كتب - علي حسين الفيلكاوي:
"مظاهرة" شعارها الحداثة
إذا كان للشعر تشبثه المطلق في جهات الواقع وإذا كان الفعل الأول وربما الأخير للقصيدة هو الدخول اليومي والمستمر في جسد الحياة ومن ثم الانحياز الكامل إلى الحقيقة فلقد تقاطع كل ذلك وتمازج في كثير من قصائد "مظاهرة شخصية"·
ليس الابتعاد عن قوالب شعر التفعيلة والشعر العمودي في حد ذاته يعكس رؤية حداثية ووعياً تجديدياً أو اجترار قصيدة النثر وحقنها بما نبطنه من إرث وتراث فكري جامد يعد مغامرة وفعلاً إبداعياً فالمغامرة أن تكتب قصيدة نثر منفصلة تماماً عن جسد وأعماق قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية ومن جهة أخرى أن لا تشبه أحداً سواها ولعل الشاعر صلاح دبشة ليس أول من كتب قصيدة النثر من الشعراء الكويتيين وجمعها ديواناً كاملاً ولكنه استطاع أن يبتعد أكثر من سواه عن أجواء وعناصر قصيدة التفعيلة والعمودية وأن يمنحنا قصيدة نثر حقيقية مما أضاف إلى قاموس الشعر الكويتي مصطلحات وأفكاراً وعوالم أخرى متنوعة·
نافذة حمراء
تصطدم منذ الوهلة الأولى بـ "الضجة" التي بين خطين حادين ولكنها في ذات الوقت هذه الضجة "لا تستطيع أن تمشي في خط مستقيم أما البدء بـ "أقدامنا" كعنوان فقط هي بداية لا تخلو من المفاجأة وعلى الأخص حين يطالبنا الشاعر باحترامها· ووضعها "فوق رؤوسنا" في تجوالنا بين النصوص سوف نلمح سرعة التسابق الزمني بين الصورة والإيقاع النفسي من جهة والمعنى الظاهر والخبيء من جهة أخرى في حضور مكثف للحياة الحقيقية والحركة الدائمة والمتغيرة للأمكنة التي ترتبط بذاكرة كل منا "في المقهى" و"غزو غاشم" بين صورة "الأم" المتقابلة مع "الأب" المتمدد بين العشب التلفزيوني وفي هذا السياق تمتلك قصيدة "أمل" ذلك البعد الحداثي الخالص والضوء الممتد نحو أغوار زوايانا المظلمة والمنسية لتأخذ فعلا إبداعياً يرتفع درجات بالحس الإنساني لتتفتح على أذهاننا نافذة حمراء نطل بها على الوجه الآخر لمدينتنا أو على··· حقيقتنا··· "عمال النظافة
يمسحون المدينة بأجسادهم
يلملمون أخلاقنا من الشوارع
أخلاقنا التي أتعبتهم
وعلقت أفكارهم على الحائط
أحاديثهم تخرج من الخبز
ومن قطرات العرق
الجافة على جلودهم
حين يتكدسون - منتصف الليل
في غرفة ضيقة···"
قصيدتان
قصيدتا "جذاذات ولد مهذب" و"نريدهم على أشكالنا" نشعر أنها قصيدة واحدة لم تفترقا سوى بعنوانيهما وهما محاولة واحدة لفهم العلاقة وتنظيمها بين ذات الشاعر والآخرين نظراً لفوضوية الحدود المشتركة بينهما ولعدم القدرة على العودة إلى دائرة الفهم العام للمجتمع نتيجة لتراكم الإدراك الواعي وهي بعد ذلك محاولة دائمة لإيجاد علاقة أخرى بين الكلمات التي اعتدناها ودفعها إلى ما لا نهاية وربطها بالواقع اليومي لخلق علاقات جديدة أو لتفسير مفاجئ وغير متوقع لحالة وواقع اعتدناه "أخفف موتي دائما
بالأصدقاء"
أو "ألتفت مراراً
إلى الشاطئ
أخاف أن ينهض البحر
ويسألني
عن السمك الذي أكلناه"
غالبا لم يكن هنالك شيء في موقعه أصبح المعنى ينمو بين يدي اليومي والعصري في ذهنية خصبة حتى الريح تخلّت عن مهمتها في تحديد اتجاه السفن أو الضياع في اللاوطن وأخذت "تتجول في الطرقات والأسواق بحثا عن···"·
أما في الجانب الآخر من "نريدهم على أشكالنا" يكبر الولد المهذب وبما احتوى ذهنه من شبكة فضفاضة لتجارب متنوعة وخلاصة متمازجة ومتشابكة مع الآخرين وأجزاء منتظرة بعضها أعلن انفجاره والبعض الآخر قابل للانفجار في أي لحظة وعلى هامش المغامرة أو الخضوع لسلطة الفهم العام يتورط أو يجرب المحيط الأسري الجديد الذي يتكون حوله والذي تذكرنا أجواءه بـ "كلب ينبح ليقتل الوقت" للشاعر عماد أبو صالح دون أن يفقد الشاعر خصوصيته وامتلاكه لحدود محيطه في إطار متجدد وانحيازه اللا منته للخلق والابتكار وذلك ما نتتبعه منذ بداية المظاهرة وذلك ما نصطدم به أو ما يصطدم بنا "بكى حين أزعجته الحفاظة" وتاريخ آخر للأطفال الذين يتسلّقون سلّمه المهجور "يلقطون ببلاهة الزجاج المهشم فيه"
و"نملؤهم بأخلاقنا
إلى أن ينتفخوا
فلا يمكنهم استقبال أخلاق جديدة
من دون انفجار"
تتفتح أبواب منازلنا ليدخل هواء الشعر ويتنفسنا ليجلس معنا ويصادقنا مثلما لم يفعل من قبل ليصبح مرة سففاً ومرة أخرى وعيا يحاكي نسيجنا الأسري ودون حدود مسبقة يفتتح ما وراء أعماقنا لتتهاوى أسيجة الأخلاقيات المعلبة ولتمزق الكثير من الأقنعة أمامنا·
الفخ والزوايا البكر
بالرغم من جذبه لمساحات لم تطأها كلمة شعر وتوغله في الزوايا البكر وبالرغم من ابتعاده عن مواضيع السياج العمودي وحدود أفكار التفعيلة إلا أنه لم ينجُ من شبهة التقصد ولم يستطع الانعتاق من المنحى السردي ففي قصيدة "يقول أبي إنها من أجلنا" وتحت عناوين "حمارة القايلة" "عظيم ساري" "عما كور" وغيرها وقع في فخ السردية وربط موروثه الشخصي بالموروث الشعبي بحبال التقريريرة فغابت ومضة المفاجأة وانمحت حيوية الخلق فجاءت الجمل الشعرية كما التذكر الوجداني الكسول وتبقى الكثير من الجدل المثير للتساؤل يدور حول هذه القصائد·
العزف على الوتر الساخر
ربما أراد الشاعر أن ينتقل بنا ما بين زمنين، أحدهما ماضٍ في: "يقول أبي إنها من أجلنا" إلى مستوى زمني آخر، يدور تحت أفق الحاضر في "مهددون بالسلاح الكيماوي" ولعل منذ الابتداء بالقصيدة الأولى وهي بعنوان "ديك" تشي بما تحتويه بقية القصائد التي تليها وتضع بين أيادينا مفاتيح التقنية اللغوية المستخدمة، والتي اعتمدت العزف على الوتر الساخر، والتعليق والمشاهدة من الخارج دون المشاركة الفعلية للشاعر، فهناك الديك، القطط، البلابل، الكلاب، والكثير من البالونات التي تتساقط "قلقاً"، أيضاً يشارك النمل، الفتاة الجميلة، وكومة من الإشاعات في احتفالية الرعب الكيماوي، بينما المجاميع تزدحم، تدخل، تخرج من الجمعية التعاونية ولايزال العرض مستمراً، خليطاً من اللقطات المسرحية الرقيقة مغلفة بكوميديا ساخرة، ولاذعة في بعض الأحيان، تبدأ منذ صمت ديك الجيران لتتصاعد بعد ذلك الأحداث حتى تصل إلى ذروتها، لتكشف بعد ذلك عن نفسها "لو وصل الكيماوي إلى هذه الأرض، سيرقص في الشوارع" ولنكتشف نحن المفارقة الأخيرة على مساحة النصوص الموحدة والمترابطة التي افتتحت واختتمت بكل توافق وتكامل بين المفردة والصورة والنص ولابأس قبل إسدال الستار أن نقرأ:
"قطط"
نصحت القطة
صديقتها
بأن تطفئ الأنوار الخارجة من عينيها
في الليل
حسب الإرشادات الحكومية"·
الديوان:
"مظاهرة شخصية"
الشاعر: صلاح دبشة
عنوان جانبي على الغلاف: (عندما ولدت نسيت أن أصرخ)·
بينما صورة الغلاف لطفل يبكي ربما عوضا عن صرخة الشاعر التي لم يطلقها·
يحتوي على خمسة أجزاء:
1 - من دفتر الهبوط·
2 - جذاذات ولد مهذب·
3 - نريدهم على أشكالنا·
4 - يقول أبي إنها من أجلنا·
5 - مهددون بالسلاح الكيماوي·