الحرية والفردية
أكرم شاهين
"1"
منذ سبعين سنة ونيف، كان جدي يغني حريته في حقله البعيد، وكان يشعر وهو يحرث أرض مستقبله، أنه يتواصل مع جدتي في دار الأسرة الكبير، لأنها والآن بالذات تعد له "الزوادة" وهو يشتهيه الآن بالذات، لم يكن جدي يقرأ الصحف أو يتابع الأخبار المحلية والعالمية عبر الفضائيات، ولم يكن يحتاج لـ "موبايل" حتى يغازل حبيبته التي هي جدتي، بل كان يرسل لها قصائد تسبح في الفضاء على أجنحة بيوت العتابا، والميجانا، لتدخل قلب الحبيبة، رغم أنها "جدتي" لم تسمع بعيد فالانتاين "عيد الحب"·
"2"
أين تكمن فردية الفرد؟ هل تكمن في أنه فرد مفرد، لا علاقة له بأحد، ولا لأحد علاقة به، وذلك حتى يتحقق المفهوم الشائع للحرية، فيبيح لنفسه اختلاق مناخاته المرضية التي تحتاج لأكثر من "فرويد" و"يونغ" لتوضيحها لنا ولهم!!؟
أم أن فردانية الفرد، بمعني التفرد في المزايدات والتميز في خاصية إنسانية، هي الجوهر الحقيقي للفردية الحقة؟؟
"3"
سقط المعسكر الاشتراكي، بجهود جبارة وحروب شعواء من قبل المعسكر الرأسمالي، بحجة أن الاشتراكية نظام شمولي يلغي فردية الفرد، ويحيله إلى رقم أو بحجة أن هذا المجتمع يتحول إلى مجتمع قطيعي! ولذلك نجح النظام الرأسمالي بالقضاء على النظام الاشتراكي وسود فكره أنه هو النظام "الحر" أو الليبرالي أو الفردي·· وأشاع أفكارا مثل المنافسة الفردية "الحرة" أو نظام السوق الذي يعتمد على "حرية" رؤوس الأموال ووصل بالتالي إلى ما بعد الإمبريالية، وهي مرحلة العولمة "عدم وطنية رؤوس الأموال" أو أحقية رؤوس الأموال بالاستيطان في أي "وطن" تراه مناسبا، ولذلك نرى هذا التواصل "العظيم" الموجود بين جهات العالم الأربع، وهذا التواصل الذي "لم يحلم به جدي يوما" صار هو سمة العصر، ولذلك روّجوا لفكرة أن العالم قرية صغيرة، ناسفين مبدأ الخصوصية "الفردية" أو الخصوصية "المحلية" لكل أمة، أو شعب أو ثقافة وبدأوا في عملية تسفيه التراث والحضارة بحجة "صراع الحضارات" أو "نهاية التاريخ"·
- فويح قلمي - أية خصوصية أو فردية أو فردانية، ينادون بها وقد أصبح الفرد في هذا المجتمع "المعولم" رقما لا أكثر ولا أقل، بل إن حياته كلها أرقام، فالمرء أصبح يعرف برقمه الخاص في حساب البنك، أو رقم سيارته أو رقمه الخاص بالتلفون النقال وهذا الرقم الخاص يحتاج إلى رقم سري آخر، وهذا الرقم السري، له رقم سري آخر احتياطيا، وأيضا والأدهى من ذلك، فإن المرء بدأ يشعر أن رقمه مكشوف لكل شخص يتصل به، بالخطأ لأن كشاف الرقم يكشف المستور·
"4"
هذا هو النظام العالمي الجديد أو "النظام الرقمي الجديد للعالم" طبعا ليس هذا تقليلا من أهمية الرقم أو "العدد" فلعمري هذا الانجاز القديم "الرقم" يضاهي انجاز البشرية الحديث "الكومبيوتر" وإنما أحاول أن أؤكد أن النظام العالمي الجديد يحث على قطعنة المجتمع،لأنه عندما يسمح للفرد أن يختار "بحرية" فهو فقط يسمح له أن يختار بحرية لون سيارته من بين عشرات الألوان أو نوع تلفونه المحمول من بين مئات الألوان والأنواع، أما أن يفكر "بحرية" فهذه جريمة في عرف النظام العالمي الجديد، ولذلك دائما هنالك جهاز ضخم "إعلامي" لتسويق الأفكار المراد تسويقها حتى لا يتسنى لأي "فرد" أن يغرد خارج السرب، فأنت بقدر ما تكون منغمسا في متطلبات "النظام العالمي الجديد" الاستهلاكية تكون "فردا" "صالحا" و"حسنا" و"كاملا"·· أما أن تكون "ثائرا" أو "حسينا" أو "غيفار" فأنت ارهابي بالتأكيد وأنت أيضا رجعي ومتخلف ومتحجر··!!
"5"
رحم الله من قال "ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها في هذه الحياة" وهذا برأيي موجب لقيام جماعه "عكس فرد" أو جمعية "ليس حزبا" أو هيئة وليس "مؤسسة" برفع شعار العودة إلى الأصول أو الجوهر السامي للحياة وللمجتمع، وهذا ليس بالأمر العسير، فعمر البشرية دهور ودهور وليست هذه "البرهه" من عمرها ستكون خروجا عن القاعدة، بما تحتويه من ثورات علمية ومعرفية، فربما ستكون للأجيال اللاحقة نقطة في بحر علمهم، ولننظر إلى الأطفال، ماذا حل بهم من اضطهاد واغتصاب وعمل شاق غير إنساني، بفعل النظام العالمي "الحر" ولننظر إلى جبروت بعض الطغاة أو الحكام أو الدول التي نشأت وترعرعت في أحضان قيم السوق والفردية مثل "شركة دولة اسرائيل" أو الدول الحليفة لها، بل لننظر إلى هذا الوهم الخادع من قيم العالم الحر والديمقراطي، وما سببه لنا من تخلف بفعل الحصار بحجة حقوق الإنسان، والتغييب الكامل عن الساحة الدولية، بفعل الخدمات المفتعلة المتعلقة بالثقافة والهوية والمعتقد!
بل إن مفهوم الدين، أو الغفران، أو التوبة، صارت مفاهيم سياسية، خاضعة لهذه الموجة العالمية الجديدة، لدرجة أن رجلا مثل البابا، يقرر أن يبرىء اليهود من دم المسيح، هكذا لأنه أراد ذلك هو أو غيره، وكما فعلت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عندما، ــ وببساطة ــ اعتذرت لإيران عن 25 عاما من محاربة الثورة وعن سنوات دعم الشاه، وببساطة، يمكن أن نجد يوما ما، من يعتذر للصهاينة عن 50 أو 100 عام من العداء لهم، بربكم ألسنا في مشهد من مسرحية هزلية سمجة؟!؟!