· الحكومة هي المتهم الرئيسي في رعاية بيئة تفريخ جماعات الإرهاب
· المتعصبون يهددون الكويتيين بالنفق المظلم وصباح الأحمد يقول إن أي نفق مظلم سيكون من الصحافة!!
كتب محرر الشؤون السياسية:
قامت فجر أمس عناصر تخريبية بإطلاق الرصاص على حسينية الياسين في منطقة المنصورية على تقاطع الدائري الثاني وشارع المغرب ولاذت بالفرار· ويأتي إطلاق الرصاص في السابع من محرم قبل ثلاثة أيام من ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه في عملية استفزاز لإثارة الفتنة الطائفية، بعد أن روعت البلاد خلال الأسبوع الماضي بالحادث الإرهابي الذي هز المجتمع الكويتي من أقصاه الى أقصاه حين اعتدت عصر الأربعاء الماضي عصابة من المتطرفين الدينيين على فتاة كويتية فقصوا شعرها وكسروا ذراعها وجرحوها في أنحاء متفرقة من جسدها جراحا بليغة ضرباً بالسوط الحديدي، وذلك في رابعة النهار·
ويأتي الحادث الجديد استجابة وتتويجا واتساقا مع البيان الذي أصدره تسعة من نواب التطرف والعصبية وقد ساءهم أن ينتفض المجتمع ضد ما اقترفته الجماعات الدينية المتعصبة من اعتداء على قيم المجتمع ودستوره وأمنه واستقراره، حيث لوحوا بدخول الكويت والكويتيين في نفق مظلم وتحويل الكويت الى مسارات العنف التي وصلت إليها دول أخرى مثل الجزائر إذا ما جوبهت تلك التيارات والبيئات التي تنتجها بما يتطلبه أمن البلاد من حزم·
كما يأتي الحادث الإرهابي الجديد ردا مفحما على التصريحين المتعجلين اللذين أطلقهما الشيخ صباح الأحمد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية للرأي العام، الأول يوم الجمعة الماضي حين تمنى "ألاّ يُعطى الموضوع أكثر من حجمه"·· والثاني صبيحة أمس الثلاثاء إثر اجتماع مع نواب التعصب والتأسلم السياسي وقبل أن ينتشر خبر إطلاق الرصاص حيث ألقى اللوم على الصحافة الكويتية حين سئل عن تعليقه على بيان نواب التعصب الذين أخذوا يحذرون أهل الكويت من التصعيد ويهددونهم بدخول النفق المظلم حيث أجاب: "أي نفق مظلم سيكون من الصحافة"!!
ولم تساعد تصريحات الشيخ صباح على تبديد القناعات الشعبية التي تكونت منذ أمد وتأكدت وأعرب عنها بشدة هذا الأسبوع من أن الحكومة هي التي كانت راعية ومشجعة لوجود الأرض الخصبة التي أنبتت جماعات التطرف والتعصب الديني وهي التي تشرف على جميع أعمال الإرهاب التي شهدتها الكويت خلال عقد من الزمن ليس حفاظا على أمن الكويت بل مراعاة لمصالح خاصة قصيرة النظر وضعت في مقابل كل مستقبل الكويت وأمنها، مما جعل المواطنين يوجهون أصابع الاتهام الى الحكومة على أنها هي المتهم الرئيسي والأول في الأحداث·
وتأتي وقائع الأسبوع الماضي المثيرة التي شحنت الساحة السياسية والاجتماعية في الكويت على عدة محاور مثيرة:
المحور الأول: الحادثة
كانت الحادثة التي تعرضت لها طالبة المعهد التجاري صدمة عنيفة على المجتمع الكويتي حيث شكلت نقلة نوعية في عمليات الإرهاب من حيث طبيعة الهدف الذي وجهت إليه ومن حيث فرض الوصاية بالسيف المشهر على الناس سلوكهم وأخلاقهم وحرياتهم وحقوقهم التي كفلها القانون والدستور واغتصاب دور الأسرة ودور الدولة ودور القضاة ودور الشرطة، وتنفيذهم عمليتهم في وضح النهار باستهتار لم يسبق له مثيل، مما أصاب الناس بالهلع وترددت أصداؤه في طول الشارع الكويتي وعرضه وعم القلق مما جعل أهل الكويت ولأول مرة يتداولون فيما إذا كان الشارع آمنا لكي تخرج بناتهم وزوجاتهم ليقضين حاجاتهن أو ليمارسن حياتهن المعتادة·
لكن سرعة القبض على الجناة هدأت من روع الناس آنيا وبقي كثير من الأسئلة حول مستقبل البلد وأمنها وأمن أهلها عالقاً ينتظر الإجابة الشافية لم تبددها تطمينات المسؤولين الروتينية·
رجال الأمن ودور الحكومة
في سرعة البرق ألقى رجال الأمن القبض على 21 متهما يشكلون إحدى فصائل تنظيمات التطرف في الكويت، وخلال ساعات اعترفت مجموعة منهم بارتكاب الحادث تخطيطا وتنفيذا كما اعترف آخرون بارتكاب أعمال أخرى آثر ضحاياها عدم التقدم ببلاغات ضدها خوفا من التشهير والفضيحة التي تمارسها الأحزاب الدينية ضد من يعترض أعمالها الجائرة أو أعمال حلفائها وأقرانها الآن من تشهير بالغمز واللمز أو بالتصريح الذي يمارسه النائبان وليد الطبطبائي وأحمد باقر في دفاع مستميت لا يفهم إلا أنه دفاع عن الإرهابيين·
وبينما ترددت أنباء عن اطلاق سراح بعض المقبوض عليهم من قبل النيابة لا يزال التحقيق جاريا مع سبعة متهمين هم: جابر الجلاهمة وإسماعيل البصيري وسامي سعد بلال وخالد فهيد المطيري وعبداللطيف حسن الفاضل ومحمد عبدالله الدوسري وحامد ماضي العازمي·
واكتشف رجال الأمن أيضا أن التنظيم الإرهابي ينخرط بعض من عناصره في القوات المسلحة الكويتية حيث إن اثنين من أعضائه الذين تم الكشف عنهم هما في الحرس الوطني المؤتمن على حراسة وحماية البلاد من الداخل حكومة ومنشآت وطنية ومجتمعاً·
كما عثر رجال الأمن أثناء تفتيشهم على أسلحة كان يخفيها التنظيم· لكن سرعة رجال الأمن في القبض على الجناة رغم أنها برأت الجهاز الأمني من التقصير إذ إن ذلك يعني أن رجال الأمن كانوا يعرفون التنظيم الإرهابي جيدا ويراقبونه ويعرفون حركاته وسكناته· إلا أن تلك السرعة الصاروخية تبين وبشدة أن أصحاب القرار من وزير الداخلية وأقطاب في السلطة كانوا لا شك يعرفون ما يدور ويتسترون عليه استخفافا بالمخاطر التي يمكن أن يتعرض أمن واستقرار البلاد لها، وهذا هو الأسوأ والأقرب الى الواقع، مراعاة للحركات الدينية المتعصبة التي تتخذ الدين غطاء لأهدافها السياسية في الهيمنة على البلاد والسيطرة على مقاديرها·
الناس يقولون إن ما يحدث في الكويت ليس وليد الساعة بل هو نتيجة سياسات اختطتها السلطة بتشجيع الأحزاب الدينية ورعايتها وأغدقت عليها الامتيازات والأموال بهدف محاربة القوى الديمقراطية المتمسكة بالدستور وبالمشاركة الشعبية الكاملة في وجه من كانوا ولا يزالون يريدون الانقضاض على الدستور والديمقراطية وحقوق الشعب في ممارسة دورهم في بلدهم، فمنذ حل المجلس عام 1976 وضم رئيس جمعية الإصلاح في حكومة الحل مكافأة لهم على رفضهم توقيع الهيئات الشعبية بإدانة الحل، سُلم الإخوان ثم بقية التيارات الدينية مهمة مواجهة القوى الديمقراطية ومحاولة تحطيم البناء الفكري والنفسي والثقافي للمجتمع الكويتي حيث سُلموا وزارة التعليم وأحدثوا تغيرات في المناهج لتخريب عقول النشء وسُُلموا الأوقاف والمساجد التي تحولت الى أوكار تنظيمية وأُنشئت لهم مدرسة لا تحتاج إليها الكويت لتخريج الكوادر الحزبية هي كلية الشريعة ومنحوا المؤسسات المالية ذات الامتيازات الضخمة وفتحت لهم أبواب جمع التبرعات التي لا يسيطر عليها أحد والتي استخدموا منابر المساجد التي هيمنوا عليها لحض الناس على أدائها· وتحالفوا معهم في الانتخابات الى أن انتشروا وغزوا أوساط القبائل المحافظة مما أوجد مزيجا متفجرا بين المحافظة والتعصب·
ورغم أن خطورة انتشار التنظيمات الدينية قد أصبحت واضحة للعالم حيث إنها تفرخ التنظيمات المتطرفة ذات التعصب الأعمى ورغم أن شظايا تلك التنظيمات قد تحولت الى تنظيمات تكفيرية، مثل حركة "التكفير والهجرة" وغيرها ممن صوبوا بنادقهم الى رأس من رعاهم مثل السادات إلا أن العبرة لم تؤخذ في الكويت مثلما أخذت في جميع أنحاء المعمورة ليس لأننا بشر من نوع مختلف ولكن لقصر شديد في النظر في تقدير المخاطر ولأن الحسابات الخاصة في الصراعات الجانبية على السلطة غلبت محاولات احتواء وتجيير العلاقات مع الجماعات المتطرفة لصالح طرف ضد طرف في صدام مباشر مع مصالح الوطن· وهكذا شهدت البلاد عقدا كاملا من تستر أطراف أساسية في السلطة على جميع أحداث الإخلال بالأمن والعنف فأصبح اكتشاف مخزونات السلاح الذي اكتشف في الصليبية من قبل خلية إرهابية ليس خطرا على الأمن وإنما كان قد جمع وخبئ بحسن نية لإرساله الى البوسنة، واختفى كل أثر لمرتكبي مطلقي الرصاص على كلية الطب ومفجري محلات الفيديو وملقي قنابل الغاز على احتفالات الجامعة ومغتالي السيخ على شاطئ البحر وكذلك لم يسمع أحد عن التحقيق فيمن قام بتهريب كميات هائلة من الأسلحة وبشكل محترف في إحدى مزارع الوفرة التي يملكها أحد المتطرفين·
وقبل أسابيع أججت الساحة المحلية بالهجوم الشرس الذي شن على وزير التربية بحجة حضوره مسرحية في مدرسة بنات كانت تقام كل عام ويحضرها كل من سبقوه من وزراء وصعد جو التوتر والتطرف الديني في خطب المساجد التي ترعاها وزارة الأوقاف وهي جزء من الحكومة ثم فوجئ الناس بالتصعيد البالغ الذي مارسته الأحزاب الدينية في مظاهرات الشيشان وظهور المتطرفين يضربون بالسكاكين دمية الرئيس الروسي مذكرة الناس بسكاكين الجزائر التي ينحرون بها أبناء وطنهم من رجال ونساء وأطفال والذين يحللون باسم الدين أيضا اختطاف النساء من بنات وطنهم واغتصابهن·
سكاكين الجزائر هذه كانت ماثلة لدى الناس يوم اعتدى الجناة على الطالبة الكويتية يوم الأربعاء الماضي، فمن يضمن ألا يتحول قص الشعر والضرب بالسياط الى سكين تغرس في الظهر في موقف سيارات منعزل؟!
الجماعات الدينية
أبشع ما في الموضوع، هو أن الاعتداء الذي تم والذي استنكره أهل الكويت استنكارا غير مسبوق أنه قوبل ليس بفتور من قبل الجماعات الدينية المحلية بل اعتبر أن هذا الاستنكار يستهدف المتدينين بل والدين ذاته، ومع أن جماعة منهم شجبت الاعتداء إلا أنها سعت بكل ما تستطيع أن تحصره حتى لا يتوسع التحقيق ليقضي على أسباب التطرف في البلاد، كما سعت من ناحية أخرى بدلا من مواساة أهل الضحية والمطالبة بالتشدد بالضرب على أيدي مرتكبي الجرائم ومحرضيهم ومموليهم قامت بكيل التهم والتلويح بالتشهير بأعراض الناس في دفاع مستميت عن الجناة لكن أغرب ما صدر من الجماعات الدينية وأكثرها جرأة هو البيان المتعصب الذي أصدره تسعة من النواب معظمهم من الأحزاب المتأسلمة وبعضهم متعصبون ومتسلقون·
فبينما غطى البيان على أهدافه الحقيقية باستنكار الحادث إلا أنه أسفر عن وجه التيارات الدينية المظلم المتعصب عندما هدد بأن "وصف هذه الأحداث بالظواهر، ووصم التيار الإسلامي بأنه يتبنى مثل هذه الأفعال أو يشجعها ويدافع عنها لهو جر للمجتمع للوقوع في نفق مظلم لا يعلم إلا الله نهايته·
كما أننا ننأى بالحكومة وأجهزتها المعنية أن تتعامل مع هذه الحوادث بطريقة متعجلة غير مدروسة تؤدي بنا الى ما آلت إليه مجتمعات أخرى في وطننا العربي التي مزقتها نار الفتنة والتطرف والمغالاة"·
لقد أصبح نواب التطرف الديني والتعصب يلوحون للحكومة والكويتيين بتجربة الجزائر، مما يعني أنهم على علم بأن هناك ظواهر في الكويت منتشرة ولها حجم وقوة بأن تشعل نار الفتنة وتنزل بالناس تقتيلا وضربا كما حدث في مجازر الجزائر (بلاد عربية أخرى)·
ولقد فضح نوايا أولئك وادعاءاتهم وبين موقفهم الحقيقي من أنهم ليسوا كما قالوا برفضهم القاطع لكل أشكال الخروج على القانون مهما كانت المبررات لأننا في دولة مؤسسات نقول فضح ادعاءاتهم ما قاموا به حين قابل (11) نائبا منهم وزير الداخلية مطالبين بعدم معاملة المجرمين كجناة رغم اعترافهم بل انتظار أحكام القضاء واحتجاجهم على نشر صورهم في الجرائد·
وينتظر الكويتيون بقلق كبير ما ستسفر عنه التطورات إلا أن قطاعات واسعة من الشعب أبدت رأيها من أنها لا تثق بالبيانات التي تطلقها الحكومة عن نيتها باتخاذ أي إجراء صارم يمكن أن يكون صمام أمن للمستقبل·