· الكتابة وظيفة اجتماعية مسؤولة عن المشاركة في التغيير
· طاف البلاد العربية وعاد مثخناً··· بالأصدقاء الصعاليك
· في الفلبين، وفي ستة أعوام، كانت "إحداثيات زمن العزلة"
كتب المحرر الثقافي:
لمناسبة اختيار رواية "إحداثيات زمن العزلة "لإسماعيل فهد إسماعيل ورواية "وسمية تخرج من البحر" لليلى العثمان ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين، كرمت رابطة الأدباء الأديبين الأربعاء الماضي، إذ قدم الأمين العام لرابطة الأدباء عبدالله خلف درعين تذكاريين للأديبين البارزين، وسط جمهور من المحبين والمهتمين· وعقب ذلك بدأت المحاضرة التي قدم فيها إسماعيل فهد إسماعيل شهادته حول "تجربة الحياة والكتابة"، بعد أن قدم لها طالب الرفاعي بكلمة وصف فيها إسماعيل بأنه الأب الروحي للرواية الكويتية، وتحدث عن إنجازه الأدبي الأكثر في مسيرة حافلة بالعطاء·
الشعر ثم القصة
أما الروائي إسماعيل فهد إسماعيل فقد قدم شهادته مخاطبا ذاته أمام لحظة الإصغاء الفريد، فتحدث عن زمن الصبا والقراءات المتمثلة بألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وكتاب الأغاني، وجبران خليل جبران ومحمد عبدالحليم عبدالله، وميله الى الشعر بداية، ثم تحوله الى كتابة القصة والنشر في مجلة "الرائد" أوائل الستينيات·
وقال إن تأثره بالسينما من خلال إلغاء دور الراوي، وترك الحدث يعرض نفسه لفت إليه اهتمام بعض النقاد الحداثيين في حين نعته الكثيرون بالغموض وعدم امتلاك ناصية التعبير بالشكل المطلوب·
القراءة أولاً
وتحدث عن طباعته مجموعته القصصية الأولى "البقعة الداكنة" عام 1965، وهي محطة جعلته يفكر بضرورة استيفاء شروطه الثقافية والفنية، فأخذ يستبعد فكرة النشر وينكب على القراءة أكثر، فعلى الكاتب أن يكون ملماً بلغته وأن يعشقها، وأن يكون مدركا للتغيرات المتحكمة بمجتمعه وعصره، وأن يعايش تجربته وخبرته الى حد الالتحام، فالكتابة وظيفة اجتماعية مسؤولة عن المشاركة في التغيير، مما يجعل الكاتب يطالب نفسه بموقف فكري معين إزاء قضايا مجتمعه وعصره·
حرب 1967 ومراجعة الذات
واستعاد الكاتب مؤثرات كثيرة دخلت في وعيه الأول: صوت العرب من القاهرة، التأميم، العدالة الاجتماعية، الاشتراكية العربية، أو اشتراكية العالم الثالث، الفكر القومي، ثقة الإنسان العربي على تحقيق النصر وانتزاع حقوقه، لتحل بعد ذلك نكسة 1967 فتجعله يعيش غربة كامل هذه اليقينيات، ولتنهشه أسئلة شتى ومغلقة، ليغدو حدث 1967 مراجعة للذات أكثر من كونه هزيمة لأنظمة شمولية· وأمام لا معقوليات الواقع العربي: اتهام بورقيبة بالعمالة ثم نقل الجامعة العربية الى عاصمته، واتهام السادات بالخيانة لطرحه الأرض مقابل السلام·
وعلى الرغم من كون الكويت تتيح له مساحة الحرية للتعبير إلا أنه لم يستطع أن يتخلص من دوامة الأسئلة التي جعلته يدور في فلك الحيرة الى حد القنوط، يقول: "كنت آثرت أن تستسلم لهاجس وليد بدأ يلّح عليك·· أن ترتاد - ما أمكن - أرجاء وطنك العربي، وحيدا، إلا من هدف لم تتوضح معالمه بعد" فطاف البلاد العربية ليعود بعدها "مثخنا بالأصدقاء الصعاليك"·
سريالية الواقع
ويتحدث إسماعيل عن سريالية الواقع الذي يعيشه الوطن العربي من أقصاه الى أقصاه، وغرائبيته وكابوسيته، وعن خبرة معايشته للعراق حيث الانقلابات الفاشية والسجون، وأمام هذه الكوابيس المخيفة، وبعد رحلة الاكتشاف، ليس سوى الكتابة عبر النوعية، يقول: "كان الجهد - من خلال الانغمار به - أخذ عليك وقتك كله· ما عدت تعرف معنى لحياة شخصية تتسم بخصوصية محددة· شتات الحياة من شتات الكتابة· وعندما التقيت بأستاذك الروائي حنا مينه أردت أن تشركه هاجسم سألته:
- لو خيّرت بين أن تعيش من أجل الكتابة أولا وأخيرا، وبين أن تعيش الحياة أولا وتكتب أخيرا··· فأيهما تختار؟
فاجأك رده: أرغب أن أعيش الحياة بشكل فني"·
إحداثيات زمن العزلة
ولكن يبدو أن حلم إسماعيل اختلف عن حلم "مينه" من حيث الشكل إذ إن تجربة الاحتلال، ودخان حرائق آبار البترول ما زال يحجب سماء الكويت عام 1991، جعلته وهو في الحادية والخمسين من عمره يحمل أوراقه ويتجه شرقا، الى الفلبين في مكان هادئ، ليتأمل وطنه من بعيد حيث يبدو أجمل، إنه هروب الى عالم الكتابة، وفي ستة أعوام من العزلة، خرجت "إحداثيات زمن العزلة" من عزلتها·
الشاهد على الزور
أما عن علاقته بمسرح سعد الله ونوس فيقول: "عندما قابلت كاتبك المسرحي سعد الله ونوس عام 1979 كي تسأله: "أنت··· الكتابة؟!"·
كنت مشمرا طموحاتك لوضع كتاب عن أعماله المسرحية· اختفي ونوس وراء باب غرفة نومه· حبس حاله أسبوعين ليطلع عليك برد مفاده:
- هذا سؤال شرس، تستغرق الإجابة عنه عمر الإنسان كله· سؤال فيه من الاستفزاز والمباغتة ما يجعل المرء يمد يده الى جيبه، ليتناول على الفور بطاقته الشخصية·· إذاً، لنتغلب على رعشة المباغتة، ولنبحث عن إجابة··· إني مشروع دائب وقلق كي أكون فعالا في زمني وبيئتي··· وإني أغص، وإني أبحلق في قاع مرآتي الموشورية، فأجد هذا المشروع مطوقاً بالصعاب، مهدوداً بالشكوك والوساوس·· لا تكفيني فعالية الشاهد على الزور والدجل·· أريد أيضا فعالية الذي يقاتل ماديا ويوميا ضد الزور والدجل، وهنا بدأ بحثي الدائب عن الكلمة - الفعل، كلمة عارية كثيفة تكشف الواقع وتغيره في الوقت ذاته"·
الرقابة
ويستذكر إسماعيل المقدمة التي كتبها الشاعر صلاح عبدالصبور لروايته الأولى "كانت السماء زرقاء" متوقفا عند عبارته "هذه الرواية لن تمتع القارئ المتعجل··· لكنها ستزعج القارئ المخلص الرصين الى التفكير"·
وانزعجت الرقابة، فصادرت ومنعت، لا الكتب فحسب بل الكاتب أيضا، الذي لا يعنيه هذا النظام العسكري أو ذاك· ولكن الرقابة الكويتية في ذلك الحين لم تمنع له كتاباً، لتعود من جديد فتمنع بعض كتبه مثل "السماء كانت زرقاء"، "وإذا كانت السماء عام 1970 زرقاء، فما هو لونها الآن؟!"·
يقول إسماعيل في نهاية حديثه: "الكتب التافهة لا تجد من يمنعها، ولكي تجد قارئا نوعيا يتوجب عليك أن تواصل الكتابة عبر النوعية متأبطا ما قاله قاسم حداد في معرض أحد كتبه: تأخذ الكتابة صاحبها الى المهالك وإذا كان يعرف أنه ذاهب الى المهالك دون أن يفكر بالتراجع سوف ينال ما يعيده الى الصواب باكرا، والصواب هو أن يحسن إعداد نفسه لتلك الطريق، لا أن يستدير عائدا الى الخمول والخيبة"·
وبعد المحاضرة قدم عدد من الحضور مداخلات تقريظية ركزت على ميزات إسماعيل فهد إسماعيل كاتبا روائيا له خصوصيته، وإن خرج بعضها الى موضوعات أخرى·