رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20محرم 1421هـ - 19-25أبريل2000
العدد 1423

ضوء

حوارات..

 

ركان الصفدي

 

(1)

 

في غرفة قلبك أربع نوافذ تحاور بها الجهات، الشمس، العصافير، السماء، العالم·· تحب الآخرين، لعلك تتمرأى فيهم، تجد ذاتك، تكتمل بهم، تنتمي إليهم، وبزحامهم توطد وحدتك الجليلة·· لم تكن في يوم من الأيام عدوا لأحد، وربما لم تكن·· صديقا! تمد يدك إلى الآخرين، لا لتستجدي صداقة، ربما لتحتفظ بتلك المسافة التي تحرسها ذراعك بينك وبينهم، لأنك حين تعانق الآخرين تكتشف بعد فوات الأوان أنك تعانق فراغا بحجم ذراعيك·· لذلك، تظل وحيدا في ملتقى ظلال الآخرين·

 

(2)

 

منذ الطفولة كنت الأقوى، لا بعضلاتك ولا بعقلك، بل بحبك، هكذا سيجت نفسك بالمحبين فلم يعد يجرؤ أحد على الاعتداء عليك·· كنت أقوى من الجميع لأنهم يختلفون فيما بينهم ولكنهم يتفقون عليك ومعك·· منذ ذلك الحين أدركت أن ضوء الشمس أقدر على نزع عباءة البدوي من عصف الريح، فكنت تنسرب في الآخرين بلا ضجيج لتضيء فيهم، وحده الظلام أخافك وخاف منك، ولكن متى كان الليل يقف في وجه الضياء؟!

 

(3)

 

جلس أمامك مسندا ظلاله إلى علاقاته الرسمية وامتداداته، الأخطبوطية في أجهزة الدولة، يتلألأ في عينيه وحل القوة، وبثقة ورجاء يغريك بأن تكون بوقا وطبالا، وحين تزدريه علنا وأنت الضعيف الخائر القوى، يتهادى عرش قوته أمامك دفعة واحدة·· يحسّ وقتها، علنا، أنه صرصور فوق أنقاض، ومنذ ذلك الحين يتقازم أمامك، ويستجدي منك مصافحة سنوية·

 

(4)

 

ينظر إليك على أنك مثقف، أي أنك مزاجي وانفعالي وحالم، وحين تختلف معه حول قضايا سكونه وجموده وتعسفه الكاريكاتوري، يقابل هدوءك وطمأنينتك المبدئية بانفعال ومزاجية، تعرف عند ذلك أنه كيان مزيف، فتغادره هادىء البال مرتاح الضمير·· ولكن إذا كنت لم تعن له شيئا برحيلك، كما لن تعن له شيئا بقدومك، فإنك لا زلت تتأمل شمع ذكراه بكثير من الحنين·· لأنه كان - على الرغم من كل شيء - ضروريا لاكتمال مسارك في هذه الحياة!

 

(5)

 

تفرد أمامه أعشاب حلمك، تنتضيه في وجه قبح الغربة، تعتريك رغبة في أن يكون ثالث اثنين ركب معك قطار الحياة ولم يغادره عند أول محطة·· حين كانت دمشق لاذعة كالبهار، وشاسعة كصحراء، وموغلة كطعنة، وغنية كغابة، ولكنك تفاجأ أنه ينسل متواريا قبل أن يتحرك القطار!

 

(6)

 

تجلسان مختلفين تماما، متفقين تماما، حين تقلبان الحياة معا، تستعرضان صور الثقافة وهموم الأدب وتجليات الفن وهو قابع في يقينه وأنت تتململ في قلقك، هو صاخب في دفئه، وأنت صامت في صقيعك! فجأة ينقض عليك بحواره المطمئن يريد أن يجذبك إلى عالمه المنجز المستقر، وأنت لا تريد جره إلى عالمك المتأرجح فوق نار الأسئلة، يريد أن يهديك إلى ما يراه صحيحا، وأنت لا تريد أن تزعزع ثقته بصحيحه لأنك لا تحب أن تكون رسول الشك·· تحذره لتنهي حوارا من طرف واحد: لا تتوغل كثيرا، فقد أضلك! يبتسم بثقة الطمأنينة والرسوخ·· هو لا يعلم أنك زلزلت ذات يوم جبلا راسخا كنت تسميه "الحقيقة"!

 

(7)

 

يحاورك في ما لا تختلفان فيه، لذلك تبدوان متفقين، ولكن حين تطرح ما تختلف فيه عنه، ينقلب إلى شخص آخر، صورة أخرى مغايرة·· منذ عقود طويلة وأنت تبحث عمن يحاورك دون أن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، ولم تجده بعد·

 

(8)

 

الحوار حبل بين طرفين، إذا كان كل طرف يريد  جذب الآخر إلى موقعه فإنه أمام ثلاثة خيارات إما أن ترخي له الحبل متخليا عن رأيك، وإما تشد بقوة حتى تقطع الحبل، وإما أن تقتل الطرف الآخر وتلغيه! ولكن لماذا لا يكون الحوار باتجاه واحد، كمن يدفع صخرة، فكلما ازداد الدافعون تحركت إلى الأمام بسهولة·· هناك دائما نقاط التقاء، وأهداف مشتركة هي وحدها تجعل الحوار مفيدا·

 

(9)

 

في بعض الأحيان لا تملك إلا أن تحاور الآخرين، الأشياء، العالم·· بالصمت!

طباعة  

أسهم في تأسيس مجلة "العربي" وأصبح وزيراً للثقافة
د. محمود السمرة: لا يكون المرء ناقدا إلا إذا أصبح صاحب نظرية نقدية

 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
في محاضرة بعنوان "اللغة مرآة وأداة وسلاحا"
د. سعد مصلوح: الإنسان امتلك الأشياء باللغة... واحتمى بها

 
قصة قصيرة
 
حكاية عروس البحر
 
نافذة
 
أجراس