المنطقة التي يوجد بها الجين المعطوب على الذراع القصيرة للكروموزوم 4، وأعلن عن ذلك في نوفمبر 1983· كان هذا أول جين بشري سائد يُوثق وراثياً·

غدا من الممكن تشخيص وجود جين المرض -بدرجة كبيرة من الثقة- قبل ظهور الأعراض، بل وحتى كشفه في الأجنة، حتى ليحاول بعض حاملي الجين الانتحار عندما يعرفون بذلك، فكلهم قد رأى أحد والديه يموت بهذا المرض الشنيع· أمن المفيد حقاً أن تعرف أنك ستصاب في قادم أيامك بمرض لا يُعرف له علاج؟ سيظل هذا السؤال يلح على أبناء مرضى هنتنجتون حتى يجد العلماء له علاجاً· ولقد حُدد الموقع الصحيح للجين المعطوب في عام 1993، وحُدد تتابع حروفه، واتضح ان العطب يأتي بسبب كودونات (كلمات) مضافة داخل الجين الطبيعي، تهتهةٍ متكررة لكلمة س أ ج تُفسد البروتين الناتج·

أخذ العلماء يتسابقون يبحثون عن جينات الأمراض الخطيرة، وربما كان أخطر ما تم من هذه البحوث في الثمانينيات من القرن الماضي هو الكشف الذي نشره فرانسيس كولينز (الرئيس الحالي لمشروع الجينوم) في سبتمبر 1989، إذ عزل جيناً يحمله %70 من مرضى التليف الكيسي- وهذا أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً بين القوقازيين، ولقد أدت هذه الحركة المحمومة في تعقب جينات الأمراض الوراثية (ومنها في الإنسان ما يزيد على سبعة الاف مرض، الخطير منها نحو 300 فقط) إلى قيام المشروع العالمي للجينوم البشري·

متى بدأ المشروع؟

ومتى سينتهي؟

كان لابد بعد هذه الإرهاصات أن تُجمع القوى العلمية والجهود في مشروع واحد مُخطط، يكشف عن التركيب الجزيئي لمادتنا الوراثية، عن تسلسل القواعد (الحروف) في دنانا: فبدأ مشروع الجينوم البشري، كان ذلك في أول أكتوبر 1990، وقدر أن يتطلب الأمر خمسة عشر عاماً، على ثلاث مراحل، كل منها خمس سنوات تنتهي في آخر سبتمبر 2005، والمشروع العالمي للجينوم البشري هو برنامج بحثي دولي (تشترك فيه جدياً خمس عشرة دولة) صمم بهدف رسم الخرائط الوراثية والفيزيقية المفصلة لكل الكروموزومات البشرية (وعددها 24 هي 22 أوتوزوما بجانب كروموزومي الجنس X وY)- سلسلة القواعد بها لتحديد تتابعها وتحديد مواقع وتركيب كل الجينات البشرية، ومن بينها بالطبع جينات الأمراض الوراثية- ثم إجراء هذا نفسه على كائنات حية أخرى بهدف تفهم عمل الجينات البشرية، فستجد مثلاً أن %40 من جينات دودة سينورايديتيس موجودة بالإنسان، ودراسة (دنا) هذه الدودة إذن ستعني الكثير لتفهم العمليات البيولوجية في البشر، ولقد أختيرت خمس كائنات هي: بكتيرية القولون (وانتهت سلسلة دناها في يناير 1997، وكان يحمل 3.6 مليون حرف ويضم 4286 جيناً)، وخميرة الخباز (انتهت السلسلة في أبريل 1996، وكان الجينوم يتألف من 12 مليون حرف تضم 6000 جين)، ودودة سينورايديتيس (وكانت أول حيوان تتم سلسلة جينومه بالكامل، وقد أُعلن عن ذلك في ديسمبر 1998، وكان يحمل 98 مليون قاعدة تضم 19 ألف جين)، وذبابة الفاكهة (انتهت سلسلة دناها في مارس 2000 وهو مكون من 137 مليون قاعدة تضم 13 ألف جين)، والفأر (وينتظر أن تنتهي سلسلة جينومه في عام 2003 ويُقدر طوله بنحو 3000 مليون قاعدة)·

كان من بين الأهداف الرئيسية للمشروع تطوير تقنيات أفضل لسلسلة الـ "دنا"، وقد كانت النتائج في هذا الخصوص أبعد بكثير من أفضل التوقعات، فمنذ عشرين عاماً كانت سلسلة 12000 قاعدة تستغرق أكثر من سنة، وكان الأمر منذ سنوات ثلاث يستغرق عشرين دقيقة، أما الآن فلا يستغرق سوى دقيقة واحدة، وقد أدى التطور السريع في طرق السلسلة عام 1993 إلى إعادة النظر في الأهداف الأساسية للمشروع، وفي أكتوبر 1998 أعلنت الخطة الخمسية الأخيرة (2003-1998) بإضافة أهداف جديدة، من بينها: دراسة التباين الوراثي لجنس البشر·

وفجأة أعلن كولينز رئيس المشروع أنه سينشر المسودة الأولى للجينوم في صيف هذا العام 2000، تغطي هذه المسودة %90 من جينات البشر، بدرجة دقة تبلغ %99.9 (خطأ واحد في كل ألف حرف) إذ يُكتفى هنا بالتأكيد على السلسلة خمس مرات فقط، على أن يحتفل بنشر الخريطة النهائية للجينوم في أبريل 2003 (بدرجة دقة %99.99، أي خطأ واحد في كل عشرة آلاف حرف، إذ تؤكد السلسلة عشر مرات، أو ثمان على الأقل)- في ذكرى مرور خمسين عاماً على نشر بحث واطسون وكريك الشهير الذي قلب علوم الوراثة رأساً على عقب (وإن كان هناك من يعتقد أن السلسلة الكاملة قد تنتهي هذا العام 2000 أو ربما العام القادم)· ستحمل المسودة، كما يقول كولينز "معلومات هامة لتطبيقات كثيرة، إنني أتعقب جينات الأمراض، ولدي قائمة تضم جينات عديدة حُددت مواقعها بالضبط: جينات للصم والصرع والتشوهات الوراثية، وأمراض أخرى"· وصدور المسودة الأولى سيدفع الكثيرين إلى البحث عن جينات مرضية أخرى·

لكن الجينات في المسودة لن تكون موضوعة بترتيبها الذي توجد به على الكروموزومات، والمعروف أننا لن نستطيع أن نتفهم الجينات تماماً إلا إذا وُضع كل منها في مكانه بالترتيب الطبيعي· لماذا إذن يعجل المشروع بنشر المسودة، وهو الذي يبث على الانترنت كل ما يتوافر لديه من بيانات في ظرف 24 ساعة من الحصول عليها، ليسمح للعلماء بمعرفة النتائج أولاً بأول؟

الإجابة هي تلك المنافسة التي ظهرت فجأة بين المشروع وبين شركة سيليرا، ففي مايو 1998 ترك فنتر كريج عمله الحكومي وأنشأ شركة خاصة أسماها سيليرا (وهذه كلمة لاتينية تعني: السرعة) بهدف توليد المعلومات الجينومية وتسويقها لدفع عجلة تفهم العمليات الحيوية، ولقد أعلن كريج أنه سينتهي من سلسلة الجينوم البشري كله قبل المشروع العالمي، مما سيسمح له "بتوثيق براءات لها"، وأنه ينوي أن ينشر مسودة الجينوم البشري هذا العام 2000، الأمر الذي دفع كولينز وقادة المشروع في أوروبا إلى الإسراع من مجهودات السلسلة واستخدام نفس التقنيات التي تعمل بها سيليرا، وإلى الإعلان عن عزمهم على نشر المسودة·

أياً كان الأمر، فستبقى مشكلة حل التتابعات، يعتقد كولينز وكريج أن مهمة الشرح والتفسير والتعليق ووضع الحواشي (بأن تضاف إلى خريطة الجينات وتتابعاتها كل المعلومات المتعلقة بعمل هذه الجينات) تتطلب عقوداً وعقوداً من السنين، وأنها أساسية في المعركة ضد الأمراض· ومن هذا المنظور فإن المشروع لن ينتهي أبداً·

ولما كان من المتوقع أن تكون للمعارف الوراثية التي ستنتج عن المشروع تضمينات خطيرة بالنسبة للأفراد والمجتمع، فقد تقرر لأول مرة في المشاريع العلمية العملاقة أن يُخصص ما بين 3 و%5 من ميزانية المشروع الأمريكي (التي تبلغ ثلاثة آلاف مليون دولار) لتحليل الآثار الأخلاقية والقانونية والاجتماعية، ووضع الخيارات لتطرح للمناقشة على الجماهير في كل مكان·

مضى المشروع إذن بخطوات أسرع بكثير مما كان متوقعاً· أصبحت نتائجه التي تذاع في كل يوم تشغل الأذهان، حتى لتدعو جامعة نبراسكا إلى عقد مؤتمر قومي يومي 19 و20 أبريل، ليبحث قضيته "إعداد المدرس للثورة الوراثية" وكيف ستتأثر المناهج الدراسية بنتائج المشروع، كما نُظمت وتنظم فصول للقضاة، للتعرف على ما يقوم به المشروع، وتضمينات نتائجه، كما تبث أيضاً على الانترنت مواد للأطفال تحكي عن المشروع ومنجزاته·

جينوم من

هذا الذي يُسلسل؟

هذا سر· لن يكون التتابع المرجعي للـ "دنا" الذي سيصدر عن المشروع العالمي للجينوم مطابقاً لتتابع فرد بذاته، لكن البشر جميعاً من كل السلالات يشتركون في نفس المجموعة الأساسية من الجينات ومناطق التنظيم، إذ يتطابق %99.9 من الـ "دنا" في أي فردين منا·

نشر الموضوع إعلانات بالصحف يطلب متطوعين، فتقدم نحو مائة شخص، أخذت منهم عينات لاستخلاص الـ "دنا": حيوانات منوية من الذكور، ودم من الإناث، تتميز الحيوانات المنوية بأنها تحمل جينوماً كاملاً به كل الكروموزومات، أما النساء فينقصها بالطبع الكروموزوم Y· شكلت "مكتبة" الجينوم التي يُسلسلها المشروع من (دنا) عدد من هؤلاء يتراوح ما بين عشرة وعشرين، بعد أن نزعت بطاقات هويتهم· فما يجري تحليله الآن إنما هو عينات لأشخاص مجهولي الهوية·

أما شركة سيليرا فقد نشرت إعلاناً في جريدة واشنطون بوست تطلب هي الأخرى متطوعين، وجمعت عينات من مني اثني عشر رجلاً "مجهولي الهوية" من مختلف الخلفيات العرقية، ثم استخدمت ست عينات منها لإجراء التحليل الدناوي، وعندما سأل الصحفيون كريج رئيس الشركة عما إذا كان دناه هو شخصياً من بين الستة، رفض الإجابة عن السؤال، وفي يوم 6 أبريل 2000 أعلنت شركة سيلير أنها قد انتهت من سلسلة جينوم شخص واحد حي- كان أول إنسان تُعرف التفاصيل الجزيئية لمادته الوراثية، أول شخص تعرف بصمته الوراثية الكاملة، وعندما تنتهي الشركة من سلسلة الأشخاص الخمسة الآخرين لتكمل السلسلة النهائية للجينوم، ستبيع المعلومات من قاعدة بياناتها·

كم عدد جيناتنا؟

تتباين تقديرات عدد الجينات البشرية التي يحملها كل منا في جينومه تبايناً واسعاً للغاية- ما بين 35 و120 ألفاً· تنشأ مشكلة التقدير من حقيقة أنه من الصعب عادة أن نعرف: أين يبدأ الجين، وأين ينتهي، داخل تتابع يزيد طوله على ثلاثة آلاف مليون حرف، كما أن بعض العلماء يتهم شركات "تحليل الجينات من أجل الربح" بأنها تبالغ في تقدير العدد،لتوحي بأهميتها· تتراوح التقديرات الآن ما بين 35 ألف جين و150 ألفاً، أما تقدير كولينز رئيس المشروع فهو 48011 جيناً، ولقد رأت إحدى المؤسسات أن تعلن عن مسابقة لتقدير عدد الجينات البشرية، تبلغ قيمة ورقة اليانصيب فيها الآن دولاراً واحداً، وتصبح دولارين في عام 2002 وثلاثة دولارات في عام 2003، وقد بلغ عدد المشتركين في هذه المسابقة حتى 17 مايو من هذا العام 228 شخصاً، وكان متوسط تقديراتهم 62600 جين·

التوابع الدقيقة

اتضح عند سلسلة الجينوم للسقط أن الـ "دنا" كثيراً ما يقع على تتابع قصير طوله يتراوح ما بين حرفين وخمسة، ثم يكرره مرات ومرات متجاورة، فيما يشبه التهتهة، ليشكل امتداداً دناوياً يسمى "التابع الدقيق"، من أكثر هذه التوابع انتشاراً في جينومنا البشري تابع يتكرر فيه الحرفان "س أ" مرات ومرات (س أس أس أ) في مواقع من الكروموزومات محددة منتثرة عشوائياً بالجينوم، رصد منها معهد جينثون الفرنسي 5264 موقعاً، ولقد سبق أن ذكرنا أن مرض هنتجتون ينشأ عن جين طبيعي تضاعفت بداخله مكررة من ثلاثة أحرف (س أ ج)· استخدمت أمثال هذه التوابع بالفعل في ساحات المحاكم لكشف المجرمين، فيما سمي "البصمة الوراثية"، يرث الفرد من كل تابع نسختين، واحدة من الأب والأخرى من الأم، وعادة ما تختلفان في عدد المكررات، كما تتباين الأفراد أيضاً فيما بينها، فإذا ما عُثر على دليل بيولوجي (نقطة دم مثلاً) في مسرح الجريمة، فمن الممكن استخلاص الـ "دنا" والكشف عن عدد من التوابع (خمسة مثلاً) لمعرفة عدد المكررات بكل منها، واذا ما تطابق عدد المكررات هذه بكل التوابع مع نظيره في عينة، تؤخذ من المشتبه فيه، أمكن حسم الموقف، وطبيعي أن تستخدم التوابع أيضاً في قضايا تأكيد البنوة·

غير أن لهذه التوابع أيضاً استعمالاً آخر غاية في الروعة في علم الانثروبولوجيا، إذ لوحظ أنها تطفر كثيراً بإضافة أو حذف مكررة، فمعدل الطفور بها مرتفع للغاية ويبلغ أقل من واحد في الألف في الجيل، يمكن أن تستخدم هذه الخصيصة في تعقب تواريخ هجرة الإنسان القديم من افريقيا، وخط سيره وانتشاره في ربوع الأرض حتى يصل إلى العالم الجديد، يتم ذلك بدراسة تكرار إضافة أو حذف الوحدات داخل التوابع في العشائر البشرية، استعملت هذه الوسيلة فعلاً، واتضح منها أن الإنسان قد بدأ الهجرة من أفريقيا منذ نحو 80 ألف عام، وهذا تقدير قريب جداً من التقدير الأركيولوجي·

تبعات اجتماعية

أنت تحمل جيناتك في أنوية خلاياك، فيها يكمن سرك الوراثي المتفرد، ليس من شخص يمتلك جينوماً يطابق جينومك، اللهم إلا إذا كان الله قد حباك بتوأم طبيق· لكن، هل هذه الجينات ملكك لا يحق لأحد أن يتلصص عليها؟ إن نقطة دم تسقط منك عفواً، أو شعرة في مشطك قد تفشي سرك الكبير· أما من قانون يحمي خصوصيتك الوراثية؟ يمنع أن يفحص دناك إلا إذا أردت، لتبقى نتيجة الفحص ملكك أنت لا يذيعها حتى الطبيب؟ الواضح أن الأمر يتطلب تشريعاً، فهناك أيضاً نزلاء في السجون قد يستخدمون دون إذن منهم في البحث عن تتابع دناوى شائع بينهم، عن جين "للإجرام"! ماذا لو كُشف عن مثل هذا الجين؟ (وإن كان هذا أمراً مستبعداً تماماً)، تستطيع أن نتخيل ما يمكن أن يحدث، طبيعي أن السجون لا تؤوي كل من يحملونه، فهم لم يرتكبوا جرائم، لكن كشفه لدى أي فرد، أي طفل سيسمه ظلماً بالاجرام- إن لم يكن قد أجرم، فسيجرم! وكيف إذن نحاكم حامل هذا الجين إذا أجرم؟ إنه لم يفعل سوى أن نفذ ما أملته عليه جيناته التي لم تصله باختياره! نسمع الآن كل يوم عن جين جديد اكتشف· اتصلت بي مرة صحفية تسألني: هل صحيح أنهم وجدوا جيناً للبخل؟ لقد سمعت عن ذلك وتود أن أؤكده لها، فلما سألتها عن تعريفها لصفة البخل، لم تستطع الاجابة· لكي نبحث عن جين لصفة يلزم أن تكون هذه الصفة محددة واضحة لها مقاييس يمكن بها أن تميز بين الناس، ونزلاء السجون لهم صفة، هي الاجرام· غير أنها صفة يحددها قاض وقانون لمجتمع، وقد يختلف رأي القضاة، كما أن القانون قد يختلف بين الدول، لكن هناك صفات سلوكية أخرى يمكن تعريفها وتحديدها: صفة الشذوذ الجنسي في الرجال مثلاً، لقد أثارت هذه الصفة أحد علماء الوراثة، فأخذ يبحث لها عن جين، وقال إنه قد توصل من أبحاثه إلى أن هناك جيناً لهذه الصفة موجوداً على كروموزوم الجنس X، ثم إنه نشر كتاباً في هذا الموضوع· ماذا لو كان كلامه صحيحاً؟ ماذا لو أمكن تحديد موقع الجين وتركيبه؟ كيف تحاكم أو تزدري شخصاً دفعته جيناته إلى هذا السلوك المشين؟

وراء هذا كله فكرة "الحتمية الوراثية" التي تقول إن جيناتك قدرك، والتي كتفها في أذهان الناس مشروع الجينوم، ولقد تكون الحتمية صحيحة بالنسبة لجينات كجين هنتجتون، فحامل الجين سيصاب بالمرض إذا مد الله في عمره، لكنها بالتأكيد ليست صحيحة بالنسبة لمعظم الصفات السلوكية·

البشارة الأولى

في اليوم الأول من ديسمبر 1999 أعلن عن الانتهاء من سلسلة الكروموزوم 22- ثاني أصغر كرموزومات الإنسان· كان أول كروموزوم بشري تنتهي سلسلته بالكامل· فتح عالم جديد للبيولوجيا- عالم جديد غريب: يصعب علينا الآن أن نقدر ما ينتظرنا فيه، فكيف بالله سنقيم رواية بقراءة فصل واحد منها؟

يبلغ طول الدنا بالكرموزوم نحو 33.5 مليون قاعدة، ويضم 679 جيناً، بينها 545 جيناً عاملاً· كشفت هذه الجينات العاملة بسهولة لأنها تشفر لبروتينات لها نظائر بالكائنات الأخرى التي فحص دناها، أما بقية الجينات فهي جينات مفترضة يتنبأ بها علماء النمذجة بالكمبيوتر من بين الجينات التي يحملها الكرموزوم 22، جين للشيزوفرانيا لم يحدد بعد موقعه بالضبط، وإن اعتبر جوهرة تاج علم الجينوم، وجين آخر لنوع من اللوكيميا (سرطان الدم)، وجين مسؤول عن ضغط الدم العالي، لأول مرة نعرف كيف تنظم لجينات البشرية على طوال الكروموزومات، ثمة إشارات موحية عن الطريقة التي تطور بها هذا الكروموزوم، لأن به ثماني مناطق دناوية على الأقل تتكرر كل منها مرتين، وتلك خصيصة من خصائص الجهاز الوراثي، إن تكن قراءة تاريخه أمراً مستحيلاً إلا بالمقارنة بـ "دنا" الحيوانات العليا الأقرب إلى الإنسان- وهذا أمر لم نتمكن منه بعد·

الفتح الثاني

تتزايد السرعة التي تعلن بها كشوف الجينوم الآن، حتى لنلهث بالفعل في تعقبها، في يوم 8 مايو 2000 أعلن أن سلسلة (دنا) الكروموزوم 21 قد انتهت، هذا أصغر الكروموزومات البشرية طولاً (أقل بقلل من 33.5 مليون قاعدة)، لكنه يضم 225 جيناً متوقعاً، ولا يصل إلى نصف عدد جينات 22 الذي يقاربه طولاً· ورغم قلة عدد جيناته، فإن العلماء يولونه اهتماماً خاصاً، لأنه الكروموزوم الوحيد المرتبط بمتلازمة داون (الطفل المغولي)، فالطفل المغولي يحمل ثلاث نسخ من الكروموزوم 21، لا اثنتين، ويبدو أن قلة عدد الجينات هي السبب في ألا تموت الأجنة ثلاثية 21، كما يحدث في الحالات النظيرة مع أي أتوزوم آخر· ومتلازمة داون هي أكثر أسباب التخلف العقلي شيوعاً في البشر، إذ يُولد بها طفل من بين كل سبعمائة، كما يرتبط بها أكثر من ثمانين مشكلة جسدية وعقلية· والحقيقة أن هذا الكروموزوم 21 يعتبر منجماً لباحثي الطب إذ يحمل على صغره 21 جيناً مرضياً من بينها جينات أمراض: الألزهايمر 1، والبول الهوموسيستيني، وإعتام عدسة العين، والصرع، والصمم، فتح الطريق أمام العلماء الآن للبحث عن الجينات التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بمتلازمة داون، وبغيرها من هذه الأمراض، وربما كان من المثير أن نذكر أن الكروموزوم 21 يحمل بضع مناطق لها النظير في الفأر على الكروموزومات 10 و16 و17- للعلماء إذن أن يبدأوا في استخدام خريطة الفأر كمرشد لهم·

بماذا يَعِد المشروع؟

إن الانتهاء من سلسلة الجينوم البشري لا يعني نهاية العمل، بل سيكون في الواقع مجرد بداية، بداية علوم "ما بعد الجينوم"، فسلسلة الجينوم شيء وتفهمه شيء آخر· سيبدأ العمل جدياً في كشف وظيفة كل جين خرطن وعُرف تتابعه وحدد مكانه على كروموزوم ليكشف عن البروتين الذي يشفر له، فنحن لا نعرف وظائف معظم الجينات· سيكون التحدي الأكبر هو ترجمة تتابع القواعد إلى فوائد محسوسة تنفع جنس البشر، لا سيما في حقل الطب، فلكل الأمراض مكون وراثي، سواء أكانت أمراضاً وراثية أو ناتجة عن استجابة الجسم لتصاريف البيئة -كالتعرض للاشعاع أو الفيروسات أو السموم· تساب شركات البيوتكنولوجيا في استغلال المعارف التي تتدفق عن المشروع لابتكار وسائل سهلة لكشف أدق للطفرات في الجينات ولتقدير أفضل للمخاطر، وتشخيص أدق للأمراض، وتوصيف أسرع للـ "دنا" إذا فسد، ثم لآليات إصلاحه· والهدف في نهاية المطاف هو الوقاية من الأمراض التي تصيب البشر، أو علاجها- الوقاية قبل العلاج، ففوائد الجينوم، كما قال بيل كلينتون "يجب ألا تُحسب بالدولار، وإنما بما ستقدمه لجنس البشر"·

سيتجه العلماء إذن بعد أن تتوافر معارف الجينوم الكاملة إلى البحث عن وظيفة كل جين- وهذا الأمر سيشغلهم طيلة هذا القرن، فقرننا الحالي هو قرن البيولوجيا· سيكشفون الطرق التي تتسبب بها الجينات في حلول المرض، ستتحول الجهود التجارية من التشخيصيات، نحو تطوير جيل جديد من العقاقير يرتكز على الجينات وتركيبها، ستظهر طرق جديدة ثورية لتصميم العقاقير ترتكز على منهج يستخدم تتابع الجين نفسه وبنية البروتين الناتج عنه، بديلاً عن طريقة "التجربة والخطأ" المعتادة· ستفصل العقاقير للمرضى، كل حسب جينومه· وتعد هذه العقاقير- التي ستكون موجهة إلى مواقع معينة من الجسم- بأن يكون لها أقل الآثار الجانبية، مقارنة بعقاقير اليوم، سيسمح المشروع بازدهار شركات البيوتكنولوجيا، حتى ليقدر البعض أن تصل مبيعات المنتجات التي ترتكز على الـ "دنا" إلى 45 ألف مليون دولار في عام 2009، ثم هناك استعمال الجينات ذاتها في العلاج- فيما يسمى العلاج بالجينات، ربما كان العلاج بالجينات هو أكثر تطبيقات علم الـ "دنا" إثارة- صحيح أنه لايزال في مرحلة الطفولة، لكنه يتطور بسرعة ويعد بتوفير علاجات لبعض الأمراض الوراثية الخطيرة، بل وحتى الأمراض المكتسبة- وفيه تُستبدل بالجينات المعيبة جينات طبيعية، أو تستخدم الجينات الطبيعية في تدعيم المناعة ضد المرض، قل مثلاً بإضافة جين يكبت النمو السرطاني·

ستثور المعارف الجينومية الطب بلا شك، وتدفعه دفعة هائلة، لكن هل سينعم بها الفقير مثل الغني؟ أم أن النتيجة ستكون زيادة الظلم الاجتماعي؟ من الممكن أن تستخدم الخريطة الدناوية، كما رأينا، في كشف قابلية الفرد للإصابة بالأمراض، مما يمكنه من تغيير أسلوب حياته مبكراً أو أسلوب رعايته الصحية· ولقد اكتشف المشروع بالفعل أيضاً أمراضاً وراثية جديدة نقرأ عنها كل أسبوع تقريباً، فهناك جينات اكتشفت تسبب سرطان القولون وسرطان الثدي وسرطان البروستاتا، ومرض السكر والألزهايمر، لكن من يستطيع أن يدفع تكاليف الفحص سوى الأثرياء· ثم إن مثل هذه الاختبارات الجينية ستكون هدفاً لشركات التأمين التي تريد أن تعرف ماذا تخبئه جيناتك لك· فإذا كان من حقها أن تجري هذا الاختبار على زبائنها لتعرف قبل التأمين مدى احتمال الإصابة بأمراض معينة، كمرض القلب، فإن هذا قد يؤثر على فرصة حصولك على وثيقة التأمين، أو أنه قد يتدخل في تحديد قيمتها· وهذا نوع من التمييز الوراثي· صحيح أن هذا ممنوع في انكلترا مثلاً، لكنه ليس كذلك في هولندا أو مصر· ثم إن صاحب العمل قد يطلب هو الآخر اختباراً وراثياً يُجرى على من سيوظفهم للتأكد من أنهم لا يحملون جينات القابلية للإصابة بأمراض يحددها هو· ولقد نشرت كلية الطب بجامعة هارفارد دراسة، تقول إن هناك مائتي قضية موثقة للتمييز الوراثي رُفعت أمام المحاكم عام 1996· ربما كانت أشهر الأمراض التي أثارت بالفعل تفرقة وراثية هي أنيميا الخلايا المنجلية ومرض هنتنجتون والتليف الكيسي· من العدل ألا تتدخل نتائج الاختبارات الوراثية للأمراض التي يُحتمل أن يصاب بها الفرد، في إمكانية التأمين عليه أو في توفير وظيفة له· "إن علينا أن نحظر استخدام الاختبارات الطبية في التمييز بين الأفراد" كما قال كلينتون· ثم إن الأبسط والأرخص أن نلجأ إلى الحقيقة التي تقول إن لدى كل منا صورة أو أكثر من صور الخطأ الوراثي· إن كلا منا يخبئ في طاقمه الوراثي عدداً من الجينات عدداً من الجينات المرضية قد لا يرغب هو نفسه في معرفتها· فبأي صفة يكون لصاحب العمل أو لشركة التأمين الحق في كشفها؟ يقول فرانسيس كولينز: "إن كل واحد منا يمشي حاملاً 30 أو 40 خللاً في دناه، وحساب مخاطر كل هذه سيكون أمراً معقداً غاية التعقيد، ومكلفاً حتى ليصعب إجراؤه"· إن المشروع سيجعلنا جميعاً مرضى، كما قال شارجاف· فهل ستقبل شركات التأمين واصحاب الاعمال تقدير هذه المخاطر بالنسبة لمن يرغبون في التأمين أو في العمل؟

لكن تضمينات الامكانات الجديدة للطب الحديث، المرتكزة على خريطة (دنا) الفرد، تمضي إلى مدى أبعد من التأمين، ومن اختيار اصحاب الأعمال لموظفيهم، فمن الممكن أن تستخدم هذه التقنيات على الأجنة في بطون الأمهات بحثاً عن أمراض الجين الواحد، أي الأمراض التي تنشأ عن خطأ أو طفرة في جين واحد، مثل مرض التليف الكيسي أو مرض ليش نيهان أو تاي ساكس· إن مثل هذا الأمر سيؤدي بالقطع إلى زيادة عمليات الاجهاض، وسيثير بذلك قضايا أخلاقية ودينية وفلسفية خطيرة· لكن، ما الذي سيدفع امرأة أن تبقي في رحمها جنيناً تعرف مقدماً من الفحص الوراثي لدناه أنه سيموت في سن الطفولة؟ أو أنه سيكون متخلفاً عقلياً؟ وإلى أي مدى يا ترى سنمضي؟ هل نجهض جنيناً تقول مادته الوراثية إنه سيموت في سن الأربعين أو الخمسين بمرض كمرض هنتنجتون مثلاً؟ وماذا اذا كان سيصاب بمرض السكر في عمر الخمسين؟ ثم ألا نتوقع أن تؤدي فحوص الـ "دنا" على الأجنة إلى السماح للآباء بالتطلع إلى "الوليد التفصيل"، الذي يحمل الصفات التي يأملون ان يروها في ابنائهم، حتى لو تم ذلك بالهندسة الوراثية في الأجنة المبكرة، أي باللعب في الجينات البشرية؟ صحيح أن هذا مستبعد جداً في المستقبل المنظور، لا سيما ان الخصائص التي يبحث عنها الآباء عادة ما تكون خصائص معقدة، كصفة الذكاء أو صفة الزعامة، فمعظمها صفات تنتج عن تفاعل عدد كبير غير معروف من الجينات يصعب حصره أو تحديده، كما تتدخل البيئة إلى حد كبير في تعبيرها· لكن: أبداً لا تقل أبداً! فهناك الآن من العلماء (مثل لي سيلفر) من يناقش هذه القضية جدياً، ويخشى من أن استخدام التقنيات الوراثية الحديثة لمعرفة القدرة الوراثية قد يؤدي إلى انفصال البشر في نهاية الأمر إلى نوعين مختلفين، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان مرة أخرى قصة الإنسان الحديث وإنسان نياندرتال·"

 

* الكتاب وجهات نظر - العدد الثامن عشر - يوليو 2000·

** أستاذ بكلية الزراعة - جامعة القاهرة·

 

طباعة