· الإخوان عارضوا مشروعات التطبيع مع العدو الصهيوني داخل المجلس النيابي... وسعوا إلى تعديل قانون الانتخابات المؤقت بما يحقق مصلحة الوطن
· تقارب بين الجماعة والحكومة بسبب نداء الملك حسين لها بعدم معارضتها لرئيس الوزراء
· الجماعة ترفض مفاوضات السلام مع اسرائيل وتطالب بالحق العربي في عودة جميع الأراضي العربية المحتلة
· التعايش هو السمة الغالبة بين الجماعة والحكومة رغم تذبذب العلاقة بينهما
· اعتقال عدد من الإخوان بعد أحداث 1986
· زيادة التنافس بين الأحزاب والعشائر والفئات السكانية
· الجماعة قررت المشاركة في الانتخابات استجابة لنداء الملك حسين
· تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي كصدى للجماعة
· دعم الإخوان لحركة حماس أدى إلى خلافها مع النظام
· الجماعة ساهمت في التشريع والرقابة والقضايا الوطنية بفضل التوسع في النهج الديمقراطي
· فوز الإخوان برئاسة المجلس ورئاسة كثير من اللجان النيابية إنجاز عبر عن تأثيرهم الشديد
· الإخوان ساهموا في تحقيق الكثير من المشروعات والخدمات العامة
مخلص عبيد المبيضين **
هذه الدراسة محاولة للإسهام في رصد العلاقة القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ومؤسسة الحكم فيها لعدة اعتبارات أهمها، طبيعة مؤسسة الحكم وعلاقتها المتميزة مع الحركات الإسلامية، مثل الجهاد الإسلامي وحزب التحرير وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والحركة العربية الإسلامية الديمقراطية بشكل عام وجماعة الإخوان بشكل خاص، وكذلك حتمية العلاقة بين الحركة ونظام الحكم، فلم يعد مقبولا ولا مستساغا الحديث عن قدرة النظام الأردني على اجتثاث أو استئصال الحركات الإسلامية، قد يكون قادرا على تحجيمها من الناحية السياسية بعد النهج الديمقراطي الذي يسير عليه الآن· وكذلك فإن قدرة جماعة الإخوان على التعايش مع نظام الحكم قد أمدها بطول البقاء والقدرة على النمو والانتشار· بالإضافة الى قدرتها على تجنب الصدام العنيف مع النظام كما حصل في بلدان عربية أخرى سواء أكان مواجهة عسكرية أم عمليات تصفية أم تعذيب أم اضطهاد· ولهذا فإن الاعتدال الذي تميزت به مؤسسة الحكم أضفى نوعا من الحكمة على تعامل هذه المؤسسة مع جميع القوى وبخاصة جماعة الإخوان· وأخيرا فإن الخلفية الدينية والتاريخية لمؤسسة الحكم أوجدت حالة من التوازن والانسجام السياسي بينهما في فترات عدة، واستخدمها النظام في حالات أخرى دعامة يستند إليها في مواجهة خصومه·
وبعد أحداث النصف الأول من عام 1986 في جامعة اليرموك "الاعتصام نتيجة للخلاف بين الطلاب وإدارة الجامعة حول رسوم التدريب الصيفي لطلبة كلية الهندسة مما أدى الى فصل مجموعة من الأساتذة والموظفين" تعرض كثير من الإخوان للاعتقال فترات مختلفة، وفصل كثير منهم من وظائفهم، وحجزت جوازات سفر كثير منهم· وبذلك استمر التضييق على الإخوان ومناصريهم "كجزء من المعارضة" حتى أحداث أبريل عام 1989 في ظروف داخلية صعبة جدا ومنها انهيار سعر صرف الدينار وارتفاع نسبة البطالة وزيادة الأسعار والضرائب رافقتها تراكمات من الفساد المالي والإداري مما أدى إلى موجة من العنف والاهتياج الشعبي ولكن الملك استطاع أن يحتوي هذه الأزمات ونتيجة لذلك استقالت حكومة الرفاعي وتم تشكيل حكومة زيد بن شاكر وأجريت انتخابات جديدة إيذانا بمرحلة جديدة وقد ادعى بعض الأفراد أن التضخم الاقتصادي وزيادة البطالة قد أديا إلى أحداث معان ونتيجة لذلك فقد أكره النظام على إعادة الحياة البرلمانية إلى الأردن وإطلاق الحريات العامة "حداد 1991" والتي قال عنها الملك "إن تلك الأحداث كشفت عن حقائق مهمة أبرزها أن مجتمعنا يعيش حالة من التوتر الاجتماعي الاقتصادي "حداد 1994:9" وكا يقول ليونارد روبنسن "إن اضطرابات أبريل 1989 قد أصابت الملك والنظام في العمق ودفعته إلى إنجاز وعده بعقد الانتخابات النيابية سريعا ولذا قرر النظام - عقب تلك الاضطرابات - أنه لا خيار أمامه غير إجراء الاصلاحات السياسية "روبنسن 1994:39" وعلى الرغم من أن دور الإخوان لم يكن الأول أو الأساسي في قيام تلك الاضطرابات بإنهم - بلا شك - قد انتهزوا هذه الفرصة لتحقيق كثير من برامجهم وكما يقول أيضا روبنسن "وإن لم يكن الإخوان قد أوقدوا الشرارة الأولى لتك الاضطرابات فهم بالتأكيد قد انتهزوا الفرصة لدفع البرنامج السياسي الإسلامي إلى الشارع" روبنسن 1994:38"
وفي نهاية المطاف يمكن القول إن العوامل الخارجية والداخلية خلال هذه الفترة أثرت في العلاقة بين الجماعة والنظام في الأردن وكانت حصيلة التفاعل بين الجماعة والأحداث من جهة والنظام من جهة أخرى ذات مردود سلبي على العلاقة بين النظام والجماعة على الرغم من تمكن الجماعة من الحركة خلال هذه الأزمات والصمود في وجه الحكومات المختلفة والتعايش مع النظام واحتفاظها بطبيعتها الخاصة لأنهم يعتبرون أنفسهم جزءا من المجتمع والوطن كما يقول نتعايش مع النظام لأننا جزء من المجتمع وجزء من الوطن "عمرو 1989:23"·
أما بالنسبة للمعارضة بوصفها جزءا من الحياة الديمقراطية فإنها ليست معارضة دائمة ولا موافقة دائمة كما يقول د· إسحاق الفرحان "نحن ننظر إلى المعارضة على أنه لا توجد معارضة دائمة ولا موافقة دائمة ولا تأييد مطلقا إنما يوجد تأييد للمواقف والمبادىء ومعارضة لبعض المواقف ولبعض المبادىء ولذلك سنكون مؤيدين بل مشاركين في الحكم وأحيانا سنكون معارضين لبعض المواقف التي لا نرضى عنها ولكنها معارضة بناءة وشرعية تلتزم بعقيدة وثوابت الأمة بالمنهجية العلمية وتلتزم بالخلق "الغرايبة 1997:23"·
وعلى الرغم من تذبذب العلاقة بين الجماعة والنظام فإن التعايش كان هو السمة الغالبة مهما كان للظروف الداخلية أو الخارجية من تأثير ولكنه لم يؤد إلى عداء دائم أو مستمر فكما يقول بعض الباحثين إن الطرفين قد تمكنا من إيجاد آليات لفض الاختلافات في الرأي وتحقيق المنافع بالطرق السلمية المتاحة·
المرحلة الرابعة: العودة إلى الخيار الديمقراطي 98 - 1996: شهدت هذه المرحلة تطورات داخلية كبيرة كان لها الدور الكبير في تشكيل العلاقة بين الجماعة والنظام كما ذكر آنفا هذا بالإضافة إلى ظروف خارجية وأزمات أدت إلى تذبذب العلاقة بين الجهتين: فعلى الصعيد الإقليمي اندلعت الانتفاضة "عام 1987" واستمرت ثلاث سنوات في شكل مظاهرات صاخبة واضرابات ومواجهة بالحجارة ضد الحكومة والجيش الاسرائيلي كما رافق الانتفاضة ظهور حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي أعلن عن قيامها قبل الانتفاضة بوقت قليل·
وعلى المستوى الداخلي استطاع النظام الأردني احتواء الأزمات المتتابعة داخليا وذلك بتشكيل حكومة جديدة وإجراء انتخابات نيابية وألغيت نيابة الأحكام العرفية وأطلقت التعددية الحزبية وحرية الصحافة والنشر ثم أجريت انتخابات بلدية شاملة عام 1995 للمرة الأولى في الأردن وانعكس ذلك كله على قوة جماعة الإخوان المسلمين وفاعاليتها فقد أصبح لها حضور كبير في الانتخابات النقابية والطلابية وحصلت في المجلس النيابي الحادي عشر 1989 على 22 مقعدا إضافة إلى ما يقرب من عشرة مقاعد للاسلاميين المستقلين، وفي عام 1993 أحرزت 17 مقعدا، لهذا فإن تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية كان له مردود إيجابي على الجماعة لأنها أحدثت تطورا نوعيا على بنية الجماعة تمثل ذلك في انتساب أعداد واسعة من الشعب إليها مما فرض على قيادة الجماعة تطوير خطابها وممارستها السياسية لتكون أكثر قربا من سلوك المعارضة السياسية "الحوراني وآخرون 1997، Abouzeid1995"·
وكذلك أدى التوسع في النهج الديمقراطي إلى تعديلات على الخريطة السياسية الأردنية حيث أصبحت الحركة الإسلامية أكثر مساهمة في مداخلات العمل والتشريع والرقابة والقضايا الوطنية والعامة بعد أن كانت في الحقب الماضية في موقع المراقب أو الغائب أو المهمش "الحوراني وآخرون 1997"· كذلك على المستوى الداخلي فقد أجريت انتخابات عام 1994 شملت الهيئات الإدارية للشعب ومجلس الشورى والمكتب التنفيذي والمراقب العام للجماعة فتم اختيار مراقب عام بديل عن محمد عبدالرحمن خليفة الذي استمر مراقبا عاما للجماعة أكثر من أربعين سنة وخلفه عن طريق الانتخابات ـ المحامي عبدالمجيد الذنيبات من مواليد الكرك "1947" وكان قد سبق انتخابه للمراقب العام سنة 1992·
وقبل ذلك كله فإن مشاركة الاخوان المسلمين في حكومة مضر بدران بخمسة وزراء منحتهم الثقة وهيأت لهم الجو المناسب لحوار لعلني وداخلي بين تيارات الحكومة الإسلامية ونتيجة لذلك انقسم الإخوان إلى قسمين أولهما يشجع المشاركة ويرى فيها ما يبررها وهذا القسم يشكل الأغلبية وأما القسم الآخر فإنه يرى أن المشاركة في الحكومة تحرم شرعا أو أنها تؤدي إلى خسائر سياسية ومن ثم تفقد الحركة الإسلامية شعبيتها ومناصريها لذلك فإن توجههم نحو المشاركة في العمل البرلماني وعزوفهم فيما بعد عن المشاركة في السلطة التنفيذية قد وضح بما التمسوه من مبررات كثيرة "الحوراني وآخرون 1997" وبدت منسجمة مع نظرتهم إلى النظام كما يلي:
أ - العمل النيابي يتم في أجواء من الحرية ويطور نظام الحكم نحو المشاركة الأوسع للأمة في السلطات ومحاسبة الحكومة ومراقبتها ويحدد سلطات الحكام وذلك ينسجم مع رؤيتهم للنظام السياسي الإسلامي الذي يقره الأفراد في الأردن وكذلك النظام مدركين لأصوله الإسلامية "الكخن 1990"·
ب - إن العمل النيابي يستند إلى قاعدة شعبية تمده بالقوة المعنوية والتأثير العام وينتج معرفة اتجاهات الرأي العام مما يحقق دفع المجتمع نحو نشاطاتهم وتحقيق برامجهم والقدرة على إقناع الرأي العام·
ج - يشكل العمل النيابي المدخل الرئيسي والأساسي للاصلاح القانوني والتشريعي وهو أهم الأسس في برامج تطبيق الشريعة الإسلامية وتغيير القوانين والتشريعات لتنسجم مع الشريعة·
د· يهيىء العمل النيابي الفرصة لإعداد قادة وسياسيين مؤثرين في الحياة العامة·
هـ يتيح العمل وسائل جديدة للحوار والتنسيق والتحالف مع الأحزاب والشخصيات والقوى السياسية المختلفة·
و - يسهم العمل النيابي في نقل المشروع الإسلامي من النظريات والعموميات إلى الاختيار العملي وتطويره المستمر بناء على التفصيلات وتراكم المعارف والتجارب السابقة·
كل هذه الظروف الداخلية والمنعطفات السياسية أثرت في العلاقة بين الجماعة والنظام من عدة أوجه سوف نوجزها فيما يلي:
1 - انتخابات عام 1989: كان من أهم النتائج التي تحققت لجماعة الإخوان أنها دفعت الحركة الإسلامية إلى واجهة الأحداث والتأثير في الأردن والمنطقة وجعلتها أهم بناء سياسي في الأردن بعد فوزها باثنين وعشرين مقعدا من 80 وانتخاب د· عبداللطيف عربيات رئيسا لمجلس النواب ثلاث مرات متتالية من دورات المجلس الحادي عشر 1989 ولهذا فإن الملك قد أدرك وباليقين القاطع قوة الإخوان وتأييدهم لنظامه كما كانوا وعبر العقود المنصرمة وفي الأيام الصعبة وكما يقول روبنسن: فإن الملك ينطلق في رؤيته للأمر من تاريخ التأييد الإخواني لنظامه خلال الأوقات الصعبة ذلك التأييد أكسبهم الحق في الحصول على شريحة من النفوذ السياسي المحلي طالما كان الإخوان على استعداد للعمل من خلال النظام وليس ضده فربما كان الملك حسين متهيئا للقبول بهم كلاعب في السياسة المحلية "روبنسن 1994،44" فالانتخابات البرلمانية أثبتت أهمية الإخوان وقوتهم وقدرتهم وتأثيرهم في المواطنين وفي الحكومة ومن ثم في النظام نفسه فلقد شارك الإخوان في وزارة بدران بعد سنة من تشكيلها بخمسة وزراء على شروط عدة قدمها نواب الحركة في ردهم على بيان الحكومة ويرى بعض قادة الجماعة أنهم حققوا انجازات كبيرة في مجال العمل النيابي مما قارب بينهم وبين النظام وأتاح الفرصة لهم لمزيد من التقارب والتعاون ومن أهم هذه الانجازات "الغرايبة 1997"·
1 - أتاحت التجربة للجماعة فرصة العمل المشترك مع الحكومة والأحزاب والقوى السياسية وبذلك فقد أظهرت مرونة وقدرة في التنسيق والحوار وأزالت الحاجز النفسي الذي كان يفصل بين الجماعة والحكومة والأحزاب وهذا ما حدث للمصادقة على الميثاق الوطني عام 1991، مما ممكن في النهاية من التخفيف من حالات الاحتقان مع الحكومة وتنمية العلاقات مع المسؤولين في الدولة والذي بدوره أتاح المجال للتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية·
2 - حضورهم الفعال في اللجان البرلمانية·
3 - مشاركتهم في إنجاز مجموعة من القوانين والتشريعات المهمة مثل قانون الأحزاب والدفاع ومحكمة العدل العليا ومحكمة أمن الدولة ·· إلخ·
4 - مواجهة الفساد المالي والإداري وتفعيل الرقابة على السلطة التنفيذية لذا فقد حدد المراقبون عدة أسباب تكمن وراء فوز الجماعة في انتخابات 1989 ومن أهمها إنه الحزب الوحيد الذي كان يتمتع بترخيص رسمي منذ عام 1953 مما أعطاهم الفرصة الطويلة للاتصال وبالتالي التأثير، عموم الأوضاع الداخلية "الاقتصادية وغيرها" والتي استطاع الإخوان استغلالها وخصوصا أحداث بلدة معان·
2 - قانون الأحزاب لعام 1992 وتعديل قانون الانتخاب بعد صدور قانون الأحزاب بدأت الكتل والمجموعات السياسية تنظم عملها وفقا له ولكن جماعة الإخوان قررت الإبقاء على نفسها كما هي والسعي إلى تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي استجابة لأوضاعها الداخلية واستجابة لمتطلبات قانون الأحزاب لأن الحكومة سوف تطلب منها أن تكيف أوضاعها وفقا لهذا القانون وبهذه الصورة تم تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي لتكيف عملها مع متطلبات النظام وقد ووفق عليه في 1992/12/8 "الغرايبة 1997" وكان أمام الجماعة عدة خيارات ولكل خيار حججه فقررت الجماعة ما رأته مناسبا لها في تلك الفترة وهو الإبقاء على الجماعة كما هو وتأسيس الحزب وتكون بذلك قد استوعبت جبهة الرفض الداخلية واستجابت لقانون الأحزاب في آن واحد ولكن بعد انتخاب مجلس الشورى الأول للحزب قدم مجموعة من المستقلين من مؤسسي الحزب استقالتهم مبررين ذلك "بسيطرة المتشددين من الإخوان المسلمين على الحزب وإقصائهم للاسلاميين المستقلين" الغرايبة 1997:138" وبعضهم رأى أن الحزب هو الذراع السياسي للجماعة أو أنه كما وصفه آخرون أنه مجرد "صدى لجماعة الإخوان المسلمين" "الحوراني وآخرون 1997،284"·
وكان تيجة لتعديل قانون الانتخاب حيث اقتصر التعديل على عدد الأصوات المتاحة للناخب لتكون صوتا واحدا بدلا من عدد من الأصوات يساوي عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية أن ترفض الجماعة القانون "المعدل" ولكنها شاركت في الانتخابات كما سنرى فيما بعد·
أحدث هذا القانون صدمة عنيفة للاخوان وذلك لأنه جاء في وقت متأخر جدا قبل الانتخابات بفترة قصيرة جدا وكان الإخوان قد حددوا مرشحيهم مبدئيا وفق ترتيباتهم التنظيمية وبعد ذلك أخذوا يعيدون ترتيب أوضاعهم من جديد وقال الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي إسحاق الفرحان: إن فكرة الصوت الواحد دون تقسيم الدوائر إلى ثمانين دائرة تكرس الإقليمية والطائفية كما أنه ليس ثمة ضرورة لاصدارها بقانون مؤقت في حالة وجود مجلس الأمة "الغرايبة 1997" لهذا فإن التعديل فرض أسئلة كثيرة على الإخوان منها هل نخوض الانتخابات أم نقاطعها علما بأنه كان معروفا لدى الإخوان قبل الصوت الواحد أن مشاركتهم ستكون في حدود 30 - 35 مرشحا وبعد ذلك قررت قيادة الإخوان المشاركة في الانتخابات ففي مجلس شورى جبهة العمل الذي عقد لدراسة الأمر قرر المشاركة في الانتخابات بأغلبية 87 من بين 101 عضو حضروا الاجتماع وبذلك فإن نتائج الخلاف مع الحكومة حول هذا القانون تشير مرة أخرى إلى رفض الإخوان تحدي الملك حسين في المسائل السياسية الأساسية كما تنبىء بإمكانية ظهور تصاعدات في صفوف الإسلاميين "روبنسن 1994،53"·
وهناك أسباب أخرى أوردتها الجماعة لضرورة المشاركة في الانتخابات ومنها "التل 1997"
1 - عدم الوقوع في مواجهة مع السلطة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الأمر الذي تسعى إليه قوى أخرى·
2 - تجنب العزل السياسي للعمل الإسلامي وتهميش دور الحزب في الحياة العامة·
3 - معارضة مشروعات الاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني من داخل المجلس النيابي·
4 - السعي لتعديل قانون الانتخابات المؤقت بما يحقق مصلحة الوطن ويعزز مسيرته الشوروية·
5 - الاستمرار في تقديم النموذج للعمل السياسي الإسلامي في المنطقة العربية وفي هذا دعم لمعنويات الإسلاميين في المنطقة وإسقاط لحجج بعض الأنظمة العربية التي تحارب الإسلاميين بحجة أنهم لا يمكن التعايش معهم·
6 - تمكين العمل السياسي الإسلامي من التعاون مع القوى السياسية بفعالية أكثر من خلال كتلة نيابية إسلامية·
على أن هذا الوضع الجديد كان له أكبر الأثر في جماعة الإخوان لما يأتي: 1 ـ لم يكن باستطاعتها أن ترشح أكثر من شخص واحد في الدائرة الانتخابية الواحدة·2 - استحالة إمكانية التحالف بين الأحزاب والكتل السياسية حيث زاد التنافس بين الأحزاب والعشائر والفئات السكانية وحدث تشتت في أصوات الناخبين وفاز بعضهم نتيجة لذلك بعدد ضئيل نسبيا من الأصوات·
وبشكل عام فقد اعترضت الحركة الإسلامية على هذا التعديل الجديد قانون الصوت الواحد حتى إن بعضهم ادعى بأنه استهدف تحجيم الحركة الإسلامية أو عزلها "الغرايبة 1997" وبعضهم الآخر نادى بتجنب الانتخابات بل مقاطعتها ولكن قيادة الإخوان وقيادة الجبهة قررتا المشاركة في الانتخابات وقد أصدر المراقب العام للإخوان محمد عبدالرحمن خليفة بيانا صحفيا نشر في 26/8/1993 ذكر فيه: "أن الجماعة قررت المشاركة في الانتخابات استجابة لنداء الحسين في الحفاظ على البلد واستقراره وانجاح مسيرة الديمقراطية والشورى "الغرايبة 1997،129 صحيفة الدستور الأردنية 26/8/1993 كذلك فإن الجماعة ترى حتى وإن كانت الحكومة تهدف إلى تحجيم الحركات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان فإن المقاطعة تحقق الهدف نفسه ولذا زاد التقارب بين الجماعة والنظام وخصوصا بعد أن تضمن هذا التعديل الجديد خطابا وجهة الملك حسين بنفسه خاطب فيه جبهة العمل الإسلامي بالتحديد مطالبا عدم تجاوز رئيس الوزراء في المعارضة والنقد مع العلم بأن نواب الحركة الإسلامية قد حجبوا الثقة عن حكومة الشريف زيد بن شاكر عام 1992 علما بأن الملك هو الذي قدم بيانها الوزاري·
وعلى الرغم من وجود هذا التقارب بين الجماعة والنظام "أبرز ما تمثل في أزمة الخليج الثانية" خلال هذه الفترة فإن هنالك مساحات ضيقة من عدم الإئتلاف والاختلاف تمثل ذلك في عدة مواقف للحركة الإسلامية وخصوصا جماعة الإخوان ذلك عندما اعتذر نواب الحركة الإسلامية عن الاجتماع بوفد أمريكي نيابي زار الأردن عام 1991 بسبب الموقف الأمريكي في حرب الخليج ونتيجة لذلك فقد تغيب نواب العمل الإسلامي عن جلسة البرلمان التي ألقى فيها الرئيس الأمريكي كلينتون خطابا عندما زار الأردن والمنطقة وكان ذلك الموقف احتجاجا على مواقف الإدارة الأمريكية المنحازة ضد قضايا العرب والمسلمين في كل من فلسطين والأردن والعراق وليبا والسودان والبوسنة والهرسك·· "وعلى الدور الأمريكي في فرض معاهدات استسلامية وسياسات التطبيع على الأمة العربية خدمة للعدو الصهيوني" "الغرايبة 1997:154"
3 - مفاوضات السلام ترفض الحركة الإسلامية بشكل عام وجماعة الإخوان بشكل خاص مفاوضات السلام مع اسرائيل وتطالب بالتمسك بالحق العربي كاملا في عودة جميع الأراضي العربية المحتلة وترفض الاعتراف بإسرائيل وذلك من خلال بياناتهم ومهرجاناتهم وكتاباتهم المختلفة ولهذا فالإخوان "يؤمنون بأن تحكيم شرع الله وإشاعة الحريات وإقامة العدالة وتحقيق الوحدة والاعتماد على الذات يمثل المدخل الوحيد لمواجهة العدوان وهزيمته وتحرير الأرض والإنسان وتحقيق العزة والكرامة"·
وتتبنى الجماعة هذا الموقف لكي تشكل ضغطا على الحكومة حتى تحد من التنازلات وتحقق أقصى مكاسب ممكنة وتمارس الرقابة عليها لذلك فقد رفض الإخوان مؤتمر مدريد والمفاوضات الثنائية والإقليمية مع إسرائيل كما جاء في أحد بياناتهم "ونحن إذ نسوق الحجج والبراهين التي نستند إليها في رفض ما يسمى زورا بمؤتمر السلام والمفاوضات الثنائية والإقليمية التالية له" "أبو فار 1998،13" وكأنهم بموقفهم هذا يراهنون على الزمن حتى تقوى الأمة لاسترداد الأرض المحتلة ولذلك حاولت الجماعة المزاوجة بين معارضة التسوية السياسية بالوسائل المتاحة لها ووفق الدستور والقوانين السائدة والامتناع عن المشاركة في الحكومة وحجب الثقة عنها وبعض أفراد الجماعة اعتبر أن المفاوضات تراجع عن المبادىء الأساسية للسياسة الأردنية المنادية بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي الأردنية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس "1995 Megid" لذلك رأت الجماعة أن معاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية مخيبة للآمال وملهاة سياسية "المعايطة 1994" لأن الإخوان لا يرون شرعا جواز الصلح مع إسرائيل "النفيسي 1992" وقد صدر بيان كتلة نواب حزب جبهة العمل الإسلامي يرفض المعاهدة ويدعو إلى توحيد الصفوف "لاسقاط هذه الاتفاقية وسائر الاتفاقيات التي تكرس الوجود الصهيوني وتؤكد تفوقه واندفاعه لتحقيق أهدافه الشريرة" وفي مؤتمر صحفي عقد بتاريخ 25/5/1994 وصفت الاتفاقيات بأنها مذلة وطالبت الحكومة بالتراجع عنها وكانت هذه المعارضة موجهة للحكومات المختلفة يقول ليونارد روبنسن: "تعهد الإخوان في نهاية الأمر بتخفيف نبرة النقد الجارح للنظام مقابل تعهد الحكومة بالسماح بالمعارضة غير العنيفة لمؤتمر السلام "روبنسن 1994: 51" ولكنهم كما يقول البعض يرفضون السلام مع إسرائيل قلبا وقالبا وبهذا طابع الاعتدال المتميز للجماعة في علاقاتهم مع النظام قد ساد، وبهذا فإن طابع الاعتدال المتميز للجماعة في علاقاتهم مع النظام قد ساد مع أن البعض يعتبر ذلك انتهازية لخروج الجماعة عن مبادئها وثوابتها الأساسية·
وموقف آخر كشف عن الاختلاف بين النظام والجماعة وكان ذلك عندما دعم الإخوان حركة حماس "حركة المقاومة الإسلامية" وذلك بترتيب بين الجماعة والحكومة سُمِحَ - بموجبه - بالعمل غير الرسمي في المجال السياسي والإعلامي والتزمت حماس في مقابل ذلك بعدم القيام بأي نشاط عسكري على الأراضي الأردنية أو من خلالها، ولكن بعد توقيع الاتفاقية الأردنية - الاسرائيلية حاولت الحكومة الحد من نشاط الحركة لهذا انتقد بعض نواب الحركة الإسلامية أجهزة الأمن فاعتقل الناطق الرسمي لحركة حماس "المهندس إبراهيم غوشه" وجرى استجواب لوزير الداخلية تحت قبة البرلمان "الغرايبة 1997"·
ومع ذلك لم تؤثر تلك المعوقات البسيطة في ضرورة التقارب والتعايش مع النظام في مقابل الظروف والأوضاع الداخلية "البيئة الداخلية" التي كانت تكرس جهودها في تقوية العلاقة بين النظام السياسي بشكل عام وجماعة الإخوان بشكل خاص أما الظروف الخارجية فهي حالات طارئة حيث كانت الحركة تعبر عن موقفها وتذهب بذهابها ولم تشكل هذه الظروف الخارجية سياسة إخوانية ثابتة تجاه النظام وإنما كانت عناصر التعايش تتغلب على عناصر الفرقة والاختلاف لكل هذه الأسباب فقد أبدى أحد قادة الحركة وجهة نظر الحركة من النظام بأن كلا منهما يسعى إلى الحفاظ على عناصر التعايش فيما بينهما كما يلي "العكايلة 1994" المعايطة 1994 ب:
أ - إدراك الجماعة لوضع الدولة وضعف إمكاناتها واعتمادها على الدعم الاقتصادي الخارجي لذلك فإن الحركة تتجنب إحراج النظام فيما لا طاقة له به·
ب - إدراك الحركة الإسلامية بأن الأردن ليس له مقومات الدولة الاسلامية وهذا طمأن النظام إلى أن هدف الحركة لا يقوم على السعي إلى استبداله دولة إسلامية بالنظام في الأردن·
ج - تعتبر الحركة - بما لها من قوة اجتماعية بين قطاعات المجتمع الأردني - عنصر أمان واستقرار للنظام ضد أية محاولات انقلابية عليه وذلك لما كان للجماعة من مواقف إيجابية في منتصف الخمسينات ضد مظاهرات القوى اليسارية التي سعت لإسقاط النظام وأن يستبدل به نظام آخر "ماركسي" يستهدف مظاهر الحياة الإسلامية بالدرجة الأولى·
د - تعتبر الحركة أن النظام القائم خير للأردن من كل الأنظمة اليسارية والأحزاب التي حكمت المنطقة وعادت الحركات الإسلامية فيها·
هـ تشكل الحركة عنصرا ضاغطا يعبر عن قيم المجتمع الإسلامي وثقافته في الأردن الأمر الذي يؤدي إلى احترام وجودها وتساهل النظام الذي يفهم كنه شعبه - في السماح لها بممارسة نشاطاتها الدعوية والاجتماعية والثقافية·
و - انتماء النظام الأردني إلى البيت الهاشمي الأمر الذي تكاد تستحيل معه الممارسة الوحشية والمجابهة المسلحة التي لقيتها الحركة الإسلامية في دول أخرى·
ز - إن الحركة ترفض العنف وتشجب الإرهاب ولا تؤمن بالتغيير القائم على الثروة بل تؤمن بالتغيير الهادىء على الاقناع والتدرج في الإصلاح وهذا الأمر يعتبر موضع قبول لدى النظام·
ح ـ المرونة في أوقات الشدة "الأزمات" سواء من قبل الحركة إذا كان النظام هو المبادر بتوتر الأجواء بالتشديد على الحركة ونشاطاتها أو كانت الحركة هي المبادرة بتصعيد المواقف ففي كلتا الحالتين يعكس النظام والحركة مرونة تجاه بعضهما بعضا بامتصاص التوتر والانحناء قليلا للعاصفة·
ط - التوازن في منهج الحركة بين ثوابتها ومنطلقاتها وبين محددات الواقع الأردني·
ي - مطالب الحركة هي مطالب إصلاحية تشمل جميع مجالات الحياة وتعتمد على أسس إسلامية وهذه المطالب في أقصى حالاتها لا ترقى إلى تهديد النظام ولا تشكل طرحا بديلا له ولذلك فإن النظام لا يرى فيها خطورة على استمراره أو استقراره·
وقد كان للشعور المشترك فيما بين الطرفين ثمار كثيرة ذات أهمية ظهرت في صورة إنجازات لم تتحقق في أية فترة سابقة ومن أهم هذه الانجازات ما يلي "العكايلة 1994":
1 - سادت فكرة سليمة عن الحركة بعد أن أزيلت المخاوف التي كانت تثيرها بعض الجهات وخصوصا ممن كانوا يسمون بالوطنين والقوميين ومن ثم تمت إزالة الحاجز النفسي الذي كان يفصل بين الحركة والآخرين·
2 - حضور نواب الإخوان - القوي والفعال - في اللجان البرلمانية المتخصصة مثل لجنة الحريات واللجنة القانونية ولجنة التحقيقات النيابية جعل الأداء - باستمرار - موضع تقدير المؤسسات الرسمية والإعلامية·
3 - المشاركة في إنجاز مجموعة من القوانين والتشريعات المهمة بما يلائم المصلحة العامة وحقوق المواطنين ويتفق مع الشريعة الإسلامية ومن ذلك قانون الأحزاب وقانون الدفاع وقانون رد الاعتبار والقانون الخاص بمحكمة العدل وقانون محكمة أمن الدولة وقانون إلغاء الأحكام العرفية وقانون تحريم الخمر·· الخ·
4 - أثمر الرأي والموقف الإسلامي عامة في كل المواقف والأحداث ودفع الحكومة إلى الالتزام به أو احترامه وتقديره أو سماعه على أقل تقدير·
5 - التنسيق والتعاون مع الفعاليات السياسية المختلفة - حكومية وحزبية ونقابية بكل ما يخدم الأمة والوطن·
6 - الفوز برئاسة المجلس ورئاسة كثير من اللجان النيابية وهو إنجاز يعبر عن تأثير الحركة وقدرتها على التنسيق والحشد·
7 - الاسهام في تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي كما ذكر آنفا·
8 - المساهمة في رد بعض الحقوق إلى أصحابها وشمل ذلك إعادة المفصولين والإفراج عن المعتقلين·
9 - تخفيف حالة الاحتقان والعداء مع الحكومة وحماية الحركة من محاولات جرها إلى صدام ـ مع النظام - لا يعود بالفائدة إلا على أعداء الحركة وأعداء الوطن·
10 - تنمية العلاقات مع المسؤولين المحليين في المحافظات والألوية والتعاون معهم في العمل والخدمة وحل المشكلات·
11 - دعم القضية الفلسطينية والسعي قدر الإمكان إلى دفع الحكومة للالتزام بما لا يضيع حقوق الفلسطينيين في أرضهم·
12 - دعم القضايا الإسلامية الأخرى مثل قضايا أفغانستان والبوسنة والهرسك··
13 - التفاعل مع الأحداث على الساحتين العربية والإسلامية من خلال إرسال البرقيات وحضور اللقاءات والمشاركة في النشاطات والاجتماعات·
14 - مواجهة الفساد المالي والإداري ومحاسبة الوزراء والحكومة وكبار المسؤولين والرقابة على أداء الأجهزة بما يحقق المصالح والمنافع ويحمي البلد ومؤسساته من الإهمال والعبث والفساد·
15 ـ نشر الفكر والدعوة وخدمة القضايا الإسلامية·
16 - الإسهام في تحقيق كثير من المشروعات والخدمات العامة مثل كلية الشريعة في جامعة اليرموك·
وعلى الرغم من عدم تحقق بعض هذه الأمور فإن إصرار الجماعة على ضرورة تحقيقها كان دافعا قويا لها للعمل على ضرورة المتابعة والتأكيد المستمر عليها وكانت هذه الأمور تخضع للمساومة بين الجماعة والحكومة·
في نهاية المطاف يمكن القول إنه خلال هذه الفترة كان للظروف الداخلية أكبر الأثر في استمرار العلاقة بين الجماعة والنظام الأردني وعلى الرغم من تذبذب العلاقة نتيجة لهذه العوامل فإن التعايش فيما بينهما ظل هو السمة الغالبة على هذه العلاقة·
أما بالنسبة للظروف الخارجية فإنه لم تكن على مستوى تأثير البيئة الداخلية التي أمدت الجماعة بالدور الأهم منذ تأسيسها في مجالات الحياة السياسية ولكنها اتسمت في فترات بالفتور والجفاء في العلاقات وخصوصا فيما يتعلق بعلاقات النظام الأردني بالخارج كمفاوضات السلام وبعدها معاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية ومن ذلك المنطلق نستطيع القول إن البيئة الداخلية بكل أبعادها استطاعت أن تحدد العلاقة بين الطرفين وبنسبة أقل العوامل الخارجية خلال هذه الفترة وهذا ما ميز الجماعة عن غيرها من الجماعات والأحزاب السياسية الأخرى وتمثل ذلك في عدم مناصبتها العداء الدائم للنظام وإنما هناك تبدل وتغير حسب الظروف والمتغيرات والمواقف مما انعكس إيجابيا على العلاقة بين الطرفين وبالتالي أبقت الجماعة على طابعها المميز في علاقتها مع النظام·
المرحلة الخامسة: مرحلة الانحسار وتراجع دور الجماعة "مقاطعة انتخابات 1997" خلال هذه المرحلة تراجع دور الجماعة وذلك لعدة أسباب من أهمها:
1 - الانقسام داخل الجماعة إلى ما يسمى بالصقور والحمائم أو المعتدلين والمتشددين والواضح أن العلاقة مع السلطة في أمور مثل - المشاركة في الانتخابات والمشاركة في الوزارة وعملية السلام ومقاومة التطبيع قامت بدور مهم في هذه الخلافات·
2 - الظروف الداخلية للمملكة وخصوصا إصرار النظام على تطبيقات المعاهدة الأردنية الاسرائيلية والسياسات الاقتصادية غير المجدية كل هذه العوامل أفرزت قرار الجماعة بمقاطعة انتخابات 1997، وذلك قبل نحو خمسة عشر أسبوعا على موعد الانتخابات وبذلك صممت الجماعة على أن تستقل بنفسها عن النظام السياسي الذي طالما قدم لها العون والدعم وذلك لأنها تعتقد أنها تدفع ثمن اشتراكها في البرلمان - مع انخفاض مستوى العمل البرلماني - في الوقت الذي تقوم فيه الحكومات الأخيرة بالعمل بسياسات غير شعبية سواء في مضمار مواصلة السير في عملية السلام مع اسرائيل أو على صعيد السياسات الاقتصادية أو نحو التوجه الديمقراطي وقد ساند هذا التوجه لدى الجماعة ما تعتقده من وجود سياسات متعمدة لدى أجهزة الحكم وخصوصا السلطة التنفيذية من أجل إضعاف نفوذها في أجهزة الدولة وخصوصا في المواقع القيادية·
مهما كانت التبريرات المختلفة لقرار المقاطعة - سواء أكانت احتجاجا على تراجع النهج الديمقراطي أم على سياسات الحكومة المختلفة أم سياساتها المتعلقة بعملية السلام مع اسرائيل - فهناك أسباب تكمن في الحركة الإسلامية ذاتها بشكل عام والجماعة بشكل خاص وجوهر هذه الخلافات الداخلية يكمن في الاختلاف على موقفها من المشاركة في مؤسسات النظام السياسي "البرلمان أو السلطة التنفيذية" بين تيار الصقور الرافض والذي يكفر المشاركة في الحكومة ويضع قيودا فكرية وسياسية على المشاركة في السلطة التشريعية "البرلمان" بين هؤلاء وبين تيار الحمائم التيار المعتدل الذي يتراوح موقفه بين تأييد المشاركة في البرلمان والحكومة دون أي تحفظ وبين القبول بالمشاركة البرلمانية ولكنه يضع قيودا على المشاركة في الحكومة فبعض المعتدلين يدعون للمشاركة انسجاما مع اقتناعهم بضرورة التفاعل الكلي مع الحياة السياسية الأردنية التي يرعاها القصر "شومان 1997: 114"·
وقد عمق من هوة الخلاف أن كل طرف كان يجد في الأحداث والوقائع ما يؤكد موقفه وتعزز ذلك بتدهور المكانة المعنوية للبرلمان كمؤسسة وكذلك فقد عمق من ميل القيادات المختلفة "بمن فيهم من المعتدلين" إلى المقاطعة شعورهم بأن نظام الحكم يسعى إلى إضعاف الجماعة عن طريق تشجيع رموزها البرلمانية المعتدلة على الانفصال عنها مما أدى بطريقة غير مباشرة إلى تقوية حجج التيار المتشدد الذي يدعو إلى المقاطعة وهذا بدوره أدى إلى توفير مناخ تضامني متكافل داخل الجماعة وحد تياراتها وضيق الهوة بين تيارات الجماعة المختلفة·
أما بالنسبة للنظام السياسي فإن قرار المقاطعة قد ألحق ضررا بصورته وألقى بظلال من الشك على طابعه التعددي وألحق الأذى بالعملية الديمقراطية نفسها التي تعتبر أن مسؤولية تطويرها لا تقع على مؤسسات الحكم وحدها وإنما تقع على جميع أفراد المجتمع مما تطلب مواصلة العمل السياسي الديمقراطي من قبل الجماعة وذلك بعدولها عن قرار المقاطعة حتى ولو كان ذلك على حساب فقدان بعض المقاعد النيابية·
ومن ناحية أخرى فقد ترتب على قرار المقاطعة أن تحذو قطاعات مهمة من الحركة السياسية والنقابات حذو الجماعة مما أدى إلى إخلاء مواقع هذه القوى في البرلمان فأفسحت المجال أمام القوى المحافظة لتنفرد بالبرلمان وأصبح هناك تأييد صريح من بعض القوى المعارضة كما عارضت النقابات المهنية الانتخابات ترشيحا واقتراعا·
والأكثر أهمية من ذلك أن مقاطعة الانتخابات أصبحت كما يقول هاني الحوراني: "بمثابة كرة ثلج يتعاظم حجمها كلما تسارع تدحرجها" ومن ناحية أخرى فإن قطاعات واسعة من المواطنين الذين استفزتهم سياسات الحكومة المختلفة وجدت نفسها متعاطفة مع قرار المقاطعة فما كان من الحكومة إلا أن أعلنت استعدادها للحوار مع جماعة الإخوان المسلمين "الحوراني وآخرون 1997" وكان نتيجة ذلك "اللاحوار" أنه لم يصل إلى نتيجة ملموسة لأن الجماعة اعتبرته مناورة إعلامية وفي المقابل فإن الحكومة وجدت نفسها في موقف لا يثنيها عن قرارات اتخذتها من خلال الحوار ولذا فقد خلا مجلس النواب الثالث عشر من القوى الأساسية للحركة الإسلامية إلا من بعض الأشخاص الذين ترشحوا وفازوا بطريقة شخصية·
ومهما كان من أمر فإن قرار المقاطعة قد أفسد العلاقة مع نظام الحكم نظرا لما كان له من ثمار ونتائج على النظام نفسه وخصوصا بعد سعيه المتواصل ومناداته المتكررة بالتعددية السياسية أمام المجتمع الإقليمي والدولي الذي يراقب ما يجري في الداخل واحتفظ كل منهما بموقفه، ولكن النتيجة هي التباعد بين الطرفين وخصوصا بعد أن فرضت الجماعة وجودها على حساب الحزب حزب جبهة العمل الإسلامي لأنه لم يكتسب الهوية المتميزة الخاصة به مما أدى إلى إضعاف مصداقيته كحزب سياسي لذا فكما يقول البعض إن قرار المقاطعة "يشكل نقطة تحول في تاريخ العمل السياسي في الأردن ويلقي الضوء على جملة من القضايا ولعل في طليعتها علاقة الجماعة بالنظام السياسي الأردني ودورها في هذا النظام"·
ومن جهة أخرى فقد أفرزت الانتخابات معارضة ضئيلة التأثير داخل مجلس النواب وأصبحت الحكومة تتمتع بأغلبية مريحة في الوقت الذي تحتاج فيه إلى أهمية وجود المعارضة كجزء من النظام السياسي إذا أريد ترسيخ النهج الديمقراطي ليشمل معظم فئات الشعب والخوف كل الخوف من التضييق المتعمد على الجماعة من قبل الحكومة أو من نظام الحكم وبالتالي فإنها تواجه الخطر الذي واجهته الأحزاب في نهاية الخمسينات ومن كل هذا يتضح أن للعوامل الداخلية الدور الأهم في تشكيل العلاقة بين الجماعات ومؤسسات النظام حتى إنها أوحت إلى الجماعة بضرورة مقاطعة انتخابات 1997 وبالتالي أبقت الجماعة على عناصر خصوصيتها الداخلية وخرجت عن مألوف عادتها في علاقتها بالنظام السياسي وذلك لأن عوامل التقارب مع النظام كانت أقل تأثيرا من عوامل الفرقة والابتعاد·
خاتمة
من خلال عرضنا لموضع الدراسة وبحثنا في العوامل الداخلية "البيئة الداخلية" والعوامل الخارجية "البيئة الخارجية" منذ تأسيس الجماعة في الأردن عام 1946 وحتى انتخابات 1997 فقد وقفنا على هذه العوامل والظروف حسب المراحل التي مرت بها الدراسة لتبيان السمة الغالبة والطبيعة المتميزة لخصوصية العلاقة بين الطرفين مع احتفاظ الجماعة بتميزها عن سائر القوى السيباسية الأخرى·
ففي المرحلة الأولى كان للعوامل الداخلية - ومن أبرزها شخصية الملك عبدالله وكذلك الظروف الخارجية المتمثلة في العداء لأعداء الإخوان في مصر والعداء للشيوعية والذي شكل قاسما مشتركا بين الإخوان ونظام الحكم - دور كبير في توطيد العلاقة بين الطرفين أما في المرحلة الثانية "مرحلة المد اليساري" فقد تذبذبت العلاقة بين الطرفين وكان للبيئة الخارجية الدور الأكبر وخصوصا بعد أن أمدتها البيئة الداخلية بالصيغة القانونية التنظيمية المتعلقة بانتقاد الجماعة لحلف بغداد ومشروع ايزونهاور وبذلك كان هناك ترابط بين الظروف والعوامل الداخلية والخارجية في تحديد علاقتهم بمؤسسة العرش دون تعرضهم لخطر الإبادة أو الملاحقة فشاركوا في انتخابات 56 - 36 - 1967، وقد انعكس ذلك إيجابيا على مستقبل العلاقة فيما بينهما مع الاحتفاظ بعلاقات متميزة·
أما في المرحلة الثالثة الممتدة من حرب 1967 وحتى الانتخابات النيابية 1989 فإن البيئة الخارجية بأحداثها أعطت التأثير الأهم للجماعة "وتمثل ذلك في حرب 67 وثورة إيران والحرب العراقية - الإيرانية" وقد أمدهم ذلك بقدرة فائقة على تخطي الأزمات الداخلية والتعايش مع النظام وتشكيلهم المعارضة الإيجابية لصالح الوطن مما قربهم من النظام بعد أن شعر بثقلهم وبحضورهم الفعال على الساحة الأردنية السياسية·
وفي المرحلة الرابعة الممتدة من انتخابات 1989 وحتى منتصف التسعينات كان للظروف الداخلية الأثر الأكبر في تذبذب العلاقة بين الطرفين "كما رأينا في الانتخابات وقانون الأحزاب وقانون الصوت الواحد ومفاوضات السلام" عندما أعطت الجماعة الثقة للنظام وشعرت بضرورة التعايش معه على أسس من الحوار أما بالنسبة للظروف الخارجية فقد انعكست سلبا على علاقة الطرفين عندما قامت الجماعة بالنقد لعلاقات النظام بالأطراف الخارجية "بأمريكا واسرائيل" مثل رفضهم معاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية·· الخ·
وفي المرحلة الأخيرة، المرحلة الخامسة، مرحلة تراجع الإخوان ومقاطعتهم للعمل البرلماني - مقاطعتهم لانتخابات 1997 - نتيجة لعوامل داخلية فإنهم قد أفسحوا المجال أمام خصومهم ليضعوا حدا لعلاقتهم المتميزة السابقة بالنظام ولكن المعرفة التاريخية من قبل النظام للجماعة أدت إلى محاولة الحكومات أن تثنيهم عن موقفهم ولكن لم تجد نفعا وعلى المستوى الداخلي للجماعة فقد أدى قرارهم إلى ازدياد الهوة بين المعتدلين والمتشددين منهم مما أدى في المحصلة النهائية إلى خروج كثير منهم من عضوية الجماعة ليخوضوا الانتخابات وبعضهم حالفه الحظ فنجح وانعكس - كل ذلك - سلبا على دور الجماعة في الحياة البرلمانية والسياسية بشكل عام وكان الخوف من هذا التراجع أن ينعكس كذلك سلبا على العلاقة مع النظام وبالتالي تفقد الجماعة رصيدها الشعبي وتصبح عرضة أكثر من أي وقت مضى للتهميش والملاحقة ولكن هذه الظروف الداخلية أصبحت عرضة للتغير فسرعان ما تتبدل ليعود الانسجام والتعايش فيما بين الطرفين لأن التجربة السابقة تخبرنا بمدى حرص النظام والجماعة على التعايش·
وعلى الرغم من هذا التذبذب في العلاقات بين النظام والجماعة نستطيع أن نخلص إلى أنه لا توجد علاقات عدائية محضة وأن كلا منهما استطاع أن يمتص العداء النسبي للآخر حتى يتعايش كل منهما مع الآخر وقد ظهر ذلك في عدم سلوك الإخوان الأسلوب المسلح ضد النظام وفي المقابل عدم التضييق الشديد على الإخوان من قبل مؤسسة العرش على الرغم من بعض الظروف الخارجية التي كانت تدعم طرفا دعما نسبيا على حساب الآخر وأحيانا بعض الظروف الداخلية ولكن النتيجة عدم القدرة على إعطاء أي من البيئتين "الداخلية والخارجية" تفوقا على الأخرى في نهاية الدراسة وكان الحكم نسبيا للغاية·
ولذلك فكثيرا ما تم اتهام جماعة الإخوان في الأردن بمواكبة حركة النظام الهاشمي والتقاطع مع سياساته الداخلية والخارجية الأمر الذي أدى إلى احتفاظها بمواقفها وشعبيتها كما أدى إلى أن تكون موضع إدانة من مجمع التيارات والقوى السياسية الأردنية الأخرى "التي رأت في المسألة تحالفا غير معلن بين الإخوان والقصر" أو "أن هنالك تكيفا إخوانيا مع انعطافات النظام الهاشمي واكب حركة الإسلاميين الأردنيين منذ نشأتهم "شومان 1997:109"
لكل ذلك فإن بعض الباحثين لا يرى خلافا ما بين النظام والجماعة الإسلامية وإنما هنالك مصالح متبادلة بينهما وعلى الرغم من علاقات التقارب والمصلحة المتبادلة بين العرش والاخوان فقد مرت بين الملك حسين والإسلاميين في الأردن فترات من التجاذب والصراع "روبنسن 1994:37"، وفوق ذلك كله فإن الملك باعتباره سياسيا بارعا محنكا كان قادرا على حسن تقدير دور القوى الداخلية والخارجية التي يتعامل معها وكما يقول إخواني سابق إن الإخوان لم يكونوا في حالة صدام مع النظام والسبب هو ذكاء النظام وذكاء جماعة الإخوان المسلمين في وقت واحد النظام الأردني لم يختر أسلوب المواجهة والتصادم مع "الجماعة" وإن كانت بعض الفترات التي مرت شهدت تضييقا شديدا على جماعة الإخوان المسلمين "عبدالكاظم 1997:40"
من ذلك كله يمكن القول: إن المستقبل يحمل في طياته إمكانية التعايش بين النظام الأردني والجماعة حيث يقدم الإخوان النافذة التي تتنفس من خلالها إحباطات المجتمع الأردني فيدوم، ويكرس دور الإخوان الخاص في الحياة السياسية الأردنية "روبنسن 1994:53" وهذا ما عبر عنه كثيرون من خلال النظر إلى الماضي التعايشي فيما بين الطرفين وحاجة كل منهما للاخر وخصوصا في أيام المحن والشدائد، ومن ناحية أخرى فإن كلا الطرفين يحاول أن يصل إلى معادلة متوازنة تجاه الآخر، وذلك نتيجة لخبرات تراكمية تولدت من خلال اقتناع كل منهما بضرورة المحافظة على التوازن في تعامل كل منهما مع الآخر تحقيقا للمصلة العامة للمجتمع والتي يهدف كل منهما - في نهاية المطاف - إلى توكيدها وكذلك فإن التعامل السلمي بين الطرفين يعطي النظام نوعا من الشرعية وخصوصا بعد اتساع القاعدة الشعبية للجماعة مما يصب ـ في نهاية الأمر - في صالح بقائه·
وفي نهاية المطاف يمكن القول: إنه على الرغم من تذبذب العلاقة بين الطرفين في بعض الفترات ومن خلال المحددات التي حكمت علاقة كل طرف بالآخر فإنها سرعان ما كانت تعود إلى طبيعتها التعايشية بعد أن أدت مؤسسة العرش دورا مهما في إنجاح تجربة التعايش مع الحركات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان، واحتفاظ الأخيرة بعناصر خصوصيتها وتميزها في عملها وأدائها عن سائر القوى السياسية الأخرى·
* عن مجلة "العلوم الاجتماعية"
** أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية - جامعة مؤتة - الأردن·