كتب المحرر السياسي:
في تصريح إلى الصحافة المحلية منتصف الأسبوع الماضي شن وزير المالية الشيخ أحمد العبدالله هجوما على الذين يستثمرون أموالهم في الخارج، وقد اعتبر المراقبون هذا التصريح أن ظاهره الحرص على سلامة اقتصاد البلاد بينما اعتبروا باطنه تزييفا لوعي المواطنين وطمساً للحقائق الناصعة·
فالتصريح - كما يبدو للوهلة الأولى - يشير إلى أن سبب أزمة الركود الاقتصادي التي تعانيها البلاد منذ سنوات خلت هو هجرة الأموال الكويتية للخارج، من هنا كان لابد من وضع النقاط على حروف هذا التصريح الذي أثار استهجان الجميع، ومن المهم التوضيح أيضا أن هذا الحديث ليس دفاعاً عن أحد بقدر ما هو كشف للحقائق التي يحاول البعض تغطيتها·
والحديث هنا يعود بنا - بالضرورة - إلى تاريخ العلاقة في الكويت بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث كان واضحا أن العقلية الحكومية - بعد تدفق النفط - كانت تصر على تقييد القطاع الخاص حتى يكون تحت رحمة صاحب القرار السياسي وبالتالي عزله عن أية تأثيرات قد يقوم بها (القطاع الخاص المتحرر والقوي) بفعل الطبيعة سواء كانت هذه التأثيرات سياسية أم اجتماعية·
والتاريخ يكشف بوضوح لا لبس فيه الإصرار الحكومي على إضعاف القطاع الخاص الذي كان مستقلا وقويا ومتميزا حتى عن نظرائه في الدول المجاورة، ولعل أوضح مثال على ذلك قصة "شركة ناقلات النفط الكويتية" وما صاحب انشاءها ومسيرتها والعراقيل التي وضعت في طريقها حتى اتمام السيطرة عليها حكوميا، فحينما فكر ثلة من تجار الكويت بإنشاء شركة لنقل النفط الكويتي إلى أصقاع الدنيا بديلا عن البواخر الأجنبية التي تتكالب على نقل نفط الكويت، تقدمت الشركة بطلب للحكومة لضمانها في قرض لشراء ناقلات النفط·· فماذا كان الرد؟ لقد جاء الرد أننا نضمن القرض ليس على أساس أصول الشركة فقط وإنما مضاف إليها أموال وممتلكات أعضاء مجلس الإدارة وهذا بالطبع كان شرطا تعجيزيا، فهل يتصرف هكذا من يريد مساعدة القطاع الخاص الوطني؟ إلى هنا لم تنته القصة بعد، فحينما وصلت الناقلات الكويتية العملاقة كانت الشركة الوطنية الوليدة تتوقع أن "تحن" عليها الدولة وتعطيها الأولوية في النقل إلا أن شركة نفط الكويت ومن ورائها الحكومة أبت إلا أن تحابي الناقلات الأجنبية وتتجاهل الكويتية على الرغم من معرفتها بالجهد والأموال التي صرفت لتأمين أداء أميز، وحينها لم تجد شركة الناقلات بداً من "رص" البواخر الكويتية في عرض البحر وعلى مرمى نظر الكويتيين لتبين لهم حجم الاجحاف الحكومي الذي لحق بالشركة الوطنية، وقد كان هذا الاجراء أو التصرف التلقائي البسيط في شكله والعميق في مضمونه كفيلا باحراج شركة النفط ومن ثم اسناد مهمة نقل النفط لشركة الناقلات إلا أن هذا الوضع "الطبيعي" كان مؤقتا حيث لم تألُ الحكومة جهدا في وضع العراقيل أمام الشركة حتى استهدفتها في نهاية المطاف بـ "التأميم"·
ولعل المثال الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه هو طريقة تعامل الحكومة مع البنوك المحلية خلال "معالجة" أزمة المناخ في العام 1982، فحينما كان يلاحظ الجميع من ذوي البصيرة أن "التورم" الحاصل في البورصة كان مفتعلا وعلى الرغم من رصد "العقلاء" للأمور غير الطبيعية التي كانت تحدث من تأسيس شركات وهمية، ومرورا بالمضاربات الخيالية وانتهاء بفتح معظم البنوك المجال لكبار "فرسان المناخ" بالاقتراض دون ضمانات كافية إضافة إلى دخول أعضاء مجالس إدارات تلك البنوك في عمليات المضاربة المحمومة من خلال اقتراضهم أيضا من البنوك التي هم أعضاء في مجالس إداراتها ضاربين بعرض الحائط اللوائح والنظم التي تمنع تلك "الاقتراضات" تحت سمع وبصر مسؤولي البنك المركزي الذين لم يحركوا ساكنا وهم يرون الأمور في طريقها إلى الإنهيار، على الرغم من كل ذلك وأثناء عمليات "تورم" الأسعار عمّد رئيس الوزراء تلك الممارسات الخاطئة بزيارته للسوق الأمر الذي فسره المراقبون حينذاك على أنه دعم من الحكومة لتلك الأخطاء ورغبة منها في استمرار الحال على ما هي عليه، فماذا كانت النتيجة؟ إنهارت "السوق"، وجميع "العقلاء" كانوا يتوقعون ذلك·· ولم تتعلم الحكومة من ذلك كله وأرادت أن تصحح الأخطاء بأخطاء أخرى جديدة فجاءت الحجة "المعلبة" الجاهزة بأن الحكومة يجب أن تحمي البنوك من الانهيار دون أن تسأل الحكومة نفسها: من الذي جعل البنوك "مكشوفة"؟ ومن الذي جعل مجموعة من "الاتباع" يتسللون إلى السوق من خلال الايعاز للبنوك بمنحهم قروضا كبيرة فاقت في الكثير من الاحيان عن الحد المسموح به للاقتراض؟ ومن الذي جعل البنك المركزي يصمت أمام هذا الوضع "الشائه"؟
نعم، علت حجة "حماية البنوك" فوق كل الأصوات، باعتبار أن الدولة ضامنة للودائع في كل الأحوال، وباعتبار أيضا أن انهيار البنوك يؤدي إلى انهيار الدولة اقتصاديا، وكانت هذه الأصوات التي تبثها الحكومة من على كل المنابر المتاحة تمهد أساسا للسيطرة على البنوك، وهذا ما تم فعلا، بل إن "بنك الكويت الوطني" - وهو البنك الوحيد الذي التزم القوانين والضوابط حيال منح القروض - أجبر على دخول برنامج "التسويات" بين الدائنين والمدينين على الرغم من أنه (البنك) أبدى استعداده لمعالجة أموره مع زبائنه بالطرق الاعتيادية·
بعد هذه المقدمة التاريخية الضرورية كيف يمكن لنا أن نفسر تصريح وزير المالية الذي يطالب فيه الكويتيين باستثمار أموالهم في الداخل؟ إن الاستثمار في أي بلد يعتمد على تاريخها في استقرار التشريعات واحترامها وسيادتها على الجميع والمستثمر سواء كان وطنيا أم أجنبيا يتابع بشكل دقيق وبإحساس فطري بالغ بيئة الاستثمار إن كانت آمنة أو محفوفة بالمخاطر، فالقاعدة في ألف باء علم الاقتصادأن "رأس المال حذر"، لذلك لا يمكن أن نصنف الناس ونقيس ولاءاتهم من خلال مراقبة استثماراتهم والسؤال عنها إن كانت في الداخل أم في الخارج والمستثمر الذكي حتماً لا تغيب عنه الكوارث التي حلت باقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، فعلى الرغم من التقدم الصناعي المذهل الذي حققته تلك الدول إلا أن الفساد السياسي والمالي الذي كان "يعشش" في إداراتها السياسية كان كفيلاً بانهيارها· فالأولى هو تهيئة المناخ الصالح للاستثمار من خلال سن التشريعات المواكبة للتطورات الاقتصادية التي يشهدها العصر، والأهم من هذا وقبله احترام تلك التشريعات وأن تكون هناك شفافية عالية في تداول كل الأرقام والمعلومات التي تحيط بذلك المناخ، ومع ذلك فإن هذا وحده لا يكفي في ظل وجود إدارة حكومية أقل ما توصف به أنها غير مؤتمنة على أموال البلد، فمن المسؤول عن إدارة الاحتياطات والاستثمارات وشركة الناقلات·· هل هم التجار أم الحكومة؟ لقد نهبت هذه القطاعات في الأيام السوداء التي مرت بها الكويت وكان واضحا للجميع منذ أن منّ الله علينا بالتحرير وحتى يومنا هذا عن التقاعس الحكومي في متابعة قضايا النهب والاختلاسات، ناهيك عن جعل الكويت واحدة من أكثر دول المنطقة تتفشى فيها جرائم الرشوة والفساد المالي واستغلال النفوذ·
وهذا أيضا لا يكفي في وجود حرامية المال العام طلقاء أحراراً رغم وجود الكثير من القضايا ضدهم، التي ما زالت عالقة تنظرها المحاكم منذ سنوات دون تقدم يذكر بل إن بعضهم - إن لم يكن أكثرهم - أصبح يمارس دوره في تدمير الاقتصاد الوطني من خلال المؤسسات التي يسيطر عليها··· فهل ندعو الناس بعد ذلك إلى استثمار أموالهم في الداخل؟·