رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6-12صفر 1421هـ - 10-16مايو2000
العدد 1426

كيف سقط الترابي

كتب محرر الشؤون الخارجية:

"الأمر لي" هكذا يمكن تلخيص موقف الرئيس السوداني عمر حسن البشير، وبهذا تنتهي ازدواجية "القيادة برأسين" التي حكمت السودان عقب "ثورة الانقاذ" لعام 1989·

فهل استقر الأمر للبشير، وهل اتخذ قرارا بمتابعة سياسة جديدة قوامها تدوير الزوايا مع الخصوم الداخليين والخارجيين؟ ولماذا سقط الترابي؟

منذ بضعة أشهر، أخذت الخرطوم، التي أضعفتها الخصومات "داخل القصر" والمواجهات بين رئيس الدولة ورئيس البرلمان الدكتور حسن الترابي، تسعى إلى الخروج من عزلة إقليمية ــ دولية وتظهر مطامح دبلوماسية·

عندما تصالح البشير، ظاهريا، مع الترابي المنظر الفكري لنظامه فهو وضع نهاية مؤقتة لخصومة استمرت خمسة أشهر قبل ذلك، وكانت تلك نهاية فترة نزاع قديم على السلطة: فمنذ "ثورة الانقاذ" في يونيو من عام 1989، لم تتوقف العداوات إنما ازدادت تعقيدا بفعل تنازع المهمات والصلاحيات داخل المؤسسات·

إن الحكومة التي تشكلت في 24 يناير الماضي سمحت للرئيس السوداني بأن يحافظ على الاستمرارية الحكومية مع تحييد خصمه، هكذا بقي البشير الرجل القوي في السودان على رأس حكومة موالية له بالكامل، وفي المقابل، حافظ الترابي على منصب الأمين العام لـ "المؤتمر الوطني" الحاكم، وعلى منصب المرشد الايديولوجي للحركة الإسلامية·

هكذا كان على الترابي، الذي سعى دوما إلى فرض نفسه في مقدم المسرح السياسي، أن يبحث عن تحالفات جديدة قبل فترة وجيزة من الانتخابات البرلمانية، وهذا "العقل المفكر" وراء النظام فعل كل ما في وسعه للتخلص من البشير مسخرا بذلك جميع الأجهزة القيادية في "المؤتمر الوطني" ملغيا الأجهزة الخاضعة لرئيس الدولة فقد صار أمينا عاما ورئيسا لمكتب تنفيذي جديد· والآن خسر كل شيء ومعه الصحافة الموالية· منذ تشكيله عام 1992، لم يكن حزب "المؤتمر الوطني" غير نسخة ملطفة من "الجبهة القومية الإسلامية" وهي الحركة السياسية "الترابية" التي كانت وراء انقلاب البشير على رئيس الوزراء المعتدل الصادق المهدي، وإذا كان الترابي يجازف بـ "هز" الحزب الرئاسي من رأسه حتى أساسه فلأنه كان يأمل في فرض إصلاح دستوري كبير: إقامة منصب رئيس وزراء وانتخاب 26 حاكما اقليميا يعينهم حتى الآن رئيس البلاد·

هذه السيطرة على "المؤتمر الوطني" جاءت في لحظة حرجة: فالحكومة السودانية كانت تستعد قبل ذلك بأشهر للظهور بوجه جديد مع سعي البشير إلى إعادة زعماء المعارضة المنفيين إلى الخارج وفي الداخل أيضا· فالرئيس السوداني وخصمه الأبرز الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة، أحدثا مفاجأة عندما وقعا على هامش قمة إقليمية في جيبوتي في نوفمبر الماضي، "نداء الوطن" وكان ذلك إعلانا في خمس نقاط تدعو إلى حل سلمي لأزمة جنوب السودان وإعادة إرساء الديمقراطية والتسامح الإثنى والعرقي، وعندئذ أبدى البشير رغبته في إعادة العلاقات مع جزء من المعارضة المنضوية في "التحالف الوطني الديمقراطي" المتعدد المشارب الذي تأسس عام 1995 ليضم أطرافا من الشمال ومتمردي الجنوب·

على الساحة الدولية حاول البشير أن يكسر عزلة نظامه فالسودان الذي غرق طويلا في حرب إقليمية أراد أن يكسر دائرة النزاعات مع جيرانه، وكانت أريتريا أول بلد يعيد العلاقات مع السودان، ففي مايو من عام 1999 وقع البشير وأسياسي أفورقي في قطر اتفاق تعاون وهكذا أعيد افتتاح سفارة اريتريا لدى الخرطوم في 22 يناير الماضي·

لم تتوقف الارادة الديبلوماسية للرئيس السوداني عند هذا الحد· ففي بداية ديسمبر من عام 1999 أجرى السودان وأوغندا "كل منهما يؤوي عناصر معادية للآخر" أول محادثات سلام، وكان اتفاقهما الموقع في نيروبي يقضي بأن يوقف كلا البلدين الأنشطة المعادية للآخر، وهذه الخطوة كانت مهمة للبشير، فغايته هي أن تمارس أوغندا ضغوطا على زعيم "الجيش الشعبي لتحرير السودان" جون غارانغ من أجل اعادته إلى مفاوضات ترعاها الهيئة الحكومية "الافريقية" للتنمية "إيغاد" غير أن الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني اتهم البشير بعدم احترام الاتفاق، لكن لماذا التقارب "المفترض" مع أوغندا؟ لأن هذه الأخيرة نقطة انطلاق للديبلوماسية الأمريكية في المنطقة·

هذا الاتفاق كان برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وهذا الأخير اعتبر في موقف لافت أن "العقبة" الأكبر أمام السلام في السودان هي السياسة الأمريكية نفسها، وأضاف: "الولايات المتحدة تريد قلب نظام الخرطوم، وهكذا تكون كل جهود السلام محكوما عليها بالفشل"·

كانت الإدارة الأمريكية تبدو مقسومة بشأن الموقف من نظام الخرطوم، فالبعض مثل نائب وزيرة الخارجية توماس بيكرينغ يؤيد إعادة فتح سفارة الولايات المتحدة لدى الخرطوم، وقد فكر بعضهم في الإدارة الأمريكية بوقف المساعدات الغذائية المباشرة إلى المتمردين في الجنوب نقيضا لمطالبة بعض أطراف الكونغرس، أما مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الافريقية سوزان رايس فقد ضغطت لابقاء سياسة العزل·

لم تعد سياسة "ترذيل" نظام الخرطوم مقبولة، تدريجيا، من جانب البلدان الغربية الأخرى والبلدان العربية بما فيها مصر التي تقيم علاقات جيدة مع السودان، وقد اقترحت مصر وليبيا مبادرة مشتركة بشأن الأزمة السودانية، يعتقد أن زيارة جون غارانغ للقاهرة تختص بها: فمصر وليبيا لا تريدان لـ "الجيش الجنوبي" تعويق هذه المبادرة، بل إن القاهرة، التي ترتاح إلى التطورات الحالية، قد تكون راغبة في ألاّ يقوم غارانغ بما يعيق ضربة البشير داخليا لتيار الترابي·

استنادا إلى النجاحات النسبية على الساحة الخارجية، لم يتردد البشير في منازلة الترابي بالقوة بإعلانه في 12 ديسمبر من العام الماضي حال الطوارىء وحل البرلمان قبل يومين من التصويت على إصلاح دستوري اقترحه الأمين العام لـ "المؤتمر" وبعدما دان الترابي هذه الخطوة كان عليه أن يلتقي مع حليفه "اللدود" حتى ينقذ ما بقي له من سلطة بعد إجراء "تقزيمي" لقي ترحيب العالم العربي·

هكذا التقطت مصر وأوغندا وأريتريا فرصة التخلص من قطب إسلامي دولي، صاحب أيديولوجيا النظام السوداني صار عقبة أمام ترتيبات السلام والمطامح الاقتصادية الاقليمية·

لم تكن محاولة الترابي التقرب من البشير أو "لعق الجراح" تريح مصر فقد أعلنت الأخيرة في يناير الماضي عدم ارتياحها لعودته إلى المسرح السياسي·

بفضل استعادة المبادرة في الداخل، وتحسين العلاقات خارجيا، أخذ الرئيس السوداني يسعى إلى الاستفادة من المعطى الاقتصادي الجديد في بلاده وهو النفط وإلى التقرب من معايير صندوق النقد الدولي·

فالسودان ينوء تحت دين خارجي من 25 مليار دولار· ولا يتخطى معدل عائدات الفرد سنويا 250 دولاراً، وفي عام  1996 ارتفع التضخم إلى 133 في المئة سنويا، ومن أجل اقناع صندوق النقد الدولي والدول الدائنة والمستثمرين، أطلق السودان منذ عام 1997 خطة اصلاحية قاسية لتحقيق الاستقرار النقدي وضمان الاستثمارات الأجنبية واحترام الملكية الخاصة وخصخصة جزء من الشركات العامة، وفي عام 1999 انخفض التضخم بنسبة 14 في المئة، وهكذا صار ممكنا أن يناقش صندوق النقد الدولي برنامجا اقتصاديا من سنتين بعدما رضي عن "تلميذه"·

هذا السعي إلى الاستقرار كان يرمي أيضا إلى إثارة اهتمام الشركات النفطية الكبرى، فالديبلوماسية السودانية المتجددة وثيقة الصلة بالنفط: منذ أغسطس من عام 1999 صار السودان رسميا بلدا مصدرا، وقد توجه البشير شخصيا إلى بور سودان حتى يحتفل بأول شحنة منه قاصدة سنغافورة·

بعد سنوات من الجهود المتواصلة، صار مشروع النيل الأكبر النفطي وهو عبارة عن شراكة لمؤسسات صينية "40 في المئة" وماليزية "30 في المئة" وكندية "25 في المئة" والحكومة السودانية "خمسة في المئة" ينتج أولى الشحنات بفضل أنبوب طوله 1610 كيلو مترات·

وقد سمح هذا الأنبوب الذي كلف مليار دولار بفك عزلة ستة حقول نفطية في ولاية غرب كردفان ووصلها بموقع التخزين والتكرير على مرفأ البشير عند البحر الأحمر·

هذا الأنبوب كان هدفا رئيسيا لغارات المعارضة المسلحة لكنه يشكل أداة حاسمة في تحقيق الاكتفاء بالطاقة وجني العائدات، وحتى لو كان معظمها من نصيب الشركات الأجنبية، فإن السودان يصدر نحو 180 ألف برميل يوميا ليجني ما بين 200 و 300 مليون دولار سنويا·

ضمن هذه التطورات وقع الطلاق النهائي بين البشير والترابي وإذا أخذت الأمور بظاهرها الآن يمكن توقع ما يلي:

- أن ينكفىء الترابي عن المجابهة، لكن أن تضعف في المقابل القاعدة الشعبية، لا العسكرية، للنظام وهذا ما يفترض منطقيا تحقيق نوع من التوافق مع أطراف المعارضة الشمالية والجنوبية أو على الأقل بعضها باتجاه تحقيق نوع من التسوية·

- أن يستأنف البشير انفتاحه على المعارضة لجهة تحقيق نوع من المشاركة المحدودة في السلطة حسب تعبير النائب الأول للرئيس علي عثمان طه، فالأخير أكد استعداد النظام لفتح الباب أمام الجميع في الانتخابات التشريعية والرئاسية وقبول "ما يقرره الشعب"·

- أن تنعكس تطورات السودان، متزامنة مع تطورات الأوضاع الداخلية الإيرانية، سلبا على الحركات الإسلامية الأصولية، فالنزاع بين الترابي والبشير يعكس مأزق تطبيق الحكم الإسلامي بطريقة تتخطى الشعارات الطموحة·

لقد خسر الترابي مؤسسة البرلمان ومؤسسة الحزب والجيش إضافة إلى الإعلام، وقد وقف حيال الإجراءات الأخيرة وفق منطق "لا حرب أهلية إنما لا اعتقالات" وهو في الواقع ضحية لتوجّه النظام نحو الانفتاح على الداخل والخارج·

طباعة  

"المطالبة بعودة أموال الكويتيين إلى الداخل"·· كلمة حق أريد بها باطل
الاستثمار في الداخل يتطلب محاربة الفساد أولاً

 
رئيس الهلال الأحمر في حديث خاص لـ "الطليعة"
البرجس فنّد اتهامات السميط وأشاد برعاية سمو الأمير

 
10 بلايين دولار الخسائر عالميا
فيروس "أحبك" يصيب بعض البنوك المحلية

 
لاستكمال الفحوصات
الخرافي غادر البلاد

 
الشرق الأوسط: تحركات "الفرصة الأخيرة"؟