الأجيال الشعرية و... (الشاورما)!
ركان الصفدي
(1)
مصطلح "الأجيال الشعرية" ليس عربيا، إذ إن العرب لم يكونوا يقسمون الشعراء الى أجيال ولا الى عقود، على الرغم من تقسيمهم الى طبقات تعتمد على معايير فنية أو موضوعية أو قبلية، والسبب الأول أن الشعر كان حتى في مرحلة التدوين يتداول شفويا، كما لم يكن يؤرخ بدقة لظهور هذا الشاعر أو كتابة تلك القصيدة، وهناك أسباب أخرى· ولكن في العصر الحديث نجد أن وسائل الإعلام والنشر توثق ظهور التيارات والأسماء الشعرية مما يغري النقاد في رصد الحركة الأدبية في كل عقد، أضف الى ذلك أن التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية باتت تتسارع بين عقد وآخر، مما يلقي بظلاله على الأدب ويمنحه خصائص مميزة··· ومع ذلك، فإن الأجيال الشعرية تبقى تقسيمات عمرية أكثر منها فنية، غير أنها موجودة شئنا أو أبينا·
(2)
تبلغ المغالاة عند بعضهم أنه حين يدرس جيلا شعريا يقتل الجيل الذي سبقه حتى لو ظل موجودا جسدا وروحا وإبداعا، فيحكم على شاعر ما أنه من جيل الستينيات لأنه ظهر واشتهر في ذلك العقد، مع أنه قد يكون تطور وتميز أكثر في عقود تالية ولذلك فإن التأريخ للأجيال يكون غالبا تأريخا لبداياتهم الأدبية، وفي ذلك حيف كبير وخلل نقدي فادح·
(3)
لو انسقنا وراء مقولة الأجيال الشعرية لوجدنا أن شعراء الخمسينيات والستينيات، وبدرجة أقل شعراء السبعينيات، كانوا أوفر حظا من الانتشار والشهرة والتأثير من شعراء العقدين الأخيرين، على الرغم من أن وسائل الانتشار كانت أقل وأضعف، فهل السبب في ذلك تراجع الاهتمام بالشعر؟ ولكن ذلك ينطبق على الرواية، وعلى المسرح أيضا! وهما فنان يزدهران لا يتراجعان! أم السبب هو قلة الشعراء في تلك الأجيال وكثرتهم في العقدين الثامن والتاسع؟ غير أن هذه الكثرة وتلك القلة لا معنى لها إذا ما أخذ بالحسبان نسبية كل منهما في الزمان والمكان، فمع كثرة الشعراء هناك كثرة مضاعفة في عدد المدارس والجامعات والصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى·
أم أن السبب في القضايا التي تبناها شعراء تلك الأجيال السعيدة، وهي قضايا جماهيرية في الأغلب، وهموم كبيرة وأحلام بحجم الجسد والروح من المحيط الى الخليج، في حين أن شعراء العقيدين الأخيرين انكفؤوا إلى أرصفتهم وغرفهم وأشيائهم وأدغالهم اللغوية!!
لعل ذلك هو الأقرب الى تشخيص الحالة··· ولكن ألم تنكفئ الجماهير أيضا، بعد أن ألقت راياتها وأحلامها ومبادئها على الأرصفة، الى همومها الصغيرة وقضاياها الشخصية وتشرذمها وتيهها وضياعها وبوارها؟!
(4)
كل الأسباب التي سبقت يتضمن جانبا من الحقيقة، ولكن السبب الأهم هو أن النظام العربي نفسه أصبح أكثر فسادا وأشد سطوة وهيمنة وأعظم جهلا وغباء··· فقد أوصل هذا النظام الجماهير الى درك الفقر حتى باتت تلهث وراء لقمة العيش قبل أي شيء آخر، ورمى بها في قاع الخوف حتى أصبحت تخشى أن تتكلم فكيف بالقراءة، وقذف بها الى جحيم الفساد حتى أمات فيها أجمل القيم وأعظم المبادئ·· عند ذلك غدت وزارات الثقافة العربية حواجز جمركية، واتحادات الكتاب حواجز أمنية، والمهرجانات الأدبية عروض "سيرك"، والمؤتمرات الثقافية حفلات تنكر، والبرامج الثقافية حفلات ستربتيز "تعر" سخيفة·· أمام هذا القيء، يختفي كل جميل حتى الشعر!
(5)
في كل قطر عربي عدد كبير من الأسماء الشعرية الكبيرة، ولا سيما ممن ظهر في العقدين الأخيرين، وهي إن كانت معروفة في محيطها فإنها مجهولة تماما في الخارج··· ومن العجيب أن تجد المثقف المغربي مثلا يعرف آخر مجموعة شعرية صدرت في فرنسا أو إسبانيا ويجهل عشرات الشعراء الجزائريين، وأن نعرف شاعرا أوروبيا من الدرجة العاشرة ونجهل شاعرا بقامة أحمد العجمي البحريني وعبدالكريم الرازحي اليمني وعلي اللواتي التونسي مثلا!
(6)
التواصل بين الشعراء العرب ليس ضرورة قومية فقط، وإنما هو في المقام الأول ضرورة فنية، إذ إن لقاء مئات التجارب الشعرية المتنوعة لن يكون أمرا عاديا أبدا، ولنا أن نتخيل آثار هذا التواصل في نمو الشعر العربي وتطوره وتقدمه··· كيف يكون ذلك؟!
(7)
سألني أحدهم: ما مشروعاتك المستقبلية؟ فأجبت: أن أفتح محل "شاورما"· وبكثير من الخيبة والدهشة والسخرية صرخ: شا·· و·· ر··ما؟!
قلت: نعم، محل "شاورما" يستطيع تمويل صحيفة تختص بالشعر·· العربي! ولكن، مع غلاء الأسعار وارتفاع الأجور، صرت أبحث عن شريك آخر يفتح محل "شاورما" آخر، ولو بلحم مغشوش، لنطعم هذه الجماهير الجائعة الضائعة·· شعرا لذيذا ساخنا!