تحت غيوم دخانية، ترسم دوائر لسيجارة لم تزل متصلة، وبتواضع جم، رد على طلبي اللحوح بإجراء مقابلة صحفية معه: "ما جدوى الظهور الإعلامي؟ وما أثره في ما يقدمه الكاتب هل يضيف شيئاً للقراء·· أو لي؟؟"
اصطنعت الرضا، احتراماً لرغبته، لكن ظلت بالنفس غصة من ردوده الهادئة المتلبسة رداء الأسئلة العبثية·
هو·· كغيره من أبناء جيله الذين قطعوا شوطاً بعيداً في الإبحار للوصول إلى ألق الكتابة والإبداع، غير متكئين على زيف أو تلميع أو معارف، أو ــ كما يلجأ البعض الآن ــ إلى حتى المجلات الفنية!
الخليفي ــ مثل كثير من مجايليه ــ يحمل بين جنبيه "فراشة" ابداع، يظل ينسج معها، وبها أحلامه، وتحوم خطاه في زواياه "الخاصة"، لكنه يتجنب خطيئة عشقها الأزلي، التي تنتهي بها إلى محرقة الضوء!
أفرحتني·· الصدفة التي أوقعت بين يديّ وأنا أتصفح أرشيف "الطليعة" ــ مقابلة قديمة أجراها معه زميله د· سليمان الشطي في العدد (428) بتاريخ 1973/6/9، فاستللتها، وفضلت إعادة نشرها قد يكون لسبب شخصي رداً أو (ثأرا) على رفضه طلبي لكن السبب الأهم أن محاوره (الشطي) هو أجدر وأقدر مني على التوغل في أغواره، وهو العوض في مقابلة مفترضة لم تتم، كما أني لم أر أي قِدمِ في محتوى المقابلة ــ رغم مرور كل هذه السنوات ــ فما زال "أصيلا لم يمارس خداع الزخرفة والتطريز"· كما اختار الشطي هذه الجملة عنوانا لمقابلته·
ولفت نظري بدء إجابات الخليفي في نص المقابلة بحرف "السين" قد يعود لخطأ مطبعي·· لكني أرى أنه الأنسب لإجابات لم تقدم رداً مقولباً، أو حلاً جاهزاً بقدر ما طرحت علامات استفهام، أدخلتها بدوائر التساؤلات!!
ن·م
لا أريد أن أقدمه لكم في أسطر تعيش على فتات الأرقام·· إنه شيء مختلف··
سليمان الخليفي شيء مختلف تماماً، ينفرد وسط أكوام الأعشاب البرية المتتابعة غازية الفكري بالعنتريات حيناً وبعطر باريس أحياناً أخرى هو شيء مختلف متميز وعنيف رغم كل الهدوء ·· كلمته معاناة مستمرة من جانبه·· وهناك سؤاله المستمر: لماذا يقف القارىء، خارج هذه المعاناة··؟ لذلك يشده إلىه حيث الانصهار بين اليد والكلمة·· ومع هذا كله يظل هذا الأدب وحيدا من حيث جدارته بالمعاناة والمغامرة، ولذيذا حين تفك الكلمة من أسارها ومن تحديداتها·· إنه ممتع رغم الرؤوس المهتزة رفضا··!
أليس جديرا بالمناقشة هذا النحيل·· هذا الذي انشدت كل عضلات أصابعه فإذا هو ذاته مسكوب على الحرف··؟
من الكلمات التي احفظها له ــ ولست من الذين يقتاتون الذاكرة ــ تلك الكلمات التي قالها وهو يقدم قصته "قاع الجدار":
"في قاع الجدار
الخطوة الراجعة
التحطيم لما بعد الخطوة"
كلمات أرى فيها كل الخليفي ملخصا، ولكن ما الذي بقي من الماضي الممتد إلى أيام تلك الكلمات، ما الذي تغير، كم تحطمنا وبقيت تلك الكلمات لا تغادرني·
لعل الخليفي يعرف أن الديدان هي التي تعيش في قاع الجدار·· لذلك بقي هو بعيدا عن واجهة هذا القاع·· ظل اسمه ساقطا من كل الحسابات، متواريا يقرأه القلة ويهزون الرأس اسفا، وتتحنط المغامرة التي أرادها·
ولأنه أصيل·· أصيل جدا لم يمارس خداع الزخرفة والتطريز، ولم يتقن الوقوف أمام الكاميرا بابتسامة بلهاء·· ولكنه ترك في النفس أملا في أن هناك بقية منا لا تزال تعشق الأغوار وتستشرف كل مجهول·· بقية من أناس هم الذين سيبنون هيكل الحياة ويواصلون حمل الصخرة إلى قمة الجبل··
ولكن الأمل والنظرة المستقبلية هي التي بقيت في عيونهم ومات العبث·
أقول لكم كم أحببت كلمات الخليفي وأحببت المعاناة معها··
"سليمان الشطي"
س· الشطي:
أريد أن أعود مرة أخرى إلى تلك الفترة التي عرفتك فيها زمالة وفكرا، وقد شكلت في ذلك الوقت رأيا استعيده الآن فأجده مطابقا لفترته، ولعل مناقشتنا له من جديد تعيد له الحياة ·· كنت أراك أميل إلى التجريد، لمست هذا في (رؤيا في مجتمع العظام" "الأسئلة المغلقة" (قاع الجدار) (خارج اللوحة)·
كلها تكاد تسير في اتجاه واحد، دعني استثنى (الحبل المبهم) فقد كانت أقرب إلى الاسقاط العاطفي ويبقى التساؤل المذكور والتشخيص السابق ملحا···
س· الخليفي:
ـ تلك الفترة كانت: زمن الاهتمامات الحقيقي وكانت البداية ولعلك تذكر، كم هي خصبة فترة النصف الأول من الستينات سواء على المستوى السياسي، أو الأدبي والفني، وذلك في حركة الترجمة والنشر فضلا عن النتاج المسرحي والحوار الذي دار في المجالات الفكرية·
وحين لاتتخرج في بيئتك الخاصة والعامة على الوضوح في مسافة العلاقة بين الأخلاقيات والممارسات اليومية، أو على الإدراك للصلة القائمة بين ما نتلقاه في فصول الدراسة (أن وجد هذا التلقي) وجملة الأدوات والوسائل الحديثة المستخدمة على النطاق الشعبي··
أي كانك تضرب بفاس، بينما تمسكه بيديك الاثنتين من المنتصف، وحين تتربى في بيئتك الأكثر خصوصية على معايشة برجوازية صغيرة لعلها غير موهوبة غالبا عند تكوين فكرة ما عن ذاتها أو محدودة الطموح، وذلك في حدود ما تتيحه علاقتها العملية والمعرفية بمؤسسات الانتاج الوطني، لأبعادها الطبقية من تكريس وفاعلية، ثم لا تلبث أن تتسرب إلى ذهنك بعض الأفكار، وتلتقي بذلك الزخم للفترة التي وصفتها في البداية، فإن أسبابا قوية لعلني أجهلها ستدفع بمجرى التفكير لديك إلى زاوية التجريد والانطلاق من القضايا الكبرى، ولكنها على أية حال مرحلة·
س: الشطي:
أفهم من كلامك أن مركبات البيئة ثقافيا واجتماعيا كانت تنزع إلى القبول السلبي لكل ما هو طارىء·· إن هذا التصور يطرح أمامنا قضية هامة وشاملة، فحينما يخضع المثقف العربي للتأثيرات الخارجية باستسلام وخدر ينعكس هذا على ممارساته الفكرية، فأدب تلك الفترة كان مثقلا بالاسقاطات الرمزية المكتسبة ثقافيا أكثر من كونها معاناة حقيقية فكان على المتلقي أن يلج بدوره بوابة الميثولوجيا اليونانية والرومانية·· فأين تقع أنت بدورك من هذا كله··
الاقتراب من النفس
س·الخليفي:
في السابق كنا نوظف الأواني الخزفية من أجل التبريد لتحل مكانها فيما بعد الثلاجة فلا يغيب عن البال ها هنا المضمون الحضاري المشترك بين الأداتين، بيد أن الأخيرة هي نتاج انجازات تكنولوجية متعددة لحضارة منتجة لهذه الانجازات الجديدة علينا·
ويوم أن استخدمنا هذه الأدوات الجديدة بعد أن أصبح من الضروري التدرب على طرائق تشغيلها وتوظيفها، كنا نجهل حقيقة الفعل المبذول في تصنيعها، لعدم ممارستنا لهذا الفعل ·· لذلك فإن المضامين الحضارية التي تضيفها هذه الأدوات إلى نمطية حياتنا ونشاطاتنا اليومية ضئيلة إذ إن هناك مضامين أكثر أساسية وخطورة، هي قائمة في محيط العمل المنتج لها فكان لذلك انعكاسه المباشر علينا·· تذكركم أن السوق يزخر بالآلاف من هذه الأدوات، بينما تزخر الوزارات والمؤسسات بالآلاف من الموظفين الكتبة·
من هنا جاء التقسيم الكلاسيكي للطبقات وإن كان موجودا وجودا فعليا إلا أن الاحساس به ليس على هذا القدر من الحسم، وخصوصا لدى البرجوازية الصغيرة، مع أنه حسب تقديري وعلى سبيل المثال، من الصعب أن نتبين في الوقت الحاضر وخصوصا لدى الأجيال التي تتعامل مع الواقع الجديد، سمات وفروقا سيكولوجية بارزة وخاصة بطبقاتها المختلفة·
هذه الأسباب مجتمعة تبرر هذا الاستعداد للتأثر السلبي بمعزل عن الاقتناع والاعتقاد إلا أنه من غير الممكن تعميم هذه الظاهرة على كل الفئات من جهة، فنحن نعرف أن هناك أدباء عرباً التزموا بأيديولوجيا محددة شكلت آراءهم ورؤاهم المعروفة سواء في عملية الابداع أو في عملية النظر إلى المجتمع والتاريخ ومن جهة أخرى وكما ذكرت أنت بصدد ما طرأ على الأدب في النصف الثاني من الستينات عندما بدأ في اقترابه أكثر من النفس·
إذن فحين تتسق وتأثر النمو الاجتماعي والاستفادة من التراث الثقافي الإنساني، تشترط هذه الواقعة فلسفة ما بعينها من أجل تفسير ظواهرها وذلك يشترط بدوره الاتجاه الفني·· وعلى هذا فلربما استمرت التيارات التجريدية والعدمية·· الخ· لأنها تمثل نزعة ما·· أما بالنسبة لي فإنك واجد غير ذلك في قصصي الأخيرة·
س· الشطي:
لنترك القضايا العامة ونقترب أكثر من نتاجك·· والسؤال لا يزال يدور حول تلك الفترة ومتعلقاتها، وأبرز شيء يلفت النظر هو استعمالك اللغة، ولنكن أكثر وضوحا فأكثر من جمعني معهم نقاش حول أعمالك كانت تثار قضية واحدة وأعني بها الغموض··
ولكن ــ وقبل الإجابة ــ دعني استدرك وأقول إن أعمالك الأخيرة الملتصقة بالواقع أكثر فأكثر تجاوزت هذا الاحتجاج بعض الشيء وإن ظلت هذه القضية قائمة·
س: الخليفي:
ــ لم يكن الغموض يوما أسلوبا اتخذته لتضليل من يقرأ أو على الأقل إقناعه بأهمية المكتوب وقيمته الفنية بدليل انجلائه عبر ما كتبت وخصوصا الأخيرة·· أي منذ (في الداخل والخارج) وهو آخذ في التلاشي·· ومع ذلك فهناك في يقيني أسباب رئيسية كانت وما زالت خلف هذه الحالة، ففي السابق كان هناك:
1 ــ طبيعة القضية المطروحة وذلك في الابتعاد عن المشكلة اليومية·
2 ــ عمر التجربة وعدم استمرارية الكتابة بسبب خمس أو ست سنوات من الانقطاع·
وفي الوقت الحاضر:
1 ــ التجربة التي لما تتحول بعد إلى خبرة ناضجة كل النضج·
2 ــ والطريقة في تأليف العبارة أو الفقرة ولقد لاحظت بحق في مقدمة مجموعتك (القصصية) "الصوت الخافت" تتبعي للعبارة وتبيان معانيها، أن طريقة التحليل والتركيب والتعرض لجانب من جوانب الشخصية أو معنى من المعاني ومحاولة ارجاعه إلي ظاهرة ما معروفة في حياتنا والبحث عن ارتباطاته المادية بالإضافة إلى محاولة تكريس مساهمة عضويته في العمل الفني ما بين الصياغة والدلالة هذه ــ ولعلك تتفق معي ــ أسباب تشترط مساحة لغوية أكبر من أجل هذا الغرض وبما أن ذلك بالتالي يتعارض وامكانية القصة القصيرة، أن لم يلغها أصلا، من هنا كان لجوئي إلى التكثيف وضغط العبارة، الأمر الذي لعله باشر في نشر جو من الغموض على اللغة·
س: الشطي:
عانقت أعمالك الأخيرة الواقع، فكانت "تزوجت" "زواج"، "هي التي تجوب الشوارع"·· ونحن لا نسأل لماذا، بقدر ما يتجه تساؤلنا إلى سبب الانحصار في الجانب القائم على العلاقة الفردية ومجسما لهذه المشاكل التي قد تكون خاصة جدا من حيث دلالاتها الأولى·· ومن جهة أخرى ما الجسر ــ في نظرك ــ الواصل بين هذا الاتجاه وسابقه··؟
النمط ·· وصلابة الحقيقة
س· الخليفي:
لنبدأ من حيث انتهى سؤالك، فهناك عند نهاية الجسر الذي بدأ من القصص الأولى ووصل إلى الأخيرة حاملا بعض الوقفات من التساؤل عن الإنسان فالمواطن حدثت انتكاسة للتجريد·· أي أن البحث عن الإنسان حدث في تتبع حركة المواطن في الزمان والمكان والسبب، لا عن أي طريق آخر·
وعندما (تزوجت) هذه الفتاة الكويتية أي حينما بدأت الظروف ترغمها على التعرف إلى ذاتها هل توصلت على الأقل إلى قبول المقولة الدينية·· إن أكرمكم عند الله أتقاكم··؟
إنها لم تفعل، ولم تستطع أن تتحاشى الامتلاء بمثل هذا المعنى·
تلك كانت وظيفة هذ القصة (تزوجت) فحين رصدت ذلك النمط (الذي يعتقد بالرغم من صفاته الأخرى بأفضلية الكويتي على الآخرين) في لحظة يمكن لحقيقته التي نمت في داخله وتوغلت في النفس أن تتهدم بحقيقة أكثر صلابة، تحاشاها ولم يصدم بها، ولكن القصة نقول حقيقة اخرى مهمة وهي إنه ما كان بإمكانه أن يقوم بهذا التحاشي للحقيقة لو لم يدرك مؤداها· وتقول أيضا وإلى متى يستطيع أن يستمر بمثل هذا التحاشي·؟
وهكذا نجد أن القصة بدأت تضع نفسها بين البصلة وقشرتها، ولكن لا لتحظى هذه المرة بالرائحة فقط، بل لعلها استطاعت أن تصنع خمرا، كما يحدث في بعض البلدان· ومن الدلالة الأولى إلى الدلالة التي تليها تنكشف العلاقة الفردية على حقيقة المجتمع وعلى تحولها البطيء ولكن المدهش إلى مراتب في التاريخ· لذلك فأنا سعيد بعبارتك (عانقت الواقع) وهل هناك شيء أحلى من العناق··؟
س· الشطي:
هذا الحوار الدائر بيننا يدفعني إلى الوقوف والتساؤل عن موقفك الخاص من الحركة الأدبية والفكرية، فقد مضت أكثر من سبع سنوات وأنت تعايش هذا الوسط، وتشارك أيضا في حركة الثقافة المسرحية، إلا أن تصوراتك وآراءك ظلت خارج الدائرة بعيدة عن متناول اليد·· لذلك فنحن نتساءل عن رأي سليمان الخليفي فما يدور حوله··؟
س· الخليفي:
إن نتعايش الإنسان مع تصوراته وآرائه عن مسألة كهذه فإنما هو أمر يتم بمنتهى العفوية وإن بدت الآراء عملية ارادية بحتة في طورها النهائي· لكن حين يتأتي لك أن تتبين مسوغات هذا الطور الكامن خصوصا في جوانب الحياة اليومية والتي هي كثيرة ومتنوعة فإن مزيدا من الضوء كما يقال، يغشى النظر· فما المثال··؟ لو أنك توجهت إلى العديد من العرب ومن مختلف الاهتمامات، لحدثوك عن بالغ استيائهم من الوضع الذي نحن فيه، ولأخبروك عن آخر مثل يؤكد ذلك ويبدو لك جديدا أيضا·· إلا أنهم في غالب الأحيان ينتهون إلى فكرة لما تكتمل عن طبيعة المشكلة وكيفية السبيل·· إلخ·
ثم حين نتفق سوية على حقيقة هذه الظاهرة·· إلى جانب اتفاقنا حول أن هذه العصى من تلك العصية·· نحاول أن نتلمس أشياء تتصل بشكل أو بآخر بهذه الظاهرة في محيط الفنون ولا يهم بعد ذلك إن كنا سنصوغ رأيا ما، أم لا··
فتعال معي نطوف بالكويت بشكل سريع، ولكن ضع في اعتبارك منذ البداية، أن ما يثير انتباهي هو العام والسائد لا الخاص·
ثم أنظر إلى هذا المعرض للفنون التشكيلية واتفق معي على هذا الجهد الجاد وعلى هذه القدرات من خلفه·· ثم ألا ترى أن الإنسان الكويتي بتطلعاته وهمومه الحاضرة خارج التناول الفني ··· ولنقرأ الكثير من القصائد لنجد أن أهم من في الكون هو الشاعر والكون بأجمعه يبدو في محل سبب معاناته·
لقد عايشت المسرح، فحدثني عن ممثلين رأيتهم يختلفون حول مفهوم معين للنص أو يختلفون مع مخرج أو مؤلف حول قضية مطروحة، بعد ذلك علمني عن سبب الضحك المتواصل أثناء الكتابة ووقت التدريبات وكل يوم من على الخشبة· لقد تبين حب الأغنية الكويتية في زحمة الهجر والوصال· وأن نسيت فذكرني أنك أشرت إلى ثلاثة مواضيع مدروسة بعناية في ثلاث صحف صدرت في نفس اليوم في بحر الشهر الماضي·
لا أعتقد أن الحجة في كثرة الأمثلة ولكن هل أن الوضع يدفع إلى هذا الحد من اليأس؟ لا أعتقد أيضا فهل نحن في حاجة إلى مجلة فكرية تعنى بهذه الشؤون؟ ولكن أين ارهاصات هذه المجلة في الصحف الحالية والتي قد تنشر في كتب في المستقبل··؟ ليس المهم أن تعرف رأيي في الحركة الفكرية والأدبية بقدر ما يهم، في حال وجودهما، أن يتحولا إلى حاجة بالنسبة للجمهور·
رابطة الأدباء·· ديوانية صغيرة
س· الشطي:ألا ترى أننا نحلق بعيدا وكلما أردت شدك إلى الجزئيات تدفع بي إلى العام من الأشياء أنني أرغب في سماع كلمتك الواضحة فيما يدور حولنا·· لنكن أكثر تحديدا: رأيك في المسارح المختلفة، رابطة الأدباء، أولئك الذين يملأون صحيفة الخبر·· وأيضا تلك الكتب التي تملأ السوق من قصص ومسرحيات ومنظومات على ورق صقيل·· إنها حياة نعيشها يوميا فليس من الصعب عليك أن تكون رأيا فهذا جزء من المسؤولية لا أن تطرح أسئلة··
س· الخليفي:
ــ لو قلت لك أن المسرح الوحيد الذي يحاول أن يوازن بين جدية الطرح للمشكلة وبث الطرافة بين ثنايا ذلك هو "مسرح الخليج" لما رغبت أن ألزم نفسي بهذا الرأي بمعنى أنني على انتظار كل عرض قادم لكي أؤكد هذا الرأي أو أتحفظ· كذلك أعتقد أن (الشعبي) يحاول أن يتعامل مع هذا النوع من التوازن، بالرغم من فشله في اختيار بعض النصوص، فإذا دلل هذا على اعتقادي بجدوى استمرار المسرح·· فإنه لا يعنى أن المسرح ليس في حاجة إلى الكثير من الجهد وأنه لا يحفل بالكثير من التشويهات·
أما رابطة الأدباء فأنا لا أعتقد أنها تختلف كثيرا عن أية ديوانية صغيرة، إذ لا أرى فيها أكثر من أربعة أو خمسة· كذلك من النادر أن تجد ما يغري بالقراءة في "البيان" حتى الورق الصقيل الذي تتحدث عنه، كثيرا ما يطبع عليه شيء يقول لك دعني·
لقد قلت لك في السابق إننا استخدمنا الثلاجة ولم نصنعها·· وإذا كان الإنسان كما بات مؤكدا أنه تخرج على يديه فإنه يتحضر كذلك وبنفس السبب· كنت أردت أن أقول وهذه مسألة دقيقة: إن الفنان الذي يكسب كما يكسب أخوه وأخته من مجرد الجلوس على مكتب هو فنان هاو لا يهمه أن يتناسل وهو ينقطع عن ممارسة فنه أو لا يشارك متى كان ذلك عسيرا بعض الشيء· فهل بالإمكان بعد ذلك أن يحافظ على كم الانتاج أو نوعه، بلا الصراع من أجل ذلك·
وطالما أنك تستطيع أن تغلق الجريدة أو المجلة بعد دقيقتين من فتحها، أقدر أن أقول أن الحركة الأدبية والفكرية في تضاؤل·