بقلم: إسماعيل فهد إسماعيل·
"الكاتب/ الكاتبة/ مسافة المابين"·
لعلك لا تجانب حقيقة نسبية ما لو قلت: بالقدر الذي تتلاشى فيه المسافة بين الكاتب وإبداعه يتحقق قدر من صدق فني يتخذ سمات عدة، تتأكد أحداها معاناة معاشة، أو متمثلة في لحمة النسيج الحي·
ولعلك لا تجانب حقيقة نسبية أخرى لو قلت أن كاتباً مأزوماً بمواقف ورؤى تتقاطع تعارضاً أو تضاداً مع واقع مجتمع يعايشه يظل محسوماً - كتابياً - لصالح شخصيات قصصية تتسربل أفكاره، فاعلة كانت، أو معطلة الفعل محبطة، تتبدى متضمنة نتفاً متآلفة أو مواترة من حصيلة موقفه الذاتي تجاه الحياة· مما يجعل حضور هذا الكاتب - إيجاباً أو سلباً - في سياق الفعل الثقافي العام مرهوناً بفاعلية إبداعه باحتكامه لمجريات واقع لا يكف يتمخض عن متغيرات متوقعة، أو أخرى مفاجئة·
رؤيا مغايرة
عودة إلى النصوص القصصية لكتاب الرعيل الأول خلال العقيدين الخامس والسادس لهذا القرن تستخلص نتيجة تفيد بسيادة المنحى الإصلاحي والتعليمي أن لم يكن التوفيقي، ريثما بدايات العقد السابع·· فظهور كتاب الجيل الثاني ممن نحو باتجاه الواقعية التصويرية ــــ إن صح التعبير ــــ مع نزوع محدود لهامش من واقعية نقدية اتضحت أبعادها بشكل جلي لدى كتاب الجيل الثالث·
من بين كتاب الجيل الثاني برز كاتبان هامان أثريا الساحة الأدبية· الأول منهما هو الدكتور سليمان الشطي، وقد برع في عكس المتغيرات الاجتماعية من خلال واقعية تصويرية متمكنة لا تخلو من نكهة تشيخوفية أهلته لأن يكون طليعياً بين كتاب جيله، في إرساء قواعد أدب القصة كما هي سائدة في حينه، وكاتب آخر "سليمان الخليفي" وقد شذ عن كتاب جيله كافة بانتهاجه رؤيا مغايرة لم يكن لها حضورها المحسوس في ساحة أدبية لم تزل محافظة إلى حد كبير·
لدى رصده للقصة القصيرة الكويتية في الستينات يقول الدكتور سليمان الشطي عن سليمان الخليفي:
"يميل إلى الرمز والدلالات الموحية·· وتتميز كتاباته بالتعقيد حتى في الأسلوب، وهو أسلوب ملتو يقرب من عبارات الفلاسفة"·
أما الدكتور محمد حسن عبدالله فقد قال عنه:
"يحاول في بعض قصصه أن يأخذ موقفاً اجتماعياً جديداً، يناهض فيه الزيف، والقسوة، والطبقية، والتخلف الروحي والاجتماعي"·
في حين قال آخر:
"وجد التعقيد لدى الخليفي جراء بحثه عن أسلوب يتماشى مع طموحه الهادف لتضمين رؤيا جديدة، لم يوفق كل التوفيق للامساك بخيوطها كافة"·
قيل هذا كله قبل عشرين سنة·· أكثر·
نشر سليمان الخليفي أولى قصصه عام 1964 وكانت بعنوان "رؤيا جديدة في مجتمع العظام"·
وإلى النشر بمعدل يقل عن قصة قصيرة كل سنة، ريثما تولت رابطة الأدباء في الكويت طباعة مجموعته "هدامة" عام 1974·
مجموعته القصصية التالية وتحمل عنوان "المجموعة الثانية" نشرت عن دار العروبة عام 1978·
ما بين المجموعة الأولى والثانية توفر سليمان الخليفي لكتابة مسرحية محلية بعنوان "متاعب صيف" قام بإخراجها صقر الرشود لصالح مسرح الخليج خريف عام 1975·
ربما·· بسبب من توق سليمان الخليفي يكمل تحصيله العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم في الاتحاد السوفييتي - لما كان قائماً - ولم يعرف ينجز أيا من الاثنين·
ربما·· جراء تشتته أو تشرده هناك وهناك طوال ستة أعوام ومعايشة لكيانين سياسيين اجتماعيين متناقضين بقدر ما هما يتوازعان حربهما الباردة أو الساخنة وقتها··
علماً·· أن معايشة مثل هذه تقتضي ممن يتعاطى الإبداع تماساً محدداً أو غير محدد مع نتاجات إبداعية لنمط اجتماعي يعيش في خضمه·
ربما·· الغربة بما تعنيه، والعودة إلى الوطن بخفى حنين، هذا الابتعاد بما وسم به صاحبه، جعل الأخير يبدو كأنه يحلق خارج سرب أبناء جيله، مما أهله لمعايشة عزلة من نوع خاص، اقتضته يبذل جهداً مضاعفاً كي يتآلف نسبياً·
غربة المثقف إزاء مجتمع· غربة العائد بعد زمان شتى· وأخيراً·· غرابة تجربته الثقافية بما تحتويه من فوضى منظمة أو متناحرة·
في مجموعتيه "الأولى والثانية" تلمس لدى الخليفي بشكل واضح منحاه الواقعي النقدي لدى تصديه لعكس متغيرات الواقع الكويتي، بيد أن واقعيته تلك تخلي ساحتها بين وقت وآخر لتواترات فرويدية، وأكثر منها لمواقف وجودية، إن، لم تكن عبثية باتجاهاتها الفلسفية، ولا تحتكم آثار هذه المواقف على رؤيا النص وحدها، بل تتعداها إلى مسلك الشخوص·· أحياناً·
هذا المزج أو الاحلال أو كل لشخصيات هذه القصة أو تلك مهام تداول حوارات مضمنة بمفاهيم فلسفية·
هل بإمكانك القول: إن مفاهيم فلسفية مذكورة كانت سابقة لأوانها إزاء مواجهة متغيرات واقع كويتي في ستينياته أو سبعينياته؟
بالتالي·· هل بإمكانك الاستنتاج: استغلاق بعض قصص الخليفي ــــ الأولى منها بالذات ــــ على فهم عديدين جاء مترتباً··؟!
أضف·· وأنت تقرأ قصصه المتقدمة تصادفك بين الحين ولاحقه جملة بارتباطات تركيبية، بدت وكأنها مترجمة عن لغة أخرى·· لأنها مصادر تحصيل ثقافي معرفي استمد بعض روافده من أدب أو فكر مغايرين؟!
(إذا كان إيقاع المأساة يتبدى·· على شاكلة لعبة، فليس معنى ذلك أن اللعبة مفرغة من الفكرة· أليس الإبداع ممارسة للعب بالنقائض؟!
قالت النظرية بارتقاء أحد القردة المؤهلة إلى إنسان· وقال خيال نشط أن ارتقاء مثل ذلك لا يمكن حدوثه إلا عن طريق العمل)·
جانب من حديث الرواية في مسرحية "الغزال" جرى الاستشهاد به للتدليل على تضمين الخليفي خلاصة مختزلة للنظرية الداروينية مدعمة بمفهوم مادي جدلي في مرحلة لاحقة من كتاباته· هل يحق لك القول: التوظيف الواضح لأيما نظرية - أيديولوجية كانت أم بمنحى علمي صرف - بغض النظر·· يؤدي إلى مباشرة تنزع عن العمل الإبداعي جانباً من فنيته؟!
مقتطفات من مقدمة لمجموعة الخليفي
القصصية "الشارع الأصفر"·