دبي الحربي
تصوران رئيسيان حكما العقد الأخير من القرن الـ 20·· الأول تمثل تصور كثير من أنصار الاشتراكية بأن حلمهم بالاشتراكية كمفهوم اقتصادي واجتماعي قد انهار بانهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي· وغلب على الثاني تصور دعاة الرأسمالية بأنها قد انتصرت والى الأبد·· هذان التصوران يبدو أنهما لم يعمرا طويلا، لأنهما كانا موغلين بالأحلام وبعيدين عن الواقعية·· هذا ما أكده زعماء 14 دولة من الدول المتقدمة وتلك الآخذة بالنمو فعلا وقد تحدثنا في هذه المجلة أو الجريدة "الطليعية" عن وجوب الفرملة بدلا من الاندفاع وراء شعارات الخصخصة، التي اكتسحت الساحة في حينه، كما سبق وأن انتقدنا مع من انتقد سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين، وقلنا إن المسألة ليست خصوصية هذا القطاع أو عموميته بل بحسن إدارة الموارد المتاحة لتحقيق أقصى استفادة للصالح العام·· وقلنا مع من قال إن سياسات صندوق النقد الدولى وتوأمه البنك الدولي، لا هدف لهما إلا إضعاف اقتصاديات الدول النامية واستغلال حاجتها للمساعدات المالية أو الإدارية، وربطها في عجلة الرأسمالية الغربية، وفرض النموذج الغربي عليها دون ضوابط وشروط الخصخصة ودون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان الاقتصادية وقلنا مع من قال إن هاتين المؤسستين يدوران في فلك الرأسمالية الغربية، التي لا هدف لها إلا تضخيم عائدات مجموعة من الدول وعدد محدود جدا من الأفراد فيها والتي تعادل ثروات البعض منهم ثروات أمم بحالها·
ونحن لسنا ضد الخصخصة ولكننا ضد الاندفاع وراء الموضات الفكرية أو الأطروحات الغربية ولا يجب أن نكون كما قال المثل مع الخيل يا شقرا· فإذا كانت سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين قد أدانتهما الأمم المتحدة نفسها في مؤتمر كوبنهاغن عام 1995، فإن الهرولة وراء حرية السوق بدون ضوابط قد أدانها قادة الرأسمالية العالمية في واشنطن ولندن وباريس، وأين؟؟ في برلين عاصمة ألمانيا الموحدة وموطن كارل ماركس الأب الروحي للاشتراكية والشيوعية في العالم·
هل ألمانيا أرادت الانتصار لمواطنها أمام أكبر منتقديه الغربيين وأشدهم ضراوة في نقده؟؟ الموضوع ليس بهذه البساطة·
وهنا يبرز السؤال·· كيف يتحول دعاة الرأسمالية وحرية السوق الى الالتقاء مع الاشتراكية في أوج انتصار الأولى وتراجع الثانية وفي الوقت الذي يتغنى فيه اشتراكيو الأمس بالخصخصة·· أين الخلل؟؟ الحقيقة حسبما أراها·· أن الخلل يكمن في انعدام الديمقراطية بمفهوميها السياسي والاجتماعي غربا وشرقا؟
فدعاة الاشتراكية ينادون بالخصخصة ولكن ضمن شروطها السليمة والصحيحة فلا يمكن أن تكون هناك حرية اقتصادية بدون حرية سياسية·· ولا يمكن أن تتحقق شروط الخصخصة بدون إطارها الاجتماعي والاقتصادي· في ظل المكتسبات التي تحققت للإنسان عالميا في إطار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الأساسية والعقد العالمي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية المكمل لحقوقه الأساسية، فإذن نجاح الخصخصة في إيجاد نمو متسق وتنمية مستدامة ومستقرة يتطلب بالضرورة وجود ديمقراطية لا سياسية فحسب بل ديمقراطية اجتماعية واقتصادية وفكرية ابتكارا وإبداعا، تحقق تكافؤ الفرص، وتضمن للإنسان حقوقه الأساسية واحتياجاته الأساسية· فالمأزق لم يكن مأزق الاشتراكية بمفهوميها الاجتماعي والاقتصادي بل مأزق الرأسمالية ومفهومها الديمقراطي، فالديمقراطية الغربية كانت ديمقراطية رأس المال والحكومات الغربية كانت حكومات لحماية الرأسماليين أي هي ممثلة لهم، وكان وجود الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي، هو العدو الذي أخفت وراءه الرأسمالية كل بشاعتها الإنسانية، فإذا كنا نتحدث عن بعض القيادات والأنظمة العربية التي رفعت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة في وهم صراعها مع الصهيونية وبررت في ذلك كل ممارساتها الدنيئة والقمعية فإن الرأسمالية الغربية لم تخرج عن هذا الإطار أي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع الاشتراكية وممثليها في الشرق والجنوب·· وبررت بذلك كل ما ارتكبته من فظائع داخل بلدانها وفي البلدان النامية وكذلك دعمها اللامحدود لأنظمة موغلة في التخلف والدكتاتورية، وإذا حاولت أي حكومات من هذه الدول الخروج من تخلفها أو التخفيف من قبضتها على مواطنيها خلقت لها الرأسمالية الغربية المشاكل في الداخل والخارج، بهدف إبقاء الوضع على ما هو عليه، وتسخير مواردها لخدمة الرأسمالية الغربية· إذا كيف نفهم هذه الدعوة في بيان مجموعة الـ 14 في برلين يوم السبت الماضي؟ هل هي عودة الوعي المفقود في الصراعات الدولية والأيديولوجية؟ هل هو فخ جديد لحالة استعمارية متجددة·· خاصة وإنها تأتي بعد أن انجرت كثير من الدول النامية ومنّظروها وراء الأطروحات الغربية بأن النموذج الغربي هو الأمثل؟ وبدأت في تفكيك وشرذمة قطاعها العام ومؤسساته دون أن تعي أن اتفاقية التجارة العالمية قد وضعت ضوابط وكوابح لحماية المنتجات الغربية من مثيلاتها في العالم النامي؟·· هل خشيت الدول الغربية في أوروبا والأمريكتين من أن عولمة الرأسمالية ستفقدهما تفوقهما·؟
أم ماذا؟ أسئلة كثيرة·· قد تتبادر الى الذهن والموضوع أكبر من أن يتناول بعجالة ولكن الأمر احتاج الى التنويه·· وأنا شخصيا أعتقد أن بيان برلين الأخير إن صح التعبير قد أصاب كبد الحقيقة· ولكن هذه الحمائية الغربية الجديدة "لخلق التوظيف الكامل والعدالة الاجتماعية" كما ورد في البيان، يجب أن لا تكون حصرا على مواطني دول أوروبا وأمريكا، بل في إطار مفاهيم العولمة يجب أن ينسحب أثرها الى حماية مواطني دول وشعوب آسيا وأفريقيا ورأسماليتها الوليدة فأكبر رأسمالي أو شركة رأسمالية في دولنا لا تساوي أو يساوي شيئا أمام الشركات الرأسماليين الغربيين، مهما بالغ في تلميع نفسه وتسويقها إعلاميا·· فمحاولات تسويق النموذج الغربي للرأسمالية يجب أن لا تكون علي حساب الشعوب·· فالعالم محتاج الى حسن إدارة للموارد وعدالة في التوظيف والتعامل مع الآخر لا إلتهامه، لأدامة أجل الرفاه للمواطن الغربي·· على حساب باقي شعوب المعمورة؟
أين الخلل·· يبقى هذا هو السؤال الذي يكون المحور في أي تجربة تنموية متعثرة أو حتى ناجحة ظاهريا؟·· في زمن الشفافية علينا التعامل مع الأخطاء والنجاحات بشفافية وإدراك فالفكر الإنساني يكمل بعضه بعضا·· إذا نقي من الشوائب·· وإذا كنا نعتقد أن أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي محصنة نسبيا ضد مثالب وشوائب الرأسمالية في ظل المكتسبات الشعبية التي تحققت لشعوبها في الماضي القريب وبنفس الوقت فإن دول الغرب الأمريكي والأوروبي محصنة ضد شوائب ومثالب الاشتراكية بديمقراطيتها المتجذرة·· إلا أن شعوبنا العربية النامية عموما ابتليت بأسوأ ما في النموذجين، دكتاتورية الاشتراكية والرأسمالية·· الأذناب والأتباع والأولاد والأحفاد، هم سادة القطاع العام والخاص··· في كلا النموذجين، التعتيم والقمع المباشر وغير المباشر هو القاسم المشترك في تجاربنا سواء سميناها رأسمالية أو اشتراكية، هدر ونهب لموارد القطاع العام·· ورأسمالية مستوردة وغير منتجة تقتات على الدخل القومي أكان بيد الفرد أو بيد الدولة دون أن تضيف له شيئا·· حتى في مجال الخدمات العامة··
والمخرج لا يمكن أن يكون ناضجاً إلا باعتماد الديمقراطية بمفهومها الشامل وهي تلقائياً ستجدد لنا المسار والنموذج الأمثل لنا·