معارك زمن الـ"كينتاكي"!
ركان الصفدي
(1)
"الشعر ديوان العرب"، "عصر الرواية"··· مصطلحان علقا بكتبنا النقدية وكلامنا وكتابتنا الصحفية كما يعلق الطحلب بالصخر، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما غدا في المرحلة الأخيرة معركة نقدية··· أخيرة، فها هم أولئك الروائيون ونقادهم يرفعون علامات النصر يتقدمهم حنا مينه وجابر عصفور، وتكاد لا تقرأ حوارا مع روائي إلا تضمن سؤالا وجوابا عن تلك القضية التي تشغل النقد العربي منذ العقدين الأخيرين في القرن العشرين· وفي المقابل يتسلح الشعراء ونقادهم بجميع الأقوال القديمة التي تمجد "فن العرب الأول" و"أغنية الإنسان الأولى"، ويتمترسون حول حدود المملكة الشعرية متيقظين لأي هجوم مباغت من كتيبة روائية أو فيلق نقدي!
وفي هذه الجعجعة، وهذا الزعيق والصراخ، وقرع طبول الحرب والتهديد بالقبضات وفتل الشوارب، ونذر الحرب الثقافية الأهلية، والخطف والقتل على الهوية الأدبية··· أي حصاد نجني، وأي مردود يعود على المثقف العربي المتخم بالحروب والمعارك الخاسرة··· هل نحن الآن بحاجة الى "مؤتمر طائف" أدبي يوزع الحصص والأنصبة؟!
(2)
منذ القديم كان الشاعر يرى نفسه مقدسا ومميزا، ومنذ القديم يحق للشاعر ما لا يحق لغيره·· حتى غدا الشاعر أجمل دكتاتور عرفته البشرية!
ومنذ القديم كان الشاعر ينظر شزرا وبارتياب الى الناثر، لأنه كان يظن أن لغته الشعرية الموقعة المكثفة المصفاة المركزة تختلف عن لغة الناس، فانفرد بينهم بها، أما الناثر فهو يكتب لغة لا تختلف عن لغة الناس مهما تضمنت من أفكار عظيمة وقضايا فنية وثقافية··· فالنثر أشبه بالحديث الذي يظن سامعه أو قارئه أنه قادر على الاتيان بمثله··· إنها خديعة كانت تنطلي على الناس الذين أسهموا في صنعها، بسبب ميل البشر الأزلي الأبدي الى الأغنية التي هي الحامل التاريخي للمقدس عندهم مهما تشكل هذا المقدس وتقنع وتمظهر·
(3)
تزحزح الشعر العربي عن "قداسته" الفنية والاجتماعية ثلاث مرات: الأولى عندما جاء "القرآن الكريم" بلغة آسرة مؤثرة جميلة ولكنها ليست بشعر ألفه الناس وارتبطوا به، والثانية عندما ظهر النثر الفني في العصر العباسي على أيدي عمالقة هذا الفن، مثل الجاحظ والتوحيدي والهمناني والحريري والمعري وسواهم كثير، حتى بات الكاتب في ذلك الزمان مقدما على الشاعر، ولا سيما أن الكتابة ارتبطت بالمنصب السياسي والاجتماعي ولم يعد النثر في ذلك الزمان يشبه كلام الناس، ولا يقدر عليه أي منهم· أما الثالثة فهي عندما ظهر فن القصة والرواية في العصر الحديث، وظهرت أعمال متميزة جدا في شكلها ومضمونها، ولا سيما بعد تطور لغة الرواية فلم تعد سردا حكائيا، وإنما أصبحت تأليفا فنيا معقدا، توغلت في أرض الشعر واحتلت الكثير من أدغاله وربوعه الجميلة، وربما استطاعت أن تطوع اللغة أكثر لعوالمها الفنية والفكرية، أضف الى ذلك أن بناء الرواية الحديثة كان بناء شعريا لا يقوم على المألوف والسائد، بل أخذت الرواية الكثير من أدوات القصيدة كالإيهام والمفارقة والتكثيف والاختزال والتوتر والغوص في أعماق الكلمة·
(4)
أصبح شائعا منذ عقود أن تتداخل الفنون الأدبية، وأن يستفيد كل فن من تقنيات الفنون الأخرى وأساليبها وأدواتها، إذ نجد روح المسرح تطوف في الكثير من القصائد، وظلال السينما أو القصة مرخاة عليها، وكذلك تسرب الشعر الى تلك الفنون جميعا·· تلك طبيعة العصر، إذ إن الإنسان أصبح ملتقى لكل هذه الإنجازات العصرية التي تنطلق من مبدأ واحد وتلتقي في هدف واحد· حتى إن بعضهم كأدونيس نادى بكتابة جديدة تأخذ من جميع الفنون ولا تشبه أياً منها· كما لم يعد غريبا أن تجد مبدعا شاعرا وكاتبا في الوقت نفسه، وأمام هذا التآلف والتماهي تبدو المواجهة بين الشعر والرواية أو النثر عموما أمرا مفتعلا لا أهمية نقدية له·
(5)
إذا كان الوزن آخر الحدود التي فصلت الشعر في الماضي عن باقي الفنون الأدبية، فإنها انهارت وزالت في هذا العصر، وكان الشعر الحر أو ما يسمى "قصيدة النثر تعبيرا عن الحالة الجديدة التي لا تعترف بالحدود بين الفنون، وهي الخطوة "الوحدوية" الأولى الناجحة في ساحتنا العربية، أما المعترضون عليها فهم إما دعاة تقسيم وتجزئة، أو عملاء للجامعة العربية التي وجدت لتفرق الدول العربية بإعطاء كل كيان مشروعية سياسية وقانونية، وإما عملاء مأجورون لوكالات المخابرات الغربية لأنهم يرون الرواية فنا غربيا مستوردا والشعر العربي العمودي أصولية متزمتة!
يا جماعة، ابحثوا عن قضايا جوهرية فقد مللنا من الميليشيات والحروب الطائفية والحواجز الأمنية!
(6)
في نهاية القرن العشرين·· لم تظهر حتى الآن موسوعة عربية تؤرخ لفن القصة أو فن الرواية أو فن المسرح أو حتى فن الشعر، فهل نحن حقا في زمن الرواية أم زمن الشعر أم زمن السينما أم··· زمن الـ "كينتاكي"؟