رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20محرم 1421هـ - 19-25أبريل2000
العدد 1423

قصة قصيرة

لحظة حنان

 

حنان عبدالقادر

لم أكن على سجيتي وأنا أعود للمنزل بعد يوم دراسي شاق، لم أتجاذب أطراف الحديث مع زميلاتي، ولم أرد على دعاباتهن· كانت الأفكار تتزاحم في رأسي وتتصاعد·· دق قلبي بعنف عندما خطر ببالي أنه الآن في خطر··· كيف أمضي يومه؟! هل تناول طعامه؟ هل ينام الآن أم ما زالت نيران الحمى تقض مضجعه؟

أسئلة كثيرة لا أجد لها إجابة·· لم أرد أن أتركه وحده اليوم لكنه أصر، وتحت ضغوط إصراره تركته وانصرفت، لكني اكتشفت أني ما زلت معه·· لم أتركه لحظة طوال اليوم·

حمدت الله أن الطريق الطويل المؤدي للمنزل قد شارف على النهاية، ودعت صديقاتي على عجل، ودخلت الشارع··· وما هي إلا ثوان وكنت أمام باب غرفته طرقت الباب·· لم يجب·· ازداد خوفي وقلقي·· ناديته وطرقت الباب مرة أخرى·· جاءني صوته واهنا:

- مَنْ

- أنا··

- اتركيني أستريح·

تراجعت على مضض·· لكني آثرت أن أطيعه، رغم القلق الذي يكاد يقتلني سألت الصغار: ماذا فعل أبوكم اليوم؟

جاء ردهم ليزيد قلقي وخوفي·· ووجدتني أطرق الباب مرة أخرى، وجاءني صوته الواهن: ألم أقل لك اتركيني أستريح؟

تراجعت من جديد·· وضعت حقيبتي وجلست أمام باب حجرته·· هو دائما هكذا·· عندما يمرض يعتزلنا، يوصد بابه دوننا، ولا يحاول أن يطلب منا أدنى مساعدة، وكأن إباء نفسه يمنعه أن يطلب منا شربة ماء·

ترقرقت الدموع في عيني، لكني سرعان ما أخفيتها حتى لا يراها الصغار· تعالت ضحكاتهم، وعلا صراخ لهوهم البريء···

أحسست بمزلاج بابه يفتح·· أسرعت واقفة ودفعت الباب بخفة تسللت بهدوء للداخل·· رفع رأسه المنهكة من بين يديه ونظر إلي:

- لماذا لم تبدلي ملابسك؟

- كيف حالك الآن؟! هل تشعر بأي ألم؟؟

- الحمد لله·· قدر الله وما شاء فعل·· ماذا فعلت اليوم بالمدرسة؟

- الأستاذ محمد أعطاني جائزة اليوم·· لقد كنت الثانية على الفصل في اختبار الفيزياء والأستاذ منصور أرسل لك معي رسالة·· و····

عاد ليضع رأسه بين كفيه مرة أخرى·· أحسست باختلاله في جلسته دنوت منه·· تحسست يده وكأنما وضعت يدي على جمرة·· مسحت بيدي على رأسه·· رفع عينيه المجهدتين اليّ·· سألته:

- لماذا لم تناد على أحد من هؤلاء الصغار ليعطيك بعض الماء والطعام؟

فرت من عينيه دمعتان، ولم أدر إلا برأسه على صدري·· مسحت دمعتيه بيدي فانهمرت سيول أغرقتها··· ضممت رأسه بشدة·· تشبث بي كطفل يهفو لصدر أمه·· بكيت·· فاختلطت دموعنا وسمعت حشرجة صوته:

- سأموت·· سأموت الآن وأنتم ما زلتم صغاراً·

- لا تقل هذا·· ستحيا من أجلنا··

لم أدر ماذا أفعل··؟ لم أره قبلا بهذا الانهيار·· كنا بالأمس القريب نخافه·· نرتعد عند سماع صوته·· كان جبارا قاسيا·· منذ أن رحلت أمي·· ونحن في حماية الله ثم في رعايته·· لم يكل من خدمتنا، لكنه كان شديد القسوة والخوف معاً·

رفع رأسه بهدوء ثم قال: أريد أن أنام·· أخرجي واغلقي الباب·· تمدد في فراشه·· مددت يدي لأجذب الغطاء على جسده المنتفض·· نهاني بجدية·· مد يده ببطء جاذباً الغطاء·· ثم أغمض عينيه· ألقيت نظرة إشفاق على هذا الوجه المليء بالتجاعيد·· تسللت من الحجرة وأوصدت الباب خلفي·· فجاءني صوت ضحكات الصغار وصراخ لهوهم البريء·

طباعة  

أسهم في تأسيس مجلة "العربي" وأصبح وزيراً للثقافة
د. محمود السمرة: لا يكون المرء ناقدا إلا إذا أصبح صاحب نظرية نقدية

 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
في محاضرة بعنوان "اللغة مرآة وأداة وسلاحا"
د. سعد مصلوح: الإنسان امتلك الأشياء باللغة... واحتمى بها

 
ضوء
 
حكاية عروس البحر
 
نافذة
 
أجراس