رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6-12صفر 1421هـ - 10-16مايو2000
العدد 1426

نزعة إنسانية تتخطى الحدود السياسية*
فؤاد زكريا: محاكمة المفكرين العرب بسبب إنتاجهم العلمي سببه ظهور تيارات تحاول فرض فكرها المغلوط

·         القاعدة الشعبية المصدر الرئيسي لمتاعب المثقفين

·         يجب مشاركة الإنسان غير المتعلم في العملية الديمقراطية

·       العولمة كانت صدى لثورة المعلومات والاتصالات، وليست سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على أسواق العالم

·         الشعب العراقي يعاني من نقص الحرية·· وليس نقص الغذاء والدواء

·         الديمقراطية منهجا لتسيير العمل القومي وهي ليست هدفا في حد ذاته

·        أشعر بالضيق بسبب القيود التي يفرضها مبدأ السيادة الوطنية على تصرفات المجتمع الدولي

·         يجب احترام كرامة الإنسان بغض النظر عن قوميته وبلده

·         المثقون العرب لديهم نقطة ضعف تجاه الحاكم المستبد

 

حاوره: منصور مبارك**

ثمة ميزتان لهذا الحوارأولا: لأنه يكتسب لحظة زمنية فارقة كوننا نودع قرنا ونستقبل آخر جديدا، وثانيا: إن اللقاء هذه المرة مع مفكر عربي استطاع قراءة إشكاليات العقل العربي في الربع الأخير من القرن العشرين وتحديد مظاهر التخلف والقصور التي انعكست على السلوك الموضوعي لذلك العقل·

إن فؤاد زكريا ليس فقط مفكرا عقلانيا اتسم خطابه على الدوام بالاستقلالية التي جعلته منفردا ومتميزا عن الآخرين، بل هو مفكر هتم بالإنسان، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى· وارتبطت أطروحاته الفكرية بأفعاله وممارساته· فقد دافع زكريا طويلا عن الحرية وحقوق الإنسان، ونبه في بداية التسعينيات الى النتائج المدمرة لاحتلال العراق للكويت، ولذلك كان موقفه واضحا من العدوان العراقي على الكويت حيث انتقد النظرة اللاعقلانية والمنطق الأعوج لعدد من المفكرين والمثقفين العرب ممن برروا الغزو أو اتخذوا منه موقفا محايدا، فضلا عن أن زكريا رفض حضور كثير من الفعاليات الفكرية والثقافية التي رعتها الديكتاتوريات على حساب حقوق المواطن والإنسان العربي العادي والبسيط·

وقد استعان زكريا بدراسته للفلسفة وبأدواتها النقدية في تشريح المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية التي عصفت بالمجتمع العربي، وهو في هذه العملية لم يطأطئ عقله لأية مسلمات أو بدهيات، بل ذهب أبعد من ذلك لإخضاع آرائه العلمية ذاتها للفحص والنقد، مدفوعا بروح الحوار السقراطي التي كان دوما شديد التأكيد عليها، ومارس زكريا الكتابة في الصحافة سنوات كثيرة، مع ما يحمله ذلك من شرور القطيعة الافتراضية بين المفكر والقارئ العادي، إلا أنه كان دائما موفقا في حمل القارئ على استخدام عقله في تفنيد جميع البدهيات والمسلمات التي علقت طويلا في الذهن العربي·

ولقد خلف زكريا كثيرا من المؤلفات والترجمات، التي توزعت ما بين الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي والموسيقي، وقد أسهمت هذه الأعمال في إثراء الثقافة العربية· بقي أن نذكر أن زكريا حصل على اثنتين من أرفع الجوائز الفكرية العربية وهما جائزة سلطان بن علي عويس الثقافية عام 1991 وجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 1998· وهذا نص الحوار:

 

الكويت محطة استقرار

 

هل لك أن تحدثنا عن البدايات؟ من هو فؤاد زكريا؟

- ولدت عام 1927 في بور سعيد، ونشأت في أسرة متوسطة، حيث كان والدي معلما ينتقل من بلدة الى أخرى في مصر، وذهبت الى القاهرة وكان سني عندها ست سنوات حيث ظللت هناك منذ ذلك الحين·

وتعلمت في مدارس حكومية طوال الوقت، ولكن نظرا للمستوى الرفيع للتعليم آنذاك، استطعت أن أبدأ بداية بسيطة في تعلم اللغات· وفي الجامعة كنت متفوقا كما كنت في جميع السنوات، ولكن الفترة التي تخرجت فيها من الجامعة لم تكن الدولة حينها توفد أية بعثات الى الخارج، ولم يكن من حظي السفر في بعثة، ولهذا السبب درست الماجستير والدكتوراه في القاهرة، حيث حصلت على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة عين شمس عام 1956·

وبعدها أتيحت لي الفرصة للعمل في الأمم المتحدة في نيويورك مترجما، وظللت هناك خمسة أعوام· وكان ذلك تعويضا عن عدم إيفادي في بعثة· ولعلها كانت في الواقع أفضل من البعثة لأنني لم أذهب الى هناك إلا بعد أن كنت قد نضجت وحصلت على الدكتوراه وكنت حينها مدرسا في الجامعة·

وكنت في تلك الفترة من ضمن أعضاء الوفد المصري الذي يسافر للمشاركة في المؤتمر العام لليونسكو، حيث سافرت لهذا الغرض عدة مرات، كما اشتركت في عدة لجان للثقافة العربية في اليونسكو حينها·

وقد تسلمت رئاسة تحرير مجلتي "الفكر المعاصر" و"تراث الإنسانية" في مصر، وبعد أن أغلقت مجلة الفكر المعاصر في بداية السبعينيات، سافرت الى الكويت التي كانت أطول محطة استقرت فيها·

 

عالم المعرفة

 

لنتحدث عن سلسلة عالم المعرفة التي ما زلت مستشارا لها منذ تأسيسها؟ هل لك أن تحدثنا عن الفكرة والبدايات؟

- كان المرحوم أحمد مشاري العدواني هو المؤسس الحقيقي لسلسلة عالم المعرفة، وهو الذي طلب مني أن أكون مستشارا لها، لأنه على الرغم من وجود أشخاص آخرين يطمحون الى القيام بهذه المهمة، فإنه اختارني بالذات· وشعرت بالارتياح الكبير في التعامل مع هذا الرجل، ولذلك بدأت العمل فيها بإخلاص، وتملكت ذهني ضرورة أن ترتفع السلسلة الى مستوى رفيع، والآن وبشهادة الجميع تقريبا، ما زالت من حيث القيمة والرصانة الفكرية محافظة على مستواها الرفيع، وتكاد تكون أفضل سلسلة كتب ظهرت في العالم العربي·

 

دستور السلسلة

 

كيف استطاعت السلسلة أن تنأى بنفسها عن التطرف الأيديولوجي والفكري أو أن تنزع الى اتجاه فكري على حساب آخر؟ ما مصدر الاستقلالية الفكرية التي تميزت بها السلسلة؟

- بالتأكيد منذ البداية كانت هناك فكرة لوضع ما يشبه الدستور لهذه السلسلة، وقد وضعت الخطوط العامة التي تسير عليها السلسلة، ونوعية الكتب التي تقبل فيها وتلك التي ترفض، وكذلك طبيعة الميادين التي نسعى الى معالجتها والتطرق إليها وتلك التي وجدنا من المستحسن أن نبتعد عنها وألا نخوض فيها، كل ذلك وضعته حينها في مذكرة، بداية، ووافق عليها المرحوم الأستاذ العدواني وسرنا على هذا المنوال منذ ذلك الحين الى يومنا هذا·

 

القاسم مشترك

 

كيف تنظرون الى ما حصل في السنوات الأخيرة من محاكمة لبعض الأساتذة الجامعيين في مصر والكويت بسبب إنتاجهم العلمي؟

- للأسف الشديد، إن القاسم المشترك بين كل الأحداث التي جرت سواء في مصر أو الكويت هو ظهور بعض التيارات التي تتمسح بالإسلام وتحاول أن تفرض فكرها المغلوط في جميع الدول العربية·

 

صدى ثورة المعلومات

 

كيف تنظرون الى العلومة بوصفها نتاجا للثورة المعلوماتية والاتصالية، ولم لم يخرج المثقفون العرب في تعاملهم معها من نظرتهم المانوية الى مجمل الظواهر من حيث هي شر مطلق أو خير مطلق مع أنها بدأت قبل ذلك بكثير؟

- أعتقد بأنك كنت مصيبا عندما قلت: إن العولمة كانت صدى لثورة المعلومات والاتصالات، فذلك صحيح، لأنه، مع الأسف الشديد، معظم الناس عندنا ينظرون الى العلومة من الزاوية الاقتصادية فقط، فيتصورون أن العولمة ليست سوى سيطرة الشركات متعددة الجنسية على أسواق العالم، بمعنى أنه بدلا من أن تتعامل هذه الشركات مع كل سوق على حدة، فإنها تضع جميع الأسواق في سلة واحدة وتتعامل معهم بشكل جماعي· هذا هو الفهم الشائع ولكن في الواقع ما ذكرته هو الصحيح وهو أن العولمة قد بدأت قبل ذلك بكثير، منذ ذلك الوقت الذي تحدث عنه بعض الإعلاميين بتشبيههم العالم بالقرية الصغيرة·

 

الهويات الخاصة

 

ولكن هناك احتجاجات يثيرها البعض من أن العلومة قد تؤدي الى محو الهويات النوعية، وذلك عبر إعادة تركيب صورة إعلامية واحدة متسقة للعالم بأجمعه على مستوى الثقافة البصرية مثلا؟

- أنا أعتقد العكس تماما، ففي ظل العولمة الإعلامية هناك فرص أفضل بكثير للهويات الخاصة، والهويات النوعية لأن تبرز نفسها على مستوى العالم بأجمعه، وتقدم لبقية الثقافات ما تستطيع هي أن تضيفه أو ما سبق لها أن أضافته في الماضي، بمعنى أنه في ظل العولمة الفرصة متاحة لتحقيق ذلك بمستوى أفضل بكثير·

 

قيود السيادة الوطنية

 

هل تعتقدون أنه في ظل العلومة ستتغير كذلك القوانين التي تحكم العالم وتسيره، بمعنى آخر، هل ستنهار مبادئ دولية أقرت ما بعد الحرب العالمية الثانية كاحترام مبادئ السيادة الوطنية والكيانات السياسية، لتحل بدلا منها قوانين كونية جديدة، كضرورة الاحتكام الى مبادئ إنسانية مثل الحفاظ على النوع البشري ومبادئ حقوق الإنسان، ولعلنا شهدنا في حرب البلقان بزوغ فجر هذه المنظومة السلوكية الكونية الجديدة؟

- إن ذلك، من وجهة نظري، اتجاه محمود جدا، فقد كنت أشعر بالضيق بسبب القيود التي يفرضها مبدأ السيادة الوطنية على تصرفات المجتمع الدولي، لقد كسر هذا المبدأ أخيرا عندما أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بيانا صريحا أكد فيه على أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لم يعد مقدسا كما كان من قبل·

فعلى سبيل المثال كان الوضع السائد في بعض دول العالم أن كل ديكتاتور يقوم بإغلاق حدود بلده على نفسه بحجة السيادة الداخلية، ويعمل القتل والتعذيب في الناس، فضلا عن الاضطهاد والقمع من دون أن يتعرض للمحاكمة أو المحاسبة على تصرفاته تلك، وهذا اتجاه كان يؤدي في بعض الأحيان الى نتائج رهيبة· وأبرز هذه النتائج هو ما نراه الآن في العراق، فنظام الحكم في العراق لا يزال قائما حتى الآن لسبب وحيد وهو الخوف من كسر مبدأ السيادة الوطنية، وقد دعوت أكثر من مرة الى أن تتخذ الدول العربية موقفا موحدا من أجل شعب العراق، فبدلا من القول بأن شعب العراق يعاني من نقص الغذاء والدواء، فإنه كان من الأجدى القول بأنه كان يعاني قبل ذلك بكثير من نقص الحرية، والتعذيب والاضطهاد وانتهاك جميع حقوق الإنسان·

هذا كان وضعا قائما في العراق ويمثل تجسيدا كبيرا لإضرار السيادة الوطنية إذا نظر إليه على أنه مبدأ مقدس لا يمكن المساس به، فأنا أعتبر أن بداية تدخل المجتمع الدولي في الأوضاع الداخلية في بعض الدول بادرة خير وتدل على أن الضمير العالمي قد بدأ يستيقظ ويأخذ في التشكل، وهو يؤثر بشكل فاعل في تلك الدول التي كان من سوء حظها أن عانت من أوضاع قمع واضطهاد·

 

حميم الحداثة

 

هل سنشهد إذاً في عصر ما بعد الحداثة بروز وعي كوني جديد؟

- لا أعلم لماذا تسميه عصر ما بعد الحداثة، فما قلته هو من صميم الحداثة نفسها، لأن عناصر الحداثة لم تكتمل في بلاد كثيرة، فهذه محاولة لاستكمال عناصر الحداثة، والتخلص من الحكم الاستبدادي في بعض البلاد هو ماهية الحداثة نفسها·

 

الإنسان هو الإنسان

 

ما كنت أقصده في عصر ما بعد الحداثة هو الاتجاه الجديد نحو تجاوز البنى الفكرية التي كانت تحصر النتاجات الفكرية في إطار ضيق ومحدود، سواء تلك البنى الشمولية الاستبدادية أو تلك التي تعمل على تشكيل عقل جمعي بوسائل الإعلام والتعليم، ولكن هل أنتم مع اتجاه سيادة مبادئ إنسانية والاحتكام إليها في تنظيم السلوك على المستوى الكوني؟

- طوال حياتي كنت صاحب نزعة إنسانية، وأفضل أن تكون هناك نظرة إنسانية شاملة تتخطى الحدود السياسية الموجودة بين الدول، وأنزع الى معاملة الإنسان في أي بقعة من هذا العالم على أنه إنسان بغض النظر عن قوميته وبلده، وما ينتجه هذا الإنسان أحترمه وأقدره أيا كان انتماؤه·

 

الديمقراطية منهج

 

لنتحدث قليلا عن الديمقراطية، ألا تعتقدون أن المثقفين العرب ينظرون إليها نظرة أيديولوجية لا ابستمولوجية، بمعنى آخر ما زالوا في تعاملهم معها يعتبرونها مفتاحا سحريا بإمكانه تخليص عالمنا العربي من كل الشرور والتخلف الذي يرزح تحت وطأتهما بغض النظر عن كلفتها الاجتماعية والثقافية المطلوبة؟

- ما أريد أن أقوله إن الديمقراطية ليست أيديولوجية معينة، الديمقراطية منهج أو طريقة لتسيير العمل الوطني أو القومي، ولكنها ليست هي الهدف في حد ذاتها·

 

سلطوية التعليم

 

على الرغم من أن بعض الدول العربية قد خطت خطوات جادة نحو تبني الديمقراطية، ولكن ألا تعتقدون أنه بغياب ثقافة ديمقراطية حقيقية تراكمية في المجتمعات العربية عامة، قد تكون لهذه الجرعة الديمقراطية المفاجئة أثار عكسية ربما لا يحتملها جسد المجتمع العربي المريض؟

- المشكلة أن الديمقراطية لكي تكتمل عناصرها يجب أن تمارس على جميع المستويات، فيجب أن تكون هناك ديمقراطية في التربية والعلاقات الأسرية وكذلك المدرسة، بل في نظام التعليم نفسه· ولقد سمعت أن هناك مؤتمرا تربويا يعقد الآن في الكويت عن التربية والديمقراطية، وأنا أعتبر هذه فكرة مهمة جدا، لأن التعليم عندنا ما زال سلطويا من مراحله الأولى وحتى نهايته· وهو يجب أن يتحول الى تعليم ديمقراطي، بمعنى أن يعطي للناشئة الفرصة لكي يناقشوا ويعبروا عن أنفسهم وينتقدوا ويبدعوا كما يشاؤون· فأنت عندما تنظر الى الكتاب المدرسي بوصفه المرجع الأوحد والأخير فهذه نظرة سلطوية ولا تشجع أبدا على الابتكار والإبداع، وهذه ليست ديمقراطية بل هي نظير للحكم الديكتاتوري·

 

تعددية اتخاذ القرارات

 

في ظل غياب تنظيمات حقيقية وفاعلة لمؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، تبرز إشكالية أخرى، فالديمقراطية بوصفها حكم الأغلبية قد تمهد الطريق في العالم العربي لحكم طائفة أو طبقة أو فئة معينة فقط لكونها الأغلبية مما قد يعوق حركة تقدم المجتمع وتطوره؟

- القضية كلها هي في تعدد المستويات التي تتخذ القرار، فمن الأهمية بمكان ألا يتخذ القرار من مستوى واحد أو فرد واحد أو فئة تحيط بهذا الفرد، أو طبقة قابضة على السلطة، فجوهر الديمقراطية في نظري هو في تعدد مستويات اتخاذ القرار، أي أن يكون بعد هذه السلطة العليا مستوى آخر ثان وثالث، أي أن تصل الى مستوى الشعب العادي، ليبدي رأيه في كيفية اتخاذ القرار من خلال عملية الانتخابات· والمثقفون كذلك عليهم أن يبدو رأيهم في أجهزة الإعلام وفي الفعاليات الإعلامية والثقافية وغيرها· في تصوري أن هذه التعددية في اتخاذ القرارات هي جوهر الديمقراطية·

 

هجوم

 

هل تعتقدون بحصافة السماح لقوى لا تؤمن بالديمقراطية بأن تتسلم السلطة من خلال العملية الديمقراطية على الرغم من إعلانها الصريح أو الضمني بعزمها، حينئذ، على تصفية الممارسة الديمقراطية؟

- في وقت من الأوقات هوجمت بسبب هذه الفكرة بالذات، لأنني أعتقد أنه على أي حزب من الأحزاب أراد خوض الانتخابات أن يقدم برنامجا يستطيع الناخب على أساسه أن يحكم عليه، لا بد أن يكون البرنامج واضح المعالم، لا برنامج شعارات إنشائية فضفاضة وجوفاء·

 

لا يوجد مانع

 

ولكن الإشكالية تكمن في أن قوى الإسلام السياسي في واقع الأمر تطرح نصا مقدسا للتصويت عليه لا برامج انتخابية؟

- في الواقع بالنسبة لهذه القوى بالذات، كنت قد ذكرت في وقت من الأوقات أنه عندما يقرر شخص ما خوض انتخابات نقابية أو عامة، بزعم أو شعار أنه وحده يمثل الإسلام، على الرغم من أن البقية مسلمون، فيجب عليه أن يقدم ما يثبت أنه مختلف عن الآخرين، أو أن يقدم برنامجا إسلاميا، فلا مانع من ذلك أبدا فمن حقه أن يفعل ذلك، ولكن يجب أن يقنع الناس أن هذا البرنامج يستطيع أن يحل مشكلاتهم وأنه يتميز عن بقية البرامج التي تقدمها الفئات الأخرى، فلو جرت المسألة في هذا الإطار لأصبح الوضع سليما، فلا يوجد أي مانع من أن تخوض هذه الجماعات الانتخابات·

 

غلطة دولة

 

هذا الحديث رائع على المستوى النظري ويفترض وجود ثقافة سياسية ومجتمعية راسخة الجذور، ولكن في الواقع لدينا نسبة كبيرة من الأميين ممن يشكلون مخزونا مهما للخيارات اللاديمقراطية·

- وهل يعني ذلك أن الإنسان الأمي لا يعرف مصالحه؟ إن هذا الإنسان الأمي ليس بالضرورة أن يقدم له البرنامج الانتخابي بشكل مكتوب، وإنما بالإمكان شرحه، فهو في النهاية إنسان لديه مشكلات يعاني منها، وأنت تستطيع إقناعه بقدرتك على حل هذه المشكلة أو تلك، وكذلك على التفاهم معه·

إن الإنسان الأمي ليس بالضرورة مستبعدا من العملية الديمقراطية لأنه في نهاية الأمر إنسان مثله مثل الآخرين، فكونه أمياً ليست غلطته بل ربما هي غلطة الدولة أو المجتمع الذي يعيش فيه·

 

مشكلة المثقفين

 

عطفا على مشكلة الأمية، من حيث هي عقبة كؤود أمام إحداث التطورات الاجتماعية المنشودة، لماذا لم يستطع المثقف العربي بوصفه حاملا لقيم الحداثة والتنوير من أن يؤسس لسلطة فكرية إزاء السلطات التقليدية التي تستند الى الوعي الشعبي كسلطة الفقهاء ورجال الدين؟

- لقد كنا حتى الثمانينيات نتحدث دائما عن التضاد بين المثقف والسلطة، فقد كانت المشكلة الأساسية فيما يتعلق بالمثقفين تكمن في علاقتهم بالسلطة،ولكن الآن في التسعينيات برز بعد آخر أو جانب آخر من مشكلة المثقفين، لأنه حتى ذلك الحين كانت القضية هي في العلاقة بين المثقف والسلطة وكان المثقف يحتمي بنفسه، باعتباره ناطقا بلسان الجماهير أو القاعدة الشعبية، يحتمي بها من أجل مواجهة السلطة، أما الآن فإن البعد الجديد الذي أضيف هو أن المثقف يحارب في جبهتين، جبهة السلطة من ناحية وجبهة القاعدة الشعبية من ناحية أخرى، لأن القاعدة الشعبية بما تتسم به من أمية وجهل ومن سهولة التعرض للخداع من القوى الطامعة في الحكم أيا كان لونها سواء أكانت دينية أم غير ذلك· بمعنى أن المثقف أصبح يعاني من هذين الطرفين، القمة والقاعدة، وبالفعل، اليوم القاعدة الشعبية أصبحت المصدر الأساسي لمتاعب المثقفين، لذلك نجد أن المثقف عندما ينطق جملة واحدة فإنه يعمل حسابا بألا يغضب بأي شكل من الأشكال هذه القاعدة الشعبية لأنه يعلم أنها قد تتنمر عليه، ومن ثم تستخدم قوتها العددية الكبيرة لإلحاق الضرر به·

وهذا تماما ما حصل أخيرا من تطبيق مبدأ الحسبة سواء في مصر أو الكويت ضد المفكرين، وتطبيق مبدأ الحسبة بهذا الشكل هو عبارة عن زحف من القاعدة الشعبية، التي قد تكون جاهلة، على المثقفين من أجل كتم أصواتهم·

 

علاقة سيئة

 

طالما تحدثتم عن محاكمة المفكرين، دعني أتساءل هنا لماذا لم تحدث هذه القضايا الأثر المطلوب سواء في الاستجابات المرجوة من المثقفين من ناحية، وفي علاقات المثقفين بعضهم ببعض من ناحية أخرى، على سبيل المثال، لا شك أنكم تذكرون جيدا الآثار التي ترتبت على قضية "دريفوس" في نهاية القرن التاسع عشر، وإصدار عدد من المفكرين الفرنسيين "بيان المثقفين" عام 1898، لماذا لم تحدث هذه المحاكمات في عالمنا العربي مثل هذا الأثر؟

- لن تحدث الأثر المطلوب بسبب الخوف وعمل حساب القاعدة الشعبية التي يمكن أن تنقض على المثقف، فكل فرد لأنه يعمل حساب هذه القاعدة بكل ما فيها من جهل وتعصب وضيق أفق وعدوانية وقدرة على استخدام العنف، لم يجعل هذه الحركة تتبلور بين المثقفين· وأنا سعيد لأنك أثرت هذه النقطة لأنني أريد أن أقول بشكل عام ومن تجاربي الخاصة: إن العلاقات بين المثقفين العرب بالذات من أسوأ ما يكون، ولا يمكن مقارنتها بالعلاقات بين المثقفين في داخل أية ثقافة أخرى في العالم، فنحن لدينا مثقفون يريد كل منهم أن ينهش لحم الآخر، وتسود بينهم نظرة حاقدة وبشعة، والناجح منهم يحاول الآخرون تجاهله وممارسة مؤامرة صمت عليه باعتبار أن هذه هي وسيلتهم الوحيدة لمواجهة نجاحه·

 

الحاكم المستبد

 

هذا التوتر في ذوات المثقفين، هل يقود، بالضرورة، بعضهم الى التبرؤ من خطابهم العقلاني والتنويري واتخاذ مواقف تتسم بالعدمية واللاعقلانية مثلما حصل إبان الاحتلال العراقي للكويت وتأييد بعض المثقفين لصدام حسين على الرغم من معرفتهم بحقيقته وبطبيعة حكمه الدموي·

- اسمح لي أن أقول: إن المثقفين العرب بشكل عام لديهم نقطة ضعف تجاه الحاكم المستبد، وهذه نقطة ضعف أساسية، إنهم يتصورون أن الخلاص النهائي لبلادهم لن يأتي إلا عن طريق فرد واحد مستبد، وهم لا يشعرون بالرغبة أو القدرة الكافية على مقاومة كل أشكال الاستبداد، فهم ليسوا مقتنعين من داخلهم أن المستبد لا يمكن أن يتم عل  يده أي إصلاح لأي مجتمع· ولذلك وقف معظمهم هذا الموقف ولا يزال حتى اليوم تجاه الرئيس عبدالناصر، ونفس هذه الجوقة كلها أو معظمها وقفت تصفق لصدام حسين عندما مارس استبداده على مستوى خارج بلده، وتناسوا تماما الكوارث التي كانت تحدث في داخل العراق·

 

هدف معكوس

 

هل تعتقدون أن هناك تغييرا حقيقيا قد حدث في مواقف هؤلاء المثقفين بعد مضي هذه السنوات؟ هل تمت الاستفادة والاتعاظ مما حصل؟

- للأسف الوضع لا يزال كما هو عليه، وكل المجموعة التي انحرفت فكريا في ذلك الحين بتأييد الطاغية أصبحوا يصبون كل جهودهم من أجل دعاوى أخرى، فأفكارهم تتخذ قوالب مختلفة، الآن هناك فكرة إنقاذ أطفال العراق، ما أريد أن أقول إنهم لا يزالون على حالهم، يصبون جهودهم في هذا التيار وإنما الهدف الحقيقي ليس إنقاذ أطفال العراق وإنما إنقاذ حكام العراق، واسمح لي أن أوضح ما أقوله هنا، فأنا لست ضد إنقاذ أطفال العراق، بل على العكس أنا حزين جدا لما يحدث لأطفال العراق، وأتمنى أن أراهم وقد رفع عنهم كل أنواع الظلم والغبن، فأنا أعتبر الاستبداد الذي يمارسه نظام الحكم هناك أكثر ضررا في المدى البعيد، على أطفال العراق ومستقبلهم، من الحصار الدولي المفروض الآن على العراق· ويجب علينا إن كنا حريصين على هؤلاء الأطفال أو هذا الشعب أن نخلصه من كل أنواع القهر المفروض عليه داخليا وخارجيا·

 

نظرية المؤامرة

 

ما تفسيركم لارتهان الذهنية العربية المزمن والمرضي للتفسير التآمري للتاريخ حتى وقتنا الراهن، وهل ستؤدي الأطروحات الفكرية التي صدرت من الغرب، مؤخرا، والتي تتخذ موقفا عدائيا تجاه الآخر، من إدامة هذا العارض المرضي المزمن الذي يعاني منه الجسم الثقافي والفكري العربي؟

- من المؤكد أنه عندما تسود نظرية المؤامرة في ثقافة ما فإن الثقافات الأخرى تتبناها، ولا بد أن تنتقل العدوى، لأنك إذا نظرت الى الآخر على أنه متآمر عليك دائما فإن هذا الآخر لا بد أن ينظر إليك على أنك متآمر عليه هو أيضا، هي عدوى ولا مفر من انتقالها· ولذلك فإنني أعتبر أن فكرة العداء للآخر يجب أن تستأصل من جذورها سواء لدينا أو لدى الآخرين، فذلك عكس اتجاه التيار الإعلامي· نحن نتحدث الآن عن عولمة ثقافية وإعلامية·· الخ· إن هذا التشرنق في حدود ضيقة داخلية والارتياب في كل ما يخرج عن هذه الحدود لا يتمشى مع الاتجاه الذي سير فيه العالم كله، والذي من المؤكد أنه اتجاه المستقبل·

 

الأنا والآخر

 

ألا تعتقدون بأن النظرة السائدة الى الثقافة العربية وعلاقتها بالثقافات الأخرى في بعض أوساط المثقفين هي نظرة أيديولوجية تعاني من هوس الصدارة والتفرد بحيث تخشى من التلاقح والتبادل الثقافي، في حين أن نظرة الغرب الى الثقافة تقوم على مبادئ براجماتية مثل التطور والتكيف وعدم الثبات؟

- أريد أن أقول هنا إن هذا التلاقح مع الآخرين ظهر عندنا قبل أن يظهر عندهم، وهذه هي السمة الأساسية للحضارة العربية الإسلامية، في أنها كانت ناجحة جدا في التعامل مع الثقافات الأخرى القوية التي كانت موجودة قبلها· أستطيع أن أقول إننا علمنا العالم كله كيف يكون التبادل والتأثير بين الثقافات المختلفة، وهذا ما حدث في أوروبا قبل عصر النهضة مباشرة فقد أخذوا عن العرب كثيرا جدا من دون حساسية، وتمكنوا بهذه الطريقة من أن يقفزوا تلك القفزة الكبرى التي حدثت في عصرهم· ولذلك فإن التأكيد على فكرة الأنا والآخر أو الهوية القومية والآخرين في هذه الأيام ليست فقط منافية لمستقبل العالم كما قلت قبل قليل ولكنها منافية لما نحن فيه·

 

 *مجلة العلوم الاجتماعية مجلد 27 العدد 4

** من أسرة تحرير مجلة العلوم الاجتماعية·

طباعة