الحاسة السابعة!
ركان الصفدي
(1)
يطل الإنسان على العالم الخارجي من نوافذه الخمس: العين، والأذن، والفم، والأنف، والجلد، فهي وسائله الأولى للمعرفة، بها يعرف العالم فيعرف نفسه، تدخل إليه العالم الخارجي ليحدد هو موقعه وموقفه منه، لذلك نرى أن المعرفة كانت دائما تبدأ من الآخر، وتنتهي الى الذات· قانون طبيعي وعادل، يقول إن هدف الكون وغايته هو الإنسان، ولكن الإنسان لا يكتفي بتلقي الآخر وإنما يسعى دائما الى الفعل أو العمل، والخروج من الذات الى الآخر هو الإبداع·
(2)
كما أن على الإنسان أن يفتح نوافذه دائما ليجدد جو البيت، عليه أن يفتح نوافذ معرفته أيضا ليجدد عالمه الداخلي، وإن كان يفعل هذا تلقائيا فإن ما يميز إنسانا من آخر هو وقفة التأمل أمام كل نافذة، إذ لا يكفي أن يلقي المرء نظرة عابرة من النافذة لا تترك في نفسه أثرا، بل ينبغي أن يعيش هذه النظرة بكل ما تزخر به من حياة ولو للحظات··· هكذا تقول لنا الطبيعة: إن نافذة واحدة لا تكفي، فالمعرفة ليست أحادية·
(3)
لا يستخدم الإنسان حواسه الخمس بالدرجة نفسها، فهي ليست على المستوى نفسه من الضرورة والرقي، ولعل أعظم حاستين "نافذتين" هما النظر والسمع، إذ بهما تصل المعرفة الى أعلى درجاتها من السمو، التعلم والبحث· وقد تحل حاسة منهما محل الأخرى، فالأعمى يوظف حاسة السمع توظيفا عاليا، والأصم يستخدم حاسة النظر استخداما مضاعفا· ومع ذلك تظل حاسة النظر النافذة الأوسع والأجمل في بيتنا الإنساني لأنها تجعلنا ألصق بما هو خارجنا، وتتيح لنا قدرة أكبر على التأمل والحرية والاختيار، ولأنها حاسة اختيارية نجد أن الإنسان يتحكم بها كما يشاء، يفتح عينيه أو يغمضهما، فهي إذاً أقرب الى تلخيص حالة المعرفة، تجعل الإنسان حرا في انتقاء ما يريد من عناصر المعرفة والعالم الخارجي· وميزة هذه النافذة أنها حين تغلق تنفتح نافذة أخرى أعظم وأخطر، نافذة البصيرة··· ومن محاسن اللغة العربية أنها وحدت بين الفعلين "رأى" البصري و"رأى" القلبي أو البصيري كما وحدت بين البصر والبصيرة، والمشاهدة والشهود "الحضور"، ولذلك تعمق الصوفيون في هذه الأفعال وتأملوا أحوالها أكثر من غيرهم·
(4)
الكاتب عبدالسلام بنعبد العالي رأى في كتابه "ثقافة الأذن وثقافة العين" بعدا آخر للمسألة، فقال إن ثقافة الأذن هي ثقافة سلطة فكل سمع طاعة "تلك اللازمة التي تعني الامتثال المطلق في تراثنا"، وثقافة العين ثقافة نقدية تؤمن بأن التأويل يتعدد، وأن المنظورات تختلف، وأن كل معرفة تصحيح لأخطاء·
ولو أخذنا هذا الكلام بعموميته لوجدناه صحيحا، فإن الحاكم يقود شعبه من أذنه "أليس شد الأذن أشد أنواع العقاب والامتهان؟"، حين يسمع شعبه خطاباته ومشروعاته العظيمة، ويبلغه قراراته وإراداته السامية، وحين لا يسمح لشعبه أن يراه أو يرى أعماله، وهذا الوضع هو الذي خلق حالة المعارضة السلبية التي تعزز الجهل كما يعززها الجهل، الحالة التي خلقت في بلادنا العربية سوادا أعظم من القرود الهندية التي لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم!
(5)
العصر الحديث يتجه الى توطيد الثقافة البصرية، كالانتقال من المذياع الى التلفزيون ثم الإنترنت، وهو دلالة على تطور الحالة الإنسانية قبل كل شيء التي وجدت تطبيقاتها العلمية والعملية في التكنولوجيا الحديثة، مما يدفعنا الى الشك بمشروع الكتاب المسموع الذي لا نراه مشروعا تقدميا بقدر ما هو تعزيز حالة الكسل باستخدام التقنية الحديثة، وإذا كان مطلوبا الآن فما هو إلا لتردي الوضع الثقافي والتعليمي عندنا، فهو في المحصلة "تكريس حالة" لا تغييرها·
(6)
لو سأل المواطن العربي نفسه: على أي شيء يفتح نوافذه المعرفية، لوجد أن إطلالاته فقيرة جدا وتافهة وشاحبة· فهو لا يسمع إلا الكذب، ولا يرى إلا الظلم، ولا يشم إلا رائحة الخيانة والمؤامرة، ولا يتذوق إلا ملح عرقه ودمه، ولا يتلمس إلا دربه في متاهة الظلام· ولذلك قويت عنده الحاسة السادسة التي يستطيع بها استشعار الخطر قبل أن يقع، كشعور الفريسة الضعيفة وهي تتنقل في أرض متوحشة حافلة بالأنياب والمخالب·
(7)
الأمة العربية تكاد تستعصي على فلسفة المعرفة، لا لأنها متخلفة فقط فقد يكون للتخلف أسبابه الموضوعية، وإنما لأنها لا تمتلك حتى الآن الدافع الذاتي للوعي والمعرفة··· المواطن العربي الذي لم يفتح نوافذه المعرفية الخمس أو الست، هل ينتظر لتغيير واقعه·· حاسة سابعة؟!