· إنه لم يكن يحب نازلي، وهذا أمر كان مفروغا منه عند الذين يعرفون أحمد حسنين ·· ولكنه كان حريصا على أن تحبه هي، ومن هنا كان يتعمد أن يثير غيرتها ··
· وكان حسنين باشا يرى ويسمع ويراقب، ولكن في حذر شديد بل كان يتظاهر - أمام فاروق - بأنه لا يرى ولا يسمع ولا يعرف شيئا عن مغازلات ومغامرات صاحب الجلالة
· وكانت "السجينة" المذكورة هي الملكة نازلي ·· وهي نفسها التي كانت تقول لكل من يقابلها وتأمن جانبه: "أنا سجينة الملك فؤاد" ··
· كلا ·· سن الرشد هي الثامنة عشرة ·· وهلالية لا ميلادية ·· ويتولى فاروق سلطانه كملك دستوري بعد عشرة شهور لا سبعة أعوام ··
* كان الاستاذ محمد التابعي من ابرز الصحفيين المصريين والعرب من العشرينات الى الخمسينات من القرن العشرين وطوال هذه المسافة التي امتدت اكثر من اربعين سنة كان الاستاذ محمد التابعي هو الرجل الذي قام على انشاء مجلة "روز اليوسف"، ثم حقق مشروعه الصحفي الخاص بإنشاء مجلة "آخر ساعة" شارك التابعي اثنين من زملائه الصحفيين هما الاستاذ محمود ابو الفتح والاستاذ كريم ثابت في تأسيس جريدة "المصري"، ولم يلبث الاستاذ محمد التابعي ان باع حصته - وهي حصة الثلث - في جريدة "المصري" الى الاستاذ ابو الفتح، وما هي الا سنوات حتى تنازل عن مجلة "آخر ساعة" لدار "اخبار اليوم"، والسبب في الحالتين ان مزاج الفنان محمد التابعي غلب حرص صاحب المشروع، سواء في نصيب الثلث من "المصري"، او الملكية الكاملة لـ "آخر ساعة"·
وطوال عمله الصحفي فقد اتيح للاستاذ التابع ان يعرف عن قرب قريب بعضا من اشهر السياسيين في مصر وقتها، وأهمهم "أحمد محمد حسنين" (باشا) رائد الملك "فاروق" ثم رئيس ديوانه، والفاعل الرئيسي في القصر الملكي منذ وفاة الملك "فؤاد" إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، مرورا بحادث 4 فبراير 1942 وقبله وبعده، والى جانب ذلك فقد كان "حسنين" (باشا) هو المرشح الدائم لـ "فاروق" ليرأس وزارة قصر، وهو امل لم يتحقق حتى مات "حسنين" (باشا) في حادث اصطدمت فيه سيارته بسيارة عسكرية بريطانية فوق كوبري قصر النيل، ولم يكن في سيارة رئيس الدويان الملكي غيره وضابط حراسة لم يصب بسوء في حين قتل "احمد حسنين" (باشا) على الفور·
وقد عثرت ابنة الاستاذ محمد التابعي، وهي السيدة شريفة التابعي، اخيرا على كمية كبيرة ومثيرة من اوراقه الخاصة، وكانت بينها هذه الرواية لشاهد عيان على قصة الغرام الشهيرة للملكة "نازلي" والدة الملك "فاروق" - مع "أحمد محمد حسنين" (باشا) رئيس ديوانه·
بريق السلطة
لم يكن احمد محمد حسنين باشا بطلا معدودا من أبطال الوطنية المصرية، ولم يكن خائنا لبلاده أو صنيعة للاستعمار كما اتهمه بعض خصومه· وبعض الذين لم يعرفوه، او الذين عرفوه ولم يحبوه·
ولكنه كان رجلا ذا مطامع واسعة، وكان كل نجاح يلقاه يغرية بالتماس نجاح آخر· وكل منصب يرقى إليه يغريه بالسعي وراد منصب آخر يفوقه سلطة ونفوذا، وكانت خطواته مطردة دائما، إلى الأمام، لم يتعثر مرة واحدة، ولم يقف أو يتقهقر أو يرتد إلى الوراء مرة واحدة، دائما إلى الامام، وإلى ما هو اقوى واوسع نفوذا·
بطل رياضي
كانت حياته سلسلة من الانتصارات، ولم يعرف الهزيمة سوى مرة واحدة، وكان ذلك حادث 4 فبراير سنة 1942، ولكنه استطاع ان يثأر لنفسه بعد عامين يوم دبر إقالة وزارة مصطُى النحاس في 8 اكتوبر 1944·
وهكذا رد اللطمة للسفير البريطاني سير مايلز لامبسون او لورد اوف كيلرن، كما ردها مضاعفة للسيد مصطفى النحاس·
وكان أحمد محمد حسنين يضع خططه بدقة واحكام، وينفذها بكياسة ومهارة وحذر، ولا يضيق صدره ولا يخونه صبره مهما طال الاجل، او لاقى من صعوبات ·· وكانت الخطة الأولى أو الخطوة الأولى الواسعة في طريق تحقيق مطامعه هي مصاهرة الأسرة المالكة· ولقد استطاع الشاب النحيل القامة الوسيم الطلعة الانيق في ملبسه، الساحر في حديثه، الرشيق في حركاته، الرياضي البطل في دنيا الرياضة والمغامرات، والرحالة الذي جاب مجاهل الصحراء وواجه الموت مرارا في رمالها المحرقة وفيافيها الجدباء والذ ي اغدقت عليه صحف العالم من الثناء والإعجاب ما لم تغدق مثله إلا على قليلين من كبار المكتشفين·
استطاع هذا الشاب احمد محمد حسنين - ابن الشيخ محمد حسنين المدرس بصحن الازهر الشريف - ان يتزوج من لطفية وأصبح من أصهار الاسرة المالكة وزوجا لاخت الاميرة فوقية كريمة الملك فؤاد·
الخطوة "الخطة"
وكان فؤاد قد تصالح قبل ذلك بسنوات مع مطلقته شويكار، وهكذا عزز حسنين مركزه وثبت قدميه على أولى درجات السلطة في دنيا المناصب والجاه والنفوذ، والا فأي رئيس أو وزير بل وأمير كان يجسر يومئذ أن يتجاهل هذا الشاب - أحمد حسنين - صهر الأسرة المالكة وزوج كريمة الزوجة الأولى لصاحب العرش والتاج؟
كانت هذه هي الخطة أو الخطوة الأولى ·· وقد أسميتها خطة أو خطوة لانها كانت مرسومة، ولان الزواج لم يكن مقصودا لذاته بل كان وسيلة للوصول إلى غرض أو هدف مقصود في طريق النجاح وتحقيق المطامع الواسعة، والديل الذي لا يحتاج معه أو بعده إلى دليل آخر أن حسنين يوم تزوج من المغفور لها السيدة لطفية لم يكن يحبها، لقد استطاع ان يفتنها ويخلب لبها ويوقعها في حبه، اما قلبه هو فكان خاليا من أي حب لها، صحيح انه لم يكن يكرهها، كلا ·· ولكنه لم يكن يحبها يوم خطبها ويوم تزوج منها، وبعد الزواج - لا قبله - وبعد المعاشرة أو "العشرة" وبعد أن انجبت له أولاده ·· أحبها حسنين ·· أو كما قال لي هو نفسه ·· "إن لطفية كريمة رقيقة حنون تستحق كل حب وهي أم مثالية، وقد احببتها بعد الزواج كما لم أحب امرأة اخرى"!·
والآن وقد عرفنا كيف ولماذا تزوج حسنين من لطفية ابنة الاميرة شويكار ·· يبقى أن نعرف لماذا طلقها مع انه - باعترافه - كان يحبها كما لم يحب امرأة سواها؟!··
لماذا أطلقها؟
كان زواجه منها خطوة في سبيل تحقيق مطامعه الواسعة وكان طلاقه لها خطوة اخرى في نفس الطريق ·· وساذكر الطريق فيما بعد ··
ونعود الآن إلى يوم توفى الملك احمد فؤاد في 26 أبريل 1936، لم تمض اسابيع قليلة على وفاته حتى كثر الهمس بين موظفي القصر وفي الاوساط الخاصة المتصلة به، ان "السجينة" قد حطمت قيودها وانطلقت - وهي لاتزال بعد ترتدي ثياب الحداد - انطلقت تمرح وتحاول ان تعوض ما فاتها وتنهل من عيون الحياة وينابيعها·
وكانت "السجينة" المذكورة هي الملكة نازلي ·· وهي نفسها التي كانت تقول لكل من يقابلها وتأمن جانبه: "أنا سجينة الملك فؤاد" ··
ولقد تعددت الروايات واختلفت عن زواج "السلطان" أحمد فؤاد من نازلي كريمة المرحوم عبد الرحيم صبري باشا، ولكن الذي سمعته من رواة ثقاة من اقاربها هو انها ارغمت على هذا الزواج، وانها كانت تحب شابا من اقربائها واكتفى بذكر الحروف الأولى من اسمه (ش· ش) لانه لا يزال بيننا على قيد الحياة·
كانت نازلي تحب قريبها الشاب، وكان أملها في الزواج منه كبيرا الى أن خطبها "عظمة السلطان" أحمد فؤاد من أبيها ·· وفي اليوم المحدد لعقد القران هربت نازلي - في الصباح الباكر - من قصر أبيها ولجات الى حبيبها ش· ش·
وراح الفتى يتنقل - وهي معه - طول اليوم من دار صديق الى دار صديق، خوفا من مطارديه، فقد انطلق الاقارب وسلطات الدولة كلها تبحث في كل مكان عن خطيبة عظمة السلطان·
أسنان مخلخلة
وأخيرا أدرك الفتى أن لا فائدة، ولعله كذلك خاف مما قد يصيبه من بطش السلطان فاركبها عربة حنطور واعادها الى قصر ابيها في المساء ·· وعقد القران، وأصبحت نازلي صاحبة العظمة السلطانة، سلطانة ولكنها حبيسة في القصر، عليها في كل ردهة وكل رواق وغرقة عيون وارصاد ولا تغادر القصر إلا بإذن، ولا تزور ولا تزار إلا بإذن، فقد كان أحمد فؤاد شديد الغيرة على زوجته الشابة الجميلة·
ولقد أصاب نازلي من فؤاد عدة امراض ليس اقلها شأنا تقيح اللثة أو "البيوري"، قال لي دكتور ستانكيفتش طبيب الاسنان، وهو روسي الأصل، وكان متزوجا من أميرة بولونية، وكان طبيب الاسنان الخاص للملك فؤاد وأسرته، قال لي مرة بعد وفاة الملك فؤاد: إن في فم الملكة نازلي تسع اسنان (عايمة) أو "مخلخلة" بسبب تقيح اللثة· ولما كان يعرف أن الملك فؤاد عنده نفس الداء "تقيح اللثة" فقد سألها ذات يوم لكي تأكد من أصل العدوى وسببها، سألها:
- هل جلالة الملك يقبلك في فمك؟
وضاقت عيناها قليلا وقد بدا فيهما حقد وسخط وقالت: يقبلني في فمي؟ ·· إنه لا يكتفي بمجرد التقبيل!
وكانت عيناها وصوتها وقسمات وجهها تنطلق بالاشمئزاز والكراهية، هذه رواية دكتور ستانكيفتش وقد أيدتها مصادر أخرى وهي أن نازلي لم تكن تحب زوجها أحمد فؤاد·
سجينة القصر
وبقيت نازلي سجينة القصر أو في "قفص من ذهب" سبعة عشر عاما هي الربيع وخير ما في العمر وسنوات الصبا والشباب··
وأخيرا تحررت يوم مات "سجانها" الملك احمد فؤاد، وكان ربيع عمرها ولي ومن بعده الصيف أوشك كذلك أو يكاد ·· وانطلقت نازلي - بشراهة ونهم - تنهل من عيون الحياة وتطفيء نار الظمأ الذي أحرق حشاها السنوات الطوال!
وكثر الهمس، وذكرت أسماء بعض ضباط الحرس وموظفي القصر، ثم تركت الشائعات حول اسمين اثنين وهما أحمد محمد حسنين والياور "البكباشي" يومئذ عمر فتحي·
وما من شك في ان ملكة مصر يومئذ - نازلي - كانت تريد أن تلهو بالرجلين وان تضرب أو تضارب أحدهما بالآخر وان تثير الغيرة في صدر هذا ضد ذاك وأن تتلذذ بمشاهدة الغيرة والمنافسة بين رجل الحاشية الوسيم وضابط الحرس الرشيق، وأن تعبث وتلهو ·· ولقد سمعت من حسنين هذه الحكاية، طلبت منه المكلة نازلي ذات يوم أن يمر عليها في الساعة كذا لكي يصحبها إلى حفله ما في المساء، وذهب حسنين في الموعد المحدد ووقف ينتظر، واخيرا سال عن جلالة الملكة، وطلب من إحدى الوصيفات أن تذكر صاحبة الجلالة بموعد الحفلة وأن حسنين في الانتظار، وقالت الوصيفة: "ولكن جلالة الملكة غادرت القصر منذ ساعة وذهبت فعلا الى الحفلة"··
السمكة والصنارة
وسألها حسنين: ذهبت وحدها:
قالت الوصيفة: كلا: فقد صحبها عمر فتحي بك!
ولكن لعبتها لم تطل لأن أحد الرجلين - عمر فتحي - لم تكن له مطامع، ولأنه طول خدمته في القصر كان حريصا دائما علي أن يكون في "حاله" وان يؤدي واجبات منصبه، فقط ·· ومن ثم فقد انسحب باختياره وترك الميدان خاليا امام حسنين ·· هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن احمد محمد حسنين كان أدهى بكثير مما قدرت نازلي ملكة مصر ·· لقد كان في قصر "كنرى هاوس" بلندن في معية صاحب السمو الملكي التلميذ الأمير فاروق ولي العهد وأمير الصعيد يوم جاءهم نبأ وفاة الملك فؤاد والمناداة بفاروق ملكا على مصر وعاد حسنين في صحبة الملك الجديد الى مصر، وفي رأسه خطة مدروسة مرسومة محكمة التفاصيل، كان يعرف عن نازلي أكثر مما يعرف أي موظف آخر من موظفي القصر، كان يعرف الكثير عن "سجنها" وعذابها وغيرة زوجها الملك فؤاد وحسرتها وتلهفها على الحياة المرحة الطليقة، ومن هنا عاد الى مصر - والى القصر - وقد قرر في نفسه أمرا - ان يتركها - يترك نازلي - تشده وتصده، وتعرض وتقبل، وتروح وتعود، وأن تغازل هذا و "تستلطف" ذاك ·· وهو دائما هادئ يبتسم، لا يغار ولا يتحرك ·· وأن يمد لها في حبال الصبر كما يمد الصياد الماهر المجرب في خيط الصنارة ·· التي علقت بها سمكة عنيدة ·· السمكة تشد وتجذب وتقفز وتغوص وتطفو، وتقاوم والصياد يرخى من خيط الصنارة حينا ·· ويشده حينا وهكذا الى أن تخور قوى السمكة وتستسلم·
رفع سن الرشد
وهكذا فعل حسنين ·· إلى ان تعبت نازلي واستسلمت أو أسلمت قيادها لاحمد حسنين ·· وبدأت هي الت تغار والتي تحاسب حسنين اين كان؟ ومع من؟ وماذا فعل؟ وكيف أمضى سهرته؟ الى آخر ما تفعله المرأة التي تحب بعد أن تكون قد جاوزت سن الشباب·
وهو؟ ·· هل كان يحب نازلي؟
كلا، ولكنه كان حريصا على استرضاء "ملكة مصر" وأم ملك مصر ·· وصاحبة النفوذ الأعلى عند ابنها فاروق فقد كان فاروق يومئذ يحب أمه ويحترمها بل ويخشاها ويخشي غضبها ويعمل لها حسابا ولا يخالف لها امرا، وكان حسنين يعرف هذا كله، ويدرك أن الذي يسيطر على نازلي يستطيع - عن طريقها - أن يسيطر في الوقت نفسه على الملك فاروق ··
عاد فاروق من انجلترا - حيث كان بدأ دراسته - عاد في الاسبوع الاول من شهر مايو 1936 ·· وكان هناك مجلس وصابة على العرش مؤلفا من صاحب السمو الملكي الامير محمد علي توفيق وصاحبي المقام الرفيع عبد العزيز عزت باشا ومحمد شريف صبري باشا خال فاروق، وكانت الوزارة يومئذ وفدية برئاسة "صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس (باشا) واقترح الامير - محمد علي - وهذه شهادة حق اقررها التاريخ، اقترح رفع سن الرشد للملك الى سن 25 سنة وان يعود فاروق الى انجلترا ليكمل دراسته ·· ولكن الوزارة رفضت هذا الاقتراح، وأعلن السيد مصطفى النحاس أن وزارته تحترم وتستمسك بأحكام الشريعة والقانون والدستور ·· وان هذه جميعها تقرر أن سن الثامنة عشرة هلالية هي سن الرشد والبلوغ، وان جلالة الملك يتولي ويمارس سلطاته الدستورية والحالة هذه في يوم 28 يولية عام 1937·
نصف أميّ
ولم يكن الاستمساك باحكام الشريعة والقانون والدستور سوى ذريعة أو حجة·
والحقيقة ان زعماء الوفد كانوا يعتقدون - بعد أن أراحهم الموت من خصمهم العنيد احمد فؤاد - كانوا يعتقدون أن في إمكانهم أن يضعوا فاروق الملك الشاب في "جيوبهم" وأن يسيروه ويوجهوه كما يريدون·
ما حاجتهم اذن لمجلس وصاية يمارس سلطات الملك سبع سنوات؟ ما حاجتهم الى هذا المجلس الذي يرأسه أمير من الطراز التركي القديم؟ ·· أمير كثير الطلبات ·· كثير المعارضة ·· يخرف حينا ·· ويثرثر حينا ·· ولا يمل الحديث عن أجداده العظام ·· وإذا ذكرت حقوق الشعب أمامه، تململ أو هز كتفيه استخفافا!··
كلا ·· سن الرشد هي الثامنة عشرة ·· وهلالية لا ميلادية ·· ويتولى فاروق سلطانه كملك دستوري بعد عشرة شهور لا سبعة أعوام ··
وهنا رؤى أن يقوم الملك الشاب نصف الأمى، والذي لم يكمل دراسته ولم يحصل من العلم الا اقل القليل، رؤى أن يقوم برحلة طويلة إلى أوروبا، لعل الرحلة تزيد في تجاربه ومعلوماته ولو قليلا ··
وتقرر أن يصحبه في هذه الرحلة أمة الملكة نازلي وشقيقاته الاميرات فوزية وفايزة وفايقة وفتحية، ومعهن المربيتان الانجليزيتان، واستاذهن للغة الرجل الطيب الاستاذ أحمد يوسف ومستر فورد مدرس التاريخ والجغرافيا للملك الشاب·
والسيدة الجليلة زينت ذو الفقار بصفتها "السيدة المرافقة" للملكة نازلي، وكريمتها الآنسة صافيناز ذو الفقار ·· وخال الملك فاروق حسنين باشا صبري، والسيدة الكريمة زوجته شهيرة الدرمللي·
الرحلة شبه رسمية
وعلى رأس الحاشية "رائد الملك" احمد محمد حسنين ومعه ياور الملك الخاص عمر فتحي، وقد انعم عليه برتبة القائمقام المحلية، وطبيب الخاصة الملكية الدكتور عباس الكفراوي، والأمين الثالث على رشيد وهو اليوم كبير الامناء، ودكتور حسين حسني مساعد السكرتير الخاص للملك·
وأوفدت وزارة الداخلية اثنين من ضباط البوليس ليكونا في حراسة الملك، وهما اليوزباشي أحمد الطاهر واليوزباشي احمد كامل· الذي اصبح فيما بعد الاميرالاي وقائد قوات بوليس السراي، وتحدد يوم 27 فبراير 1937 للسفر من بورسيعد على ظهر الباخرة "فايسروي أوف انديا"·
وكانت ثورة قد قامت في بيت أحمد محمد حسنين·
كان ترامي الى سمع زوجته الرقيقة الطيبة التي تحبه، شائعات واخبار وروايات وحكايات عما بين ملكة مصر نازلي، وبين زوجها احمد حسنين· وطلبت لطفية من حسنين ان تسافر معه في هذه الرحلة، ووعدها حسنين بعرض الامر على فاروق، ولكنه لم يعرض الامر على فاروق· بل تحدث فيه مع نازلي· ورفضت نازلي طبعا· وعاد حسنين وابلغ زوجته أن جلالة الملك لا يوافق على سفرها: لأن الرحلة شبه رسمية ولا مكان فيها لزوجات الموظفين من رجال الحاشية ··
ولكن لطفية - رحمها الله - لم تقتنع· وذهبت تسأل وتستقصى إلى أن علمت وتأكدت أن زوجها لم يحدث فاروق في أمرها· وأن فاروق خالي الذهن تماما من هذا الموضوع·
حفيدة محمد علي
وهنا ادركت أن نازلي هي التي تعارض في سفرها، أو لعله هو - حسنين - الذي لا يريد ان تسافر معه مراعاة لخاطر الملكة·
والشائعات إذن صحيحة، ونشبت الثورة، وعلا الصراخ والبكاء في بيت احمد محمد حسنين وانفجرت الزوجة الرقيقة الطيبة القلب·
وكان أحمد محمد حسنين - كما قلت في فصل سابق - يحب زوجته لطفية حبا أكيدا، ولكنه كان يحب السلطة والمجد أكثر ما يحب زوجته·
والخطة التي درسها ورسم خيوطها لابد ان تنجح ولو كان الثمن على حساب حبه وحب زوجته ··
ومن اجل ان تنجح هذه الخطة، كان لابد ان تبقى زوجته لطفية في مصر، بل لو ان الملكلة نازلي نفسها كانت طلبت من حسنين أن تصحبه زوجته في هذه الرحلة، ولو من باب التعمية وذر الرماد في العيون، لكان حسنين رفض طلب نازلي، واصر على ان تبقى زوجته في مصر، ذلك لانه كان يعرف زوجته حق المعرفة ويعرف مقدار حبها له وغيرتها عليه، وانها - وهي ابنة الأميرة شويكار ومن افراد البيت المالك - لن تبالي إذا اضطرمت نار غيرتها ان تقذف بالاتهام في وجه نازلي ملكة مصر! ·· وبعد ·· من تكون نازلي هذه؟ ابنة عبد الرحيم باشا صبري المدير السابق لمديرية المنوفية، أما هي - لطفية - فإنها ابنة شويكار وحفيدة محمد علي·
27 فبراير 1937
وهذا كلام سبق أن سمعه حسنين من فم زوجته لطفية، ماذا يحدث إذن لو انه سمح لها بالسفر معه إلى أوروبا، ولاحظت هي بإحساس الغيرة المرهف وعيني الزوجة المفتوحتين، ماذا يحدث لو لاحظت ما هنالك أو بعض ما هنالك بين نازلي وحسنين؟
سوف تكون فضيحة ومشهدا مثيرا، وتفشل الخطة التي رسمها ليحقق مطامعه، وهي أن يصبح الرجل الأول في الدولة بعد الملك، وان يسيطر على الملك فاروق عن طريق امه نازلي·
كلا، لابد ان تبقى لطفية في مصر·
وهكذا كان، وخرج حسنين من داره في يوم 27 فبراير 1937 ليرافق الملك في القطار الخاص الى بورسيعد والباخرة واوروبا، وترك وراءه زوجة ثائرة تسب وتشتم وتهدد وتتوعد بأنها لن تسكت على نازلي، كلا، ولا ألف مثل نازلي·
وكان علي واجب أن أؤديه كصحفي ··
كانت "المصري" قد أوفدت - فيما اذكر - الأستاذ عبد الحليم الغمراوي ليوافيها بأنباء الرحلة الملكية من القاهرة إلى ساعة قيام الباخرة من بورسعيد·
وكان على أن أوافي الجريدة بأنباء المرحلة بعد قيام الباخرة، وماذا فعل الملك والملكة والأميرات، واين تناولوا العشاء وكيف امضوا السهرة الأولى على ظهر الباخرة ·· الى آخره·
على ظهر الباخرة
ورحت أطوف بالباخرة واجمع المعلومات والتفاصيل، بعضها بالمشاهدة وبعضها الآخر من رجال الحاشية، ثم كتبت البرقية التي كان على أن أرسلها فورا عن طريق اللاسلكي الى جريدة المصري لتظهر في عدد الصباح ··
ولكن اين مكتب اللاسلكي في هذه الباخرة الضخمة وهي من عابرات المحيط وكانت قادمة من أستراليا وفي طريقها الى إنجلترا؟
وسألت ·· وقيل لي أنه في أعلى سطح السفينة، حيث توجد غرفة القيادة وغرفة نوم القبطان، وبعض زوارق النجاة، ولا شيء آخر·
وتسلقت عددا كبيرا من السلالم الضيقة - ذات الدرجات الحديدية بين سطح وسطح وسطح - الى ان وصلت الى السطح الاعلى ··
وكان الظلام تاما وشاملا، الا من نور خافت ينبعث من غرفة مكتب تلغراف اللاسلكي، وانتظرت حتى قرأها، وخرجت ووقفت قليلا ريثما تعتاد عيناي الظلام ··
وهنا تبينت - على مسافة غير بعيدة - شبحين مستندين الى حاجز الباخرة، وكأنهما كانا يتفرجان على أنوار بورسيعد وهي تومض من بعيد ·· وكانا الملكة نازلي وأحمد حسنين، ولم يكن في وقتهما معا شيء يريب، الملكة تريد أن تتفرج على بورسيعد من على ظهر الباخرة، أو لعلها كانت تريد أن تلقى نظرة أخيرة على شاطئ الوطن، ويصاحبها كبير الحاشية ورائد ابنها الملك ··
لا شيء عجيبا او مريبا في هذا كله ··
فقط كانت الملكة تتكئ على حاجز السفينة، وكانت يد حسنين تتكئ على كتفها، وكانت هذه اول "علامة" أكدت عندى صدق الشائعات·
يخرج على المكشوف
وكانت أول مرحلة في الرحلة الملكية سويسرا وسان موريتز التي كانت تغطيها الثلوج، فقد كنا لا نزال في موسم الشتاء·
وحاول فاروق في اول الامر ان يتعلم "السكي" "Skiس اي الزحلقة على الجليد، ولكنه وجدها رياضة شاقة وخطرة فانصرف عنها الى اللهو ومغازلة من في الفند ق- فندق سوفريتا - من فتيات ·· ولكنه كان غزل اطفال، وأشهد ان وجه فاروق كان يومئذ يعرف الحياء والاحمرار ·· وكان يرتبك إذا ابتسمت له فتاة ·· أو وقفت تتحدث إليه، وكان لا يعرف ماذا يفعل بيديه، فكان يشبك أصابعهما حينا، ثم يضع إحداهما في جيب البنطلون، ثم يخرجها ويمسك بإصبعين منها طرف جيب الصديري، هذا وهو يضع ثقله حينا على قدمه اليمنى، وحينا آخر على قدمه اليسرى، وهكذا ··
وكانت أول غزوة له مع شقيقتين من نبيلات السويد، فكان يخرج معهما للنزهة على ظهور الجياد··
وبعد أن سافرت الشقيقتان السويديتان، أخذ "يلتفت" الى فتاة مجرية، ولكنه لم يلبث أن سئمها وتضايق منها لأنها كانت تلاحقه في كل مكان يذهب إليه·
وكان حسنين باشا يرى ويسمع ويراقب، ولكن في حذر شديد بل كان يتظاهر - أمام فاروق - بأنه لا يرى ولا يسمع ولا يعرف شيئا عن مغازلات ومغامرات صاحب الجلالة· وقال لي مرة:
- أن الملك لا يزال ينظر إلي - ومنذ ايامنا في لندن - نظرة التلميذ الى الأستاذ ·· وبيننا الآن ما يكون بين الاثنين من كلفة وتحفظ وهذا كما اعتقد من مصلحته ومصلحتي· ويوم يشعر فاروق أنني أعرف كل شيء عن مغازلاته ومغامراته هو يوم تزول الكلفة ويخرج على المكشوف، ويفقد كل احترامه لي ولا يبالي بعدها بشيء··
لعل رجولته نفرت
وفي مرة أخرى قال لي وعلى فمه ابتسامة ساخرة··
- عقب وفاة الملك فؤاد وعودتنا من لندن اتصلت بي سيدات كثيرات من هوانم مصر وبنات أعرق الأسر فيها، اتصلن بي وتحدثن الى في لباقة ودبلوماسية رفيعة عن الملك، الشاب الممتلئة عروقه بدم الشباب الحار، وعن صحته وما تتطلبه هذه الصحة الغالية، وتحدثن كذلك عن السن الحرجة - سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة - وعن المتعة الصحية التي لا بد منها لشاب موفور الصحة مثل "مولانا الملك"·· وعرضن بكل لباقة ورقة وكياسة، وبكل أمانة وحرص وحذر عرضن خدماتهن على جلالة الملك، وأبدين استعدادهن لأن يقدمن "البضاعة الصحية"، إما في قصورهن، أو الى القصر الملكي مباشرة، كما يشاء··
وروي لي حسنين - رحمه الله - تفاصيل كثيرة وأسماء كثيرة، الى آخر ما لا يمكن ولا يجوز أن يشار إليه ولو تلميحا أو من بعيد·· وقال:
- وكنت أقول لهؤلاء الهوانم، أن "مولانا الملك" لن يرضى ولن يوافق إذا عرف أن لي دخلا في هذا الموضوع، أو أنني مطلع على أسراره "الصحية"، وأن الأفضل والحالة هذه أن يحاولن الاتصال بجلالة الملك وعرض خدماتهن عليه عن طريق آخر غير طريقي·
ولعل رجولة أحمد حسنين - وما من أحد حتى من خصومه أنكر عليه رجولته - أقول لعل رجولته نفرت وأبت عليه أن ينزل الى القيام بمثل هذا الدور أو هذه الوساطة··
الزحلقة بالقبقاب
وبعد·· لقد كانت خطة حسنين تفرض عليه - إذا قدر لها النجاح - أن يكون قائد الملك، لا قواده·· أن يكون الرجل القوي الذي يواجه الملك ويرشده ويسيطر عليه - عن طريق أمه الملكة نازلي - لا الرجل الذليل الرخيص الذي يشترك في "توريد البضاعة أو المتعة الصحية" للملك الشاب·
وهل كانت نازلي كامرأة لها كبرياؤها، هل كانت ترضى عن حسنين وتخضع له وتأتمر بأوامره، لو أنه قام لابنها بدور القواد، لا دور القائد؟
وكان حسنين طول هذه الرحلة حريصا على مقامه واحترامه في نفس فاروق، وحريصا في الوقت نفسه على تقوية قبضته على نازلي الملكة وأم فاروق··
وكانت الأميرات الشقيقات قد بدأن يتعلمن في ساحة الفندق المغطاة بالجليد، الزحلقة بالقبقاب skating، وكانت أكثرهن حماسة ورغبة في التعليم فتحية التي كانت لا تزال يومئذ في السابعة من عمرها، ولم تكن تبالي أن تقع عشر أو عشرين مرة في كل صباح·· وذات يوم نزلت الملكة نازلي نفسها تريد أن تتعلم هي أيضا، وأمسك المدرب بذراعها، وأحطا خصرها بيده، وراح يعلمها كيف تنقل قدميها والقبقاب فوق الجليد··
وصاحبة الجلالة تنثني وتتمايل، والمصورون يلتقطون لها الصور في هذه الأوضاع··
ووقف حسنين على درج السلم الخشبي الموصل بين الشرفة وساحة الزحلقة، ومضت دقائق والملكة نازلي تحاول أن تتعلم وتمشى بالقبقاب، وتحفظ توازنها وتضحك، وأخيرا عادت أدراجها وخلعت قبقابها··
هذا وحسنين واقف ينتظر وعلى عينيه نظارة تحمي البصر من وهج الثلوج··
تدعو على البرنس
وأقبلت نازلي·· وانفجر حسنين، ولكن صوته لم يعل عن طبقته العادية·· لا·· لا ·· مش كده يا ست·· مش كده أبدا·· بكره راح نسمع كلام فارغ كتير بسببك·
ولم تزدهي - صاحبة الجلالة - عن أن تبتسم في وجهه·· وهي تصعد إليه درجات السلم الخشبي· حتى إذا وصلت أخذت بذراعه وهي تقول:
- طيب خلاص·· مرة وفاتت·
وعجبت لهذه اللهجة التي يخاطب بها موظف القصر صاحبة الجلالة الملكة وأم ملك مصر··
وعجبت أكثر وأكثر لخضوع صاحبة الجلالة، فهي لم تغضب، بل اعتذرت وثابت·
وكان ما خاف حسنين أن يكون·· ونشرت صحف مصر بعض هذه الصور التي ظهرت فيها الملكة نازلي وهي تتزحلق على الجليد·· وقامت مظاهرة من طلبة الأزهر الشريف، وتعالت فيها أصوات الاحتجاج والمناداة بالحياة والسقوط··
وبادر رئيس مجلس الوصاية وولي العهد الأمير محمد علي توفيق، وأرسل الى حسنين باشا خطابا شديد اللهجة يوبخه فيه بقسوة على سماحه للمصورين بالتقاط هذه الصور، وعلى سماحه لملكة مصر بالزحلقة على الجليد·· وعلى·· وعلى·· الخ·
وهز فاروق كتفيه، وقهقه ضاحكا، أما نازلي فقد غضبت وثارت وعلا صوتها وهي تصيح:
- كفاية بأه·· كفاية سبعتاشر سنة وأنا محبوسة، خذوا الكورونا من على رأسي، مش عايزاها، و"الكورونا معناها التاج"·
غضبت الملكة نازلي من خطاب الأمير محمد علي توفيق، وأعلنت أنها وقد أمضت في سجن الملك فؤاد سبعة عشر عاما تريد اليوم أن تكون حرة·· وإلا فإنها لا تريد هذا التاج على رأسها، ثم انطلقت تسب الأزهر والأزهريين وتدعو الله أن يصيب "البرنس" محمد على بكذا وكذا وكيت·
واستجابت السماء
ولزمت صاحبة الجلالة جناحها الخاص بالفندق يومين غاضبة، وانقطعت عن تلقى دروسها في الزحلقة على الجليد··
وفي الوقت نفسه، تلقيت "أمرا ملكيا" من فاروق، أن أكتب الى زملائي الصحفيين في مصر، وأطلب منهم أن يكفوا عن نشر أية صور لجلالة الملكة نازلي·· اللهم إلا الصور التي تظهر فيها مع جلالة الملك فاروق·
أما صورها وحدها أو مع الأميرات فممنوع النشر، وصدعت بالأمر الملكي وكتبت في هذا المعنى خطابات خاصة الى الأهرام، والمقطم، والمصري، ودار الهلال، واللطائف المصورة·· الى آخره·
واستجاب الزملاء لرجائي، ولم يشر أحد منهم الى خطابي الخاص، ما عدا المرحوم اسكندر مكاريوس صاحب مجلة اللطائف المصورة، فقد نشر على صفحة كاملة من مجلته خلاصة لخطابي الخاص، وتعليقا له قال فيه: "إن الصحافة حرة في حدود القانون، وأننا في القرن العشرين وعصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن "صاحبة الجلالة الصحافة" حرة في نشر ما يحلو لها من صور أصحاب وصاحبات الجلالة·· ولتفعل بنا القوة ما تشاء"··
وكلاما فخما كثيرا في هذا المعنى، ومن يومها حرمت "اللطائف" وصاحبها من العطف الملكي السامي، فلم تدع أو يدع صاحبها الى أية حفلة من الحفلات التي كانت تدعي إليها الصحف وأصحابها ورؤساء تحريرها في قصر عابدين·
غضبت الملكة نازلي، ولزمت جناها الخاص، وشكا جميع من كانوا معها من "عصبيتها" وحدة لسانها·
وذات صباح، تلقى فاروق من مصر برقية تقول، إن صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي قد أصيب بذبحة صدرية وأن حالته خطرة· وهنا عادت الابتسامة الى شفتي الملكة نازلي وقالت لمن حولها: "أبواب السما كانت مفتوحة لما دعيت عليه، دنا دعايا ما ينزلش الأرض"· وغادرنا سان موريتز في مساء 25 مارس الى جنيف، فوصلنا إليها صباح اليوم التالي 26 مارس··
جنيف اللاهية
وجنيف مدينة تتوافر فيها أسباب اللهو لمن يريد أن يلهو·· وفيها أركان منعزلة، ومحلات أنيقة لتناول الشاي وصالونات خاصة، ونزهات بالسيارة خارج المدينة، أو بزورق بخاري في بحيرة ليمان الشهيرة··
وفي جنيف بدأنا نلاحظ كثرة خروج أحمد حسنين مع الملكة نازلي وحدهما، وأحيانا معهما السيدة الجليلة زينب ذو الفقار·
ثم فوجئنا بخبر سفر حسين صبري باشا خال فاروق مع السيدة الكريمة زوجته، عائدين الى مصر، مع أنه كان مقررا أنهما سيلازمان الملك والملكة طول الرحلة في أوروبا··
ودار همس خفي بأنهما سافرا لأنهما غير راضيين عن سلوك الملكة نازلي معهما·· فقط؟ أم هناك شيء آخر؟
لا أعرف· ولقد بقى السر معهما حتى اليوم·
وهكذا·· أقمنا أياما في مدينة جنيف، وكان أحمد حسنين يخرج مع الملكة، والقائممقام عمر فتحي يخرج مع الملك· ولم يخرج الأربعة معا إلا فيما ندر·
وذات صباح - وكنا وقوفا في بهو الفندق ننتظر نزول صاحب الجلالة من جناحه الخاص، أقبل علينا فاروق وعلي وجهه مسحة من الحزن والجد، وألقى علينا تحية الصباح ثم قال:
- البقية في حياتكم·· الأمير محمد علي مات·
وأسدل كل منا على وجهه نقابا من الحزن·· وأطرقنا برؤوسنا كما كان ينبغي أن نفعل·· وتمتم بعضنا بعبارات العزاء والدعاء لله أن يطيل في عمر مولانا·
وتسللت أنا على أطراف أصابعي الى غرفة مجاورة فيها مكتب وأدوات للكتابة، وجلست أكتب صيغة برقية الى جريدة "المصري"، وأصف فيها وقع الخبر الأليم في نفس جلالة الملك، وماذا فعل وماذا قال وكيف قدم إليه أفراد الحاشية عزاءهم ضارعين الى الله أن·· الى آخره··
وبينما أنا كذلك، دخل علي حسنين باشا وسألني ماذا أفعل؟ وعلى وجهه ابتسامة·· وقلت: إنني أكتب برقية للمصري بما حدث· قال - رحمه الله - :
- برقية إيه يا مدب، مولانا ضحك عليكم والنهارده أول أبريل·
وفي نفس اليوم - على ما أذكر -استأذنت من فاروق في السفر الى "مونتريه" لكي أوافي جريدة المصري بأخبار مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية· ريثما يصل الأستاذ محمود أبو الفتح، الذي كان أرسل لي برقية يقول فيها أنه مضطر للبقاء في مدينة ميلانو بضعة أيام بسبب إصابته بعرق النسا·
وأذن لي فاروق بالسفر وطلب مني أن أبلغ تحياته الى "رفعة" النحاس باشا وزملائه وتمنيات جلالته لهم بالتوفيق·
وسافرت الى "مونتريه" وبقيت فيها عشرة أيام، وكان عجيبا حقا أن أسمع هناك لأول مرة - ومن الدكتور أحمد ماهر رحمه الله - أول شائعة بين اسم فاروق واسم صافيناز، فقد خرجنا ذات مساء، أنا والدكتور أحمد ماهر وجورج دوماني بك، وكلاهما عضو في وفد مصر لدى مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية·
- خرجنا نتمشى على ضفة بحيرة ليمان في الطريق الى "فيفيه" وسألني أحمد ماهر:
- صحيح جلالة الملك راح يتجوز الآنسة صافيناز؟
ودهشت وعجبت من أين جاءت هذه الشائعة، فقد كان مضى علي شهر كامل أرى في كل يوم فيه الملك فاروق والآنسة صافيناز ذو الفقار دون أن ألاحظ شيئا··
كان فاروق يعاملها كما يعامل شقيقاته الصغيرات·· وكان أفراد الحاشية - وأنا معهم - يعاملونها بأدب جم ولكن بدون كلفة··
كنا مثلا نبتسم إذا لقيناها ونحييها··
- بونجور مدموازيل، أو بونجور "فافيت"··
و"فافيت" تدليع صافيناز·· وكانت هي ترد التحية بأدب واحتشام وتقول:
- بونجور اكسلانس·· أو بونجور يا أستاذ· ولم يخطر ببال أحدنا - أو بالي أنا على الأقل - أن هناك شيئا ما بين فاروق وصافيناز·· أو أن "فافيت" هي ملكة مصر القادمة·
دهشت إذن وعجبت، سألت الدكتور أحمد ماهر من أين سمع هذا الخبر؟ وضحك - رحمه الله - وقد ظن أنني وقد وقفت على هذا السر بحكم ملازمتي لحاشية الملك، أرى من واجبي أن أكتم سر الملك وصافيناز··
وضحك وقال:
- طيب ما تعملش عبيط،الحكاية سمعناها في مصر· أي أن الخبر طار الى مصر من قبل أن نلاحظ شيئا نحن الذين كنا مع فاروق وصافيناز؟
والتفسير الوحيد عندي هو أن حسين صبري خال الملك والسيدة زوجته هما اللذان أذاعا السر في مصر·
قليل الاهتمام بالسيدات
وكان فاروق ومن معه قد غادروا جنيف الي مدينة برن··
وفي برن - كما علمت فيما بعد من أصدقائي رجال الحاشية - بدت من فاروق أول إشارة تدل على حقيقة عواطفه نحو الآنسة صافيناز··
كانت صافيناز تتناول طعامها دائما مع الأميرات فوزية وفايزة وفايقة وفتحية·· ثم تنسحب معهن بعد تناول العشاء مباشرة لتأوى كل منهن الى غرفتها، وكان غير مسموح لهن بالسهر··
ولكن حدث في برن ولأول مرة - أن نزلت الآنسة صافيناز وهي ترتدي ثوبا من ثياب السهرة·· ولم تنسحب بعد تناول العشاء مع الأميرات كما كانت تفعل، بل بقيت في قاعة الفندق الكبرى·
ثم دعاها فاروق للرقص معه·· ورقص الاثنان معا أكثر من مرة في تلك السهرة·· وكانت تلك أول مرة كما قلت، وكانت هذه أول إشارة أو أول خطوة خطاها فاروق الى صافيناز··
ولم تحدث هذه الإشارة أو هذه الخطوة إلا في "برن"·· ولكن شائعة الزواج كانت في مصر قبل أن يصل فاروق وصافيناز الى برن وقبل أن يرقصا معا·
وانتهت مأموريتي في مونتريه، ولحقت بفاروق وحاشيته في مدينة زيوريخ، بعد أيام سافرنا الى باريس·· باريس التي كانت نازلي - كما قالت مرارا - تشتهي أن تزوها قبل أن تموت·
وكنا جميعا قد انتهينا الى تقرير أمرين أو حقيقتين وهما: فاروق يحب صافيناز، ونازلي تحب حسنين··· وحسنين؟·· هل كان يحب نازلي؟
لا أعتقد ولا أحد غيري كان يعتقد هذا·· والحقيقة أن الأثر الذي انطبع يومئذ في نفوسنا، هو أن نازلي هي التي تجري وراء حسنين،وأن حسنين "تقيل"·· ثم لعله كان يتعمد أن يثير غيرتها عليه في بعض الظروف، فقد لاحظت أن حسنين كان يحرص على التودد والتظرف والتحدث مع كل سيدة أو آنسة جميلة يلقاها في قاعة الفندق إذا كانت الملكة نازلي موجودة·· بل كان يطلب منا أن نقدمه إليها، ثم يدعوها للرقص، أو لتناول شراب ما·
كل هذا إذا كانت الملكة نازلي موجودة، ترى وتسجل وتنقر بأصابعها على المائدة الصغيرة أو على ذراعي المقعد بغضب وعصبية·
أما إذا لم تكن موجودة، فإن حسنين كان قليل الاكتراث بالسيدات والآنسات·· وكان لا يتحرك لدخول أية جميلة مهما كان جمالها يبهر الأبصار أويلفت الأنظار··
ما زال يحسن الظن
وحدث مرة، وكنا لا نزال في سان موريتز، أن قام حسنين يراقص فتاة ألمانية كنت أعرفها واسمها "جوي جيجل"، وكانت معدودة يومئذ من أبطال التنس في ألمانيا، وحسنين راقص رشيق بارع، والفتاة الألمانية طويلة القامة، هيفاء العود· وطال رقص الاثنين، وانتفضت الملكة نازلي واقفة، ونادت بصوت ينم عن الغضب:
- حسنين··
وأرخى حسنين على الفور ذراعه التي كانت تطوق خصر الفتاة، وأسرع الى الملكة نازلي·
- أفندم ماجستيه··
أي أفندم يا صاحبة الجلالة··
وخرجت "ماجستيه" من قاعة الرقص·· ووراءها أحمد حسنين· وتبادل بعضنا النظرات·· أما فاروق فكان يرقص ساعتئذ مع شهيرة هانم زوجة خاله حسين صبري باشا ولعله لم يلاحظ شيئا·
وأكبر ظني أن فاروق لم يكن يومئذ يخامره أي شك في سلوك أمه أو في حقيقة علاقتها بأحمد حسنين··
كان فاروق يومئذ لا يزال يحسن الظن بأمه، ويحسن الظن برائده أحمد حسنين··
قلت أن أحدا منا لم يكن يعتقد أن حسنين باشا ممثل بارع، وأن كل إشارة منه بحساب وكل خطوة بحساب وكل نظرة ولك عبارة موزونة بالدرهم والمثقال ·· وانه في كلمة واحدة، لا يفعل شيئا اعتباطا أو "لوجه الله"·
إنه لم يكن يحب نازلي، وهذا أمر كان مفروغا منه عند الذين يعرفون أحمد حسنين ·· ولكنه كان حريصا على ان تحبه هي، ومن هنا كان يتعمد - كما ذكرت - أن يثير غيرتها ··
لماذا؟ لماذا يحملها على أن تحبه ·· بينما هو لا يحبها؟ لكي يخضعها لإرادته ويسيطر عليها وقديما قالوا: "إن الاقوى بين كل محبين اثنين هو الذي يحب اقل من صاحبه" ·· والذي يسيطر على نازلي يسهل عليه أن يسيطر - من ورائها - على فاروق ··
وكان الأمر واضحا لكل ذي عينين ومنذ كنا في أوروبا في صيف عام 1937·
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب صحفي راحل
** الكتاب وجهات نظر - العدد السادس عشر مايو 2000·