· أكشاك جمع التبرعات أكثر جدوى من المقرات الدائمة للجان فلا إيجارات ولا تأثيث ولا رواتب موظفين
رفعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقريرها النهائي التفصيلي حول أوضاع الجمعيات الخيرية الى مجلس الوزراء، وتأتي هذه الدراسة بعد أن أثارت الحكومة في يونيو 99 موضوع الجمعيات الخيرية وفروعها المخالفة، وتم تكليف وزارة الشؤون مخاطبة الجمعيات التي أنشأت فروعا ولجانا غير مرخصة للعمل على تصحيح أوضاعها القانونية وإعطائها مهلة ثلاثة أشهر وذلك طبقا للقانون رقم 24 لسنة 1962 في شأن الأندية وجمعيات النفع العام·
وما يلفت الاهتمام أن هذه الدراسة هي الأولى من نوعها من حيث حصرها لكل مقرات الجمعيات الدينية الخيرية المخالفة - هذا من جهة وكذلك حصر الوحدات المتنقلة لجمع التبرعات للجمعيات في مختلف المناطق "الأكشاك" من جهة ثانية، وقد حوى التقرير كما هائلا من المخالفات والتجاوزات القانونية فبالإضافة الى أكثر من 115 فرعا ولجنة غير مرخصة كان توزيعها كالتالي: جمعية الاصلاح الاجتماعي (54 فرعا ولجنة) وجمعية احياء التراث (47) وجمعية النجاة الخيرية (14) ، تضمن التقرير أيضا عدد 86 وحدة متنقلة لجمع التبرعات، 30 لجمعية الإصلاح، 23 لإحياء التراث، 21 للنجاة الخيرية، 12 للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية·
ومن المعروف أن وحدات جمع التبرعات المتنقلة (الأكشاك) هي في حقيقتها لا تقل أهمية وخطورة عن الفروع واللجان غير المرخصة، فدائما ما توجد هذه الأكشاك بالقرب من البنوك والأسواق والمجمعات التجارية والجمعيات التعاونية وهي الأماكن التي يرتادها الناس ويصرفون فيها أموالهم وذلك لاستغلال عواطفهم الدينية في جمع أكبر قدر من التبرعات وهو الهدف الرئيسي من وجود تلك "الأكشاك" والفروع، وإيراداتها أكثر من إيرادات الفروع واللجان وحتى تكاليفها أقل مقارنة بتكاليف الفروع واللجان حيث تدفع الأخيرة مصروفات على الإيجارات والتأثيث والصيانة ورواتب موظفين وغيرها، مما يجرنا الى السؤال··· ماذا لو أضفنا الـ 115 فرعا ولجنة غير مرخصة إلى الـ 86 وحدة متنقلة وكشكا لجمع التبرعات فهذا يعني أنه سيكون لدينا حوالي 200 فرع ولجنة وكشك منتشرة على طول البلاد وعرضها كالأخطبوط تمارس أنشطتها خارج الإطار القانوني!!
ويتضح لنا مدى التناقض والانتقائية في التعامل الحكومي وسياسة الكيل بمكيالين، ففي وقت تتعامل فيه الحكومة بحزم وتضييق شديدين مع جماعة وجمعية معينة ليس لها خطر سياسي أو اجتماعي تحت حجة تطبيق القانون نجدها على النقيض من ذلك تغض البصر عن جماعة أو جمعية سياسية أخرى تمارس نشاطها السياسي والاجتماعي المعلن وتفتح الفروع واللجان والأكشاك في جميع أنحاء البلاد وتجمع من خلالها الأموال دون ترخيص متحدية بذلك قوانين البلاد وأنظمتها ولم نسمع من الحكومة أن صرحت أو تدخلت في أي نشاط تراه مخالفا فطالما أن تلك اللجان وفروعها وأكشاكها غير مرخصة فهذا يعني أن كل أنشطتها واجتماعاتها وأعمالها غير مرخصة أيضا وخارج دائرة القانون، فماذا يعني ذلك؟! طالما أن الحكومة فتحت ملف الجمعيات الدينية المخالفة ولجانها وفروعها وأكشاكها غير المرخصة وأثارتها بشيء من الدراسة والجدية، فالموضوع الآن في ملعبها ومرماها، خاصة وأنه بين يديها لأول مرة تقرير نهائي تفصيلي مدروس ينتظر تطبيق القانون!!
ومن المهم أن نعرف أن هذا نموذج إذا لم تلتزم فيه الحكومة بتطبيق القانون فستفقد (الحكومة) احترامها وما تبقى لها من كيان وهيبة أمام الناس، وسيكون نموذجا سيئا لتعامل الحكومة مع القضايا التي تمس المصلحة العليا للبلاد وستجر وراءها مجمل القضايا المهمة الأخرى·
فكيف تقبل الحكومة وترتضي بهذا التجاوز والانفلات غير القانوني وتسمح للجمعيات الدينية - السياسية بإنشاء فروع ولجان دون موافقة مسبقة من الجهات المسؤولة في البلد ومن دون أي مسوغ قانوني لسنوات طويلة بل وتسمح لها بحق جمع الأموال والتبرعات دون إخضاعها لآلية تنظيم ورقابة على هذه الأموال وأوجه صرفها مع علمها أن هذه الجمعيات الخيرية المخالفة رفضت - ولا تزال - أي جهد حكومي رسمي لتنظيم عملية جمع الأموال والتبرعات ورقابة الحكومة عليها حتى نتأكد من أن الأموال التي تجمع من أهل الخير في الكويت تذهب وفق أوجه الصرف المعلن عنها·
فمنذ الصيف الفائت والناس تسمع كلاما وتصريحات رسمية من الحكومة عن جديتها في معالجة هذا الوضع الخاطىء وعن إجراءات قانونية ستتخذها تجاه الجمعيات المخالفة والمتعالية على هيبة الدولة، والتي وصلت بها الحال الى حد المواجهة وتحدي السلطة والقفز على لوائح وقوانين البلاد، إلا أن هذا الأمر لا يزال فالتا·
الناس في الكويت وأهل الخير - وإن تجاوزت المهلة التي طالت دون مبرر - إلا أنها لا تطالب سوى بتحقيق سيادة القانون دون تمييز أو تحيز، وهي تترقب وتنتظر بحذر بالغ وشديد ما ستتمخض عنه قرارات مجلس الوزراء، وكيفية التعامل الحكومي مع هذا الكم الهائل والمخجل من المخالفات والتجاوزات، والتوسع والانتشار الأخطبوطي لفروع ولجان وأكشاك الجمعيات الدينية المخالفة وما تمارسه من أنشطة دون مظلة قانونية، والناس في الكويت تتساءل هذه الأيام، هل ستركن الحكومة هذه المخالفات المرتكبة بحق الدولة وتدخلها في دوامة المصالح الخاصة ودهاليز اللعبة والمناورات السياسية أم ستصدر قرارا تاريخيا لتصحيح هذا التجاوز والانفلات القانوني وترسيخ مبدأ سيادة القانون فوق الجميع وإعلاء هيبة الدولة·