يوميات... طائر
ركان الصفدي
"1"
تستيقظ، فتطمئن أنك ما زلت حيا، وتمضي·· لتغرق في ضوء النهار، صخب الزملاء· رائحة القهوة تتسرب من مسافات حنين طازج·· تقفز أمام عينيك وقلبك صور موغلة في الوطن·· ترتجف من صقيع البعد، وصرير الزمن·· تتلمس الوقت بقلب يعضّ على دمه·· كم أنت موجود!
"2"
تقلّب صحفك اليومية، تتأمل بعينيك نمالها السود، تمشي على صمتك، وجهك، قلبك·· العالم حرائق مستعرة·· تستبد بوحدة انتزعتها من ضوضاء الصحب، تصغي إلى ضجيجك، ضجيج العالم·
عالم دام يتلوى أمام عينيك، شعوب مثخنة بالتاريخ والكوارث والأظفار الفولاذية، صحراء تنزّ بترولا وشعرا وخيولا مقطوعة الرؤوس، غابات مصابة بزكام الحروب، مدن متشحة بالأمراض والفقر·· عمالقة من الأسمنت والحديد يمسكون بالريح، بأصابع إلكترونية، يحركون أشجار الرغبات، وأزهار الأحلام، وفي لحظة واحدة، وبطمأنينة إلكترونية يعصرون قلبا صغيرا كحبة الطماطم!
"3"
تمضي إلى غرفتك الخاصة، صفحتك الثقافية ، صفحاتك التي تسكنها منذ زمن بعيد·· الدنيا بخير، فما زال هناك من يدلق دم صبره على ورق هذا العصر، وما زال هناك من يرسم أحلامه ويخربش أفراحه وأحزانه على جدران القلوب·· الدنيا بخير، فما زالت هناك أنشطة ثقافية تنشر في هذا الفضاء الموبوء بالغبار والغازات السامة عطرا وديعا·
تفاجأ أنك تخاطب الجميع ويخاطبونك·· العالم صغير، ولكن لماذا عندما ترفع عينيك عن الورق ترى أنك وحيد عالق بطحالب الوحشة؟!
"4"
خبر أصبح مألوفا، مثل كل المصايب التي نواجهها، مثل حادث السير، أو قصف جنوب لبنان بصورة يومية، أو اجتماع هيئة أو منظمة عربية لقراءة مستقبل العلاقات أو مستقبل الأزمات، أو لحشد القوى ورص الصفوف·· خبر عربي بامتياز "منع كتاب، أو محاكمة كاتب ، أو سجنه أو قتله·"·· وآخر هذه الأخبار منع رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر في مصر، وكانت ممنوعة في بلدها زمنا طويلا، وما زالت ممنوعة في بلدانها أزمانا أطول·· لم أستأ كثيرا، فقد صار منع أي كتاب شهادة إعلامية له تزيد في انتشاره، وإن كان الإنسان يتألم لما وصل إليه حال الإنسان العربي·· أحلام محروسة بالأسلاك الشائكة، وبنادق كالأفاعي تتطاول نحو·· الأسفل !
لاعجب في ذلك فالرواية تتحدث عن حوار الشرق العربي والغرب العربي، الكوارث ذاتها، وذاك المناضل العراقي المهزوم في الأهوار يقف وجها لوجه أمام هزيمة جزائرية في "بونة" المثقلة بالفساد، والكتب، واللصوص·· رواية تطير بجناحي كارثة عربيين·!
"5"
أنهي رواية أخرى مبتلاة بصراخ الخفافيش، "قصر المطر" لممدوح عزام·· تنطلي علىّ لغة الرواية فأكاد أشم رائحة الضوء وأسمع لغة العشب وأقضم خصلات المطر·· أستغرب للضجة التي أثيرت حولها·· أتنفّس الصعداء في انتظار كتاب آخر·· ممنوع!
"6"
أقرأ في كتاب عن "العولمة"، أطوف في العالم مثل كائن خرافي، أطلّ على حقيقة لا تزال غير مكتملة، لكنها تكتمل بعيدا عنا· أضحك ألما أمام مفارقة غريبة: العرب يتحدثون عن العولمة أكثر من غيرهم ــ على ما يبدو ــ ومع ذلك ما زالوا يرفسون في العصور الوسطى·· تستوقفني عبارة أوبرين "العولمة نهاية الجغرافيا" ويقهقه فوكوياما "نهاية التاريخ" وحين أنظر إلى واقعنا العربي أحسّ بمرارة شديدة، فالجغرافيا عندنا أدخلتنا في "عَوْرَبة" عصية على التغيير·· ثم يتناهى إلي صوت قادم من رحم قبر مجلل بظلال الزمن وصهيل الغربة: "نهاية الإنسان"!
"7"
أصغي إلى مشاهد الطريق، تخاطب عينيّ، وأنا مكوّر في عالمي المتحرك، سيارتي التي توفر لي عزلة مؤقتة ضرورية للتأمل·· تتخايل أمامي وجوه كثيرة، متحولة، ينهمر الشوك الضاحك، يقضم كلماتي ببهاء مخبر وديكتاتورية طفل·· لا بأس، فأنا أنظر الآن إلى البعيد ولا أرى ما تحت قدمي·· لكنني أتذكر زوار الليل فجأة، حين كانوا يأتون طازجين، مفعمين بالمثابرة·· أوقف السيارة، وأمضي إلى عملي·
"8"
أعود إلى بيتي صامتا كشاهدة، عصيا كحجر البازلت، أخلع يومي عن كتفي وأرتدي ضحكة طفلي·· تنطفئ الحرائق، تمّحي الصور، تنسرب الأفاعي إلى جحورها، تنهض حدائق الليل·
ولكنني بدأت أنتبه إلى الريش الذي صار ينبت في أطرافي، يغريني بسماء صافية فسيحة ·· بعيدة!