رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4-10ذي القعدة 1410هـ -9-15فبراير2000
العدد 1414

الجبهة الأخرى لحرب أكتوبر
بابيلون العميل المصري الغامض هل كان جاسوساً للموساد ؟!*

·   في مناسبتين - إحداهما في نهاية 1972 والأخرى في أبريل 1973 - حذر بابيلون إسرائيل خطأ من قرب اندلاع الحرب ويدعي زعيرا الآن أن هذا كان مناورة خداعية مزدوجة من تدبير المصريين، هدفها استنفار حالة الاستعداد واستنزاف موارد إسرائيل

·   عندما يتعلق الأمر بالنوايا، فإن جمع معلومات موثوق بها أمر مراوغ للغاية· فليس هناك طريقة سهلة للاطلاع على ما يدور برأس واحد من القادة العرب، سواء كان هذا القائد هو أنور السادات، أو حافظ الأسد، أو صدام حسين

·     كانت تقارير بابيلون تحظى بنقاشات مفصلة وواسعة النطاق بين القيادات الأمنية العليا ومسؤولي المخابرات وبين كبار المسؤولين بالحكومة من المطلعين على سر بابيلون

·   أنت تجعل العميل "مزدوجا"، تعطيه معلومات دقيقة بنسبة %95 وفي الوقت الحاسم تستخدمه لتسريب بيانات زائفة

·    تشير تقارير إلى أن حسين ملك الأردن قام بزيارة سرية إلى إسرائيل في 25 سبتمبر 1973، للاجتماع بجولدا مائير وتحذيرها من الحرب الموشكة

·    ادعاءات زعيرا تقوم على أن بابيلون كان عميلاً مزدوجاً، تم زرعه بتروٍ داخل الموساد كجزء من خطة خداع مصرية محكمة

 

رونن برجمان** 

بعد مرور ستة وعشرين عاماً على حرب أكتوبر 1973، مازالت المخابرات الإسرائيلية تجادل بشأن عميل الموساد المصري المحير الذي حذر إسرائيل متأخراً جداً امن الكارثة المقبلة·

هل كان بابيلون عميلاً تم زرعه بترو داخل الموساد كجزء من خطة خداع مصرية محكمة؟ وإذا كان عميلاً إسرائيلياً حقاً، فلماذا تأخر في إبلاغ إسرائيل بموعد نشوب الحرب؟ ولماذا حذر إسرائيل مرتين خطأ قبل حرب أكتوبر في مناسبتين سابقتين من احتمال اندلاع الحرب؟ هل كانت هذه التحذيرات مجرد خداع مزدوج من جانب المصريين، هدفه استنفار حالة الاستعداد واستنزاف موارد إسرائيل؟ هذه التساؤلات مازالت بعد 26 عاماً من حرب أكتوبر لغزاً يستعصي على الحل!!

 

حملقت عاملة التليفون بإحدى كبريات المدن الأوروبية، مشدوهة، في الرجل ذي النظارة الواقف أمامها، على حال من التوتر والقلق· كانت الساعة الثانية صباحاً من ليلة السادس من أكتوبر عام 1973· قالت لزفي زمير، رئيس الموساد: أنا آسفة يا سيدي، لا رد· ألم تخبرني أن اليوم عطلة في إسرائيل؟" وأجاب زمير بغضب: "حاولي مرة أخرى، فربما كان نائماً"· وعلى مضض، طلبت العاملة الرقم مرة أخرى· وفي تل أبيب، أيقظ رنين التليفون أخيراً فريدي ايني، رئيس مكتب زمير· خطف زمير سماعة التليفون وتمتم ببضع كلمات شفرية على عجل، مبلغاً رسالة مشؤومة وحيدة: بابيلون يبلغ عن احتمال كبير لنشوب الحرب غداً· وأمر ايني بارتداء ملابسه، والتوجه إلى القيادة وإيقاظ الجميع·

قبل مرور أقل من ساعتين كان ابني قد اتصل بمدير المخابرات العسكرية الإسرائيلية ورئيس الأركان وقائد سلاح الطيران، وكذلك السكرتارية العسكرية لكل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع· وعندئذ فقط أدرك قادة حكومة إسرائيل ومؤسسة أمنها، الذين كانوا على قناعة بأن الحرب غير واردة، مدى التضليل الذي كانوا يعيشونه· وما حدث بعد ذلك تاريخ معروف·

بعد فشل حرب أكتوبر 1973، أدت لجان التحقيق اللاحقة والجدل العام المستفيض حول عجز إسرائيل المأساوي في المعلومات المسبقة إلى اطلاع العالم على وجود بابيلون، أحد أكبر العملاء الذين جندتهم المخابرات الإسرائيلية· على أن اسم هذا العميل سيظل سراً لسنوات طويلة (حتى اسمه الكودي لايزال كذلك، وسام بابيلون هنا لمجرد التسهيل على القارئ)· وقصة تجنيده ونشاطه مستقاة من معلومات متناقضة متناثرة في العديد من المصادر، وبعضها ذات دوافع شخصية·

بدأ تعاون بابيلون مع الموساد قبل تلقي أمير للرسالة الليلية العاجلة بأربع سنوات، ففي أحد الأيام، توجه رجل ذو نظرة متميزة إلى أحد مكاتب التسهيلات الإسرائيلية بأحد البلاد الأوروبية· حيا الرجل وقال: أريد مقابلة ممثل الموساد· وبعد أخذ ورد مع رجال الأمن أجيب إلى طلبه· قدم الزائر نفسه، وكم كانت دهشته عندما لم يثر اسمه أي رد فعل عند ضابط الموساد· فالأخير، ببساطة، لم يكن قد سمع من قبل عن اسم الرجل الواقف أمامه· قال الزائر: "أريد أن أعمل معكم· باستطاعتي أن أقدم لكم معلومات لا تحلمون بها· أريد مالاً بالمقابل، الكثير من المال· ثقوا بي، ولن تندموا على ما تدفعون"· لم يترك الحديث أي أثر على ضابط الموساد، وطلب إلى الزائر بأدب، أن ينصرف· قال الزائر: "ما عليك إلا إرسال اسمي إلى إسرائيل، وسأمر عليك الأسبوع القادم"· ثم انصرف·

أثار تقرير العميل حول الواقعة ضجة في قيادة الموساد بتل أبيب· وتوجه إلى أوروبا أحد الكوادر المتمرسة في تجنيد وتشغيل العملاء· وأوفى بابيلون بما وعد، لتزهر الأسطورة التي أحاطت به·

 

ميلاد "المفهوم"

 

عند جمع المعلومات عن العدو، يحرص مسؤولو المخابرات على التمييز بين المقدرة والنية· فالمقدرة هي قوة العدو: كم مدفعاً يمتلكها؟ كم طائرة؟ مدى كفاءة رجاله؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تستقى من مصادر عديدة: المراقبة بالنظر، التصوير الجوي، تسجيل المكالمات الهاتفية، والعملاء· وقد نجحن إسرائيل دائماً في جمع صورة دقيقة عن قدرات أعدائها· حتى قبل حرب أكتوبر 1973 كانت لدى جيش الدفاع الإسرائيلي معلومات مستفيضة عن قوات العدو الكثيفة المنتشرة على طول الخطوط المطلوب من إسرائيل الدفاع عنها·

لكن عندما يتعلق الأمر بالنوايا، فإن جمع معلومات موثوق بها أمر مراوغ للغاية· فليست هناك طريقة سهلة للاطلاع على ما يدور برأس واحد من القادة العرب، سواء كان هذا القائد هو أنور السادات، أو حافظ الأسد، أو صدام حسين· وقد فشلت المخابرات الإسرائيلية مراراً في التعرف بصورة صحيحة، على نوايا أعدائها· وكان مجيء بابيلون بمثابة تحقيق لحلم بعيد المنال، فقد استطاع أن يمد إسرائيل بتقارير واقعية وشاملة عن الأفكار السياسية والعسكرية الخفية في البلاد العربية· كما مد إسرائيل عبر السنوات بزخم من المعلومات المختلفة، بالرغم من أن ذلك لم يكن مطلوباً منه· وتلقى، بالمقابل، مكافأة سخية، أكثر مما تلقاه - على سبيل المثال - الدريش ايمز، المسؤول الكبير بوكالة المخابرات المركزية، الذي تحول إلى جاسوس للسوفييت·

وبمرور سنوات التعاون، تزايدت أهمية ما يقدمه بابيلون· وقد أشارت لجنة اجرانات، التي كلفت بتحري أسباب الفشل الإسرائيلي في حرب يوم كيبور، إلى المعلومات المقدمة من قبل بابيلون باعتبارها "مواد متفردة من مصدر للموساد على درجة خاصة من الأهمية"· وكانت التقارير المتعلقة باتصالات بابيلون بإسرائيل والوثائق التي يقدمها تبلغ بصورتها الأصلية لا إلى مدير مخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي وشعبه البحث بفرع المخابرات فحسب، بل كانت ترسل مباشرة إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع·

وكان هناك بروتوكول صارم لتسليم المواد التي يرسلها بابيلون· فلم يكن مسموحاً، على سبيل المثال، بمناقشتها سواء في اجتماعات مجلس الوزراء أو لجنة الشؤون الخارجية والدفاع التابعة للكنيست· ومن ناحية أخرى كانت تقارير بابيلون تحظى بنقاشات مفصلة وواسعة النطاق بين القيادات الأمنية العليا ومسؤولي المخابرات وبين كبار المسؤولين بالحكومة من المطلعين على سر بابيلون - رئيسة الوزراء جولدا مائير والوزراء موشى ديان وإسرائيل جليلي وإيجال آلون·

وعندما عين "إيلي زعيرا" مديرا للمخابرات العسكرية، أضيف رئيس أركان جيش الدفاع إلى قائمة توزيع تقارير بابيلون· وفي سنوات ما بين حربي الأيام الستة 1967 ويوم كيبور 1973، فإن تقارير حفنة قليلة من عملاء الموساد هي التي لقيت مثل هذا الاهتمام· وكان المفترض أن ما يقوله بابيلون هو من الأهمية بحيث ينبغى أن يبلغ إلى صانعي القرار تماماً كما أرسله، دون تعديل أي شيء حتى ولو مجرد فاصلة·

لقد قدم بابيلون، ضمن ما قدم، وثائق وتقارير أسست على ضوئها مخابرات إسرائيل العسكرية - ومجمل مؤسسة الدفاع الإسرائيلية بالتالي - ما أصبح معروفاً بعد ذلك باسم "المفهوم"، وهو قناعة إسرائيل الفادحة الخطأ بأن الحرب لن تقوم· وقد قدمت لجنة اجرانات ملخصها الخاص لـ "المفهوم"، في صورته الأولية التي قدمها بابيلون ومصادر أخرى، وأعاذ زعيرا سرده بعد ذلك أمام اللجنة: "بعد فترة من توليه الحكم، توصل (الرئيس المصري) أنور السادات إلى أن مصر ليس بمقدورها أن تحصل على ما تريد (أي استرداد الأراضي التي احتلتها إسرائيل في (1967) بالوسائل الدبلوماسية وحدها، وأنها إذا ما أرادت الخروج من المأزق الدبلوماسي فإن عليها اللجوء إلى الخيار العسكري··· لكن الحاكم المصري يعلم  أن بلاده لا تستطيع شن حرب شاملة على إسرائيل في ظل التفوق الجوي الذي تتمتع به هذه الأخيرة··· من هنا قرر السادات أن مصر لن تدخل حرباً مع إسرائيل إلا بعد ضمان تفوقها الجوي عن طريق شراء قاذفات نفاثة بعيدة المدى، حتى تصبح قادرة على ضرب المطارات الإسرائيلية وتحييد قوتها الجوية"·

على أن رغبة مصر في حيازة الصواريخ أرض - أرض من طراز سكود كانت شرطاً آخر عليها تحقيقه قبل دخول الحرب· وفي لقاء معه طلب عدم نشره إلا بعد وفاته، يقول موشى ديان للصحفي رامي تال: "هذا المفهوم لم يكن من بنات أفكار عبقري مجنون من المخابرات العسكرية، ولم يكن من وضع مدير المخابرات أو وزير الدفاع· لقد توصلنا إليه على ضوء معلومات موثوق بها، كنا نعتبر تمكننا من الحصول عليها أمراً عظيماً· وأستطيع القول بكل تأكيد أن أي جهاز مخابرات أو رئيس أركان أو وزير دفاع في العالم، بعد حصوله على هذه المعلومات ومعرفة مصدرها، سوف يتوصل إلى نفس الاستنتاج"·

عميل أم عميل مزدوج؟

في أغسطس 1972، بدأت مصر استلام الدفعة الأولى من صواريخ سكود من الاتحاد السوفييتي، لتتأكد مرة أخرى مصداقية بابيلون كمصدر· واعتقدت مخابرات سلاح الجو أن مصر سوف تحتاج ستة شهور على الأقل لتدريب أطقم الصواريخ· وعندما تم تسليم الصواريخ، أفاد بابيلون بأن السادات قد أجل القيام بالحرب حتى نهاية العام·

أصبح زعيرا مديراً للمخابرات العسكرية في 1972، وكان عميل بابيلون قد أصبح حقيقة مستقرة· وعلى ضوء توابع تقاريره، أصبح زعيرا على قناعة بأن بابيلون قد أكد مكانته كمصدر وأن من الممكن الاعتماد عليه في تحذير إسرائيل من حرب محتملة، واعتباره "وثيقة تأمين" ضد هجوم مباغت· وفيما بعد، انتقدت لجنة اجرانات أداء زعيرا بشدة وأبعدته عن منصبه· وانضم مرؤوسيه وكذلك مسؤولو الموساد إلى قائمة منتقديه·

وزعيرا وإدارته قبل الحرب ليس موضوعنا هنا، وما يعنينا هو نظريته حول الدور الذي لعبه بابيلون في خلق أوضاع ما قبل الحرب· فادعاءات زعيرا تقوم على أن بابيلون كان عميلاً مزدوجاً، تم زرعه بتروٍ داخل الموساد كجزء من خطة خداع مصرية محكمة· وفي حال ثبوت صحة هذه النظرية، فإن ذلك لا يعفي زعيرا من المسؤولية تماما؛ وإن كان ثبوت العمالة المزدوجة على بابيلون يقلل من شأن بعض الانتقادات القاسية التي تعرض لها زعيرا بعد الحرب·

إن أصدقاء زعيرا داخل مجتمع المخابرات الإسرائيلية قليلو العدد للغاية· وكثيرون منهم يعتقدون بأنه مسؤول مسؤولية رئيسية عن فشل إسرائيل في التنبؤ بالحرب والخسائر الجسيمة التي ترتبت على ذلك· لكن نظرية "بابيلون المزدوج" يقرها بصورة جزئية مسؤولون سابقون كبار بالمخابرات، من بينهم "افراهام شالوم" رئيس شين بت، المعروف بقدرته على تشمم عملاء العدو· ومنذ سنوات قليلة مضت، أخبر شالوم أصدقاءه بأنه اطلع على ملف بابيلون وأنه على قناعة بأن الرجل كان عميلاً مزدوجاً منذ البداية·

ويرتكز الزعم بأن بابيلون كان يعمل بالفعل لحساب المخابرات المصرية إلى بعض الجوانب اللافتة للنظر في أدائه· فعلى سبيل المثال، كيف لرجل على هذا القدر من الحنكة والمهارة أن يذهب إلى مكتب تسهيلات إسرائيلي في نهار أوروبي مشمس، إلى مبنى لابد أن يكون موضوعاً تحت نوع منالمراقبة، على الأقل من قبل أجهزة المخابرات المحلية؟ وإذا ما استبعدنا الغباء والهواية، وهما صفتان لا تتوفران في بابيلون، فإن التفسير الوحيد المقبول هو علمه بأن لا شيء يخشاه من البلد المفترض أنه يخونه·

ورداً على هذا، يقول مسؤول بالموساد كان يحمل رتبة كبيرة في تلك الأيام: "هذا كله كلام فارغ· فالموساد كان يعتقد بأن الحرب وشيكة حتى من قبل أن يحذر المصدر زمير· فهو لم يكن المصدر الوحيد، إذ كان بمقدورنا تأسيس معرفتنا المسبقة على ضوء عدد من العوامل· إن "إيلي زعيرا" يحاول الآن عزل السؤال عن المصدر لينظف اسمه· فقد كان يدعي دائماً أن الحرب مستبعدة إلى حد كبير· لكن عندما كنا نأتي ونقول عكس ذلك كان يقول بأننا لا نع كل شيء، وأن له مصادره الخاصة· وبعد الحرب ثبت زيف كل هذا"·

ويطرح المسؤول على زعيرا تحدياً: "على زعيرا أن يقدم معلومة واحدة حاسمة كانت أمامه وقتها، معلومة واحدة، تدعم فرضية استبعاد الحرب· هناك أوراق وتسجيلات، وكلها موثقة· وأي شخص على معرفة بهذه الوثائق يعلم أن احتمال أن يكون المصدر عميلاً مزدوجاً أمر مستبعد ولا أساس له، وتم اختباره واستبعاد هذا الفرض أكثر من مرة· وبالنسبة للمصدر نفسه، فلن أتعرض لكيفية تجنيده، لكنني أستطيع أن أذكر أنه قد اتخذ الاحتياطات الواجبة قبل أن يأتي ليعرض خدماته"·

وهناك سؤال آخر يطرحه زعيرا ومؤيدو نظريته يتعلق بدوافع بابيلون· إذ ليس هناك سبب يسهل فهمه يفسر ظهوره المفاجئ واقتراحه العمل لحساب إسرائيل· وبابيلون نفسه كان يذكر المتصلين به أن عليه مراعاة الحذر التام· لماذا يتحول رجل مثل هذا، حقق الثروة والمكانة في مصر، فجأة إلى صهيوني، ويعرض حياته دون شك للخطر؟

ويتعلق السؤال الثالث بالتحذيرات التي سبقت حرب أكتوبر 1973· ففي مناسبتين - إحداهما في نهاية 1972 والأخرى في أبريل 1973 - حذر بابيلون إسرائيل خطأ من قرب اندلاع الحرب· ويدعى زعيرا الآن أن هذا كان مناورة خداعية مزدوجة من تدبير المصريين، هدفها استنفار حالة الاستعداد واستنزاف موارد إسرائيل، بتعبئة قوات الاحتياط المرة تلو المرة· ويرى زعيرا، بالإضافة إلى هذا، أن المصريين أرادوا أن يختبروا كيفية استجابة إسرائيل لتحذيرات بابيلون ومدى سرعة استدعاء احتياطيها (كما حدث بالفعل في أبريل 1973)·

هذان التحذيران، كما يقول زعيرا، تم تلقيهما قبل الموعد المفترض للحرب التي أدُعي اندلاعها بوقت طويل· فلماذا إذاً عندما جاءت الحرب الحقيقية لم يحذر بابيلون إسرائيل إلا قبل 40 ساعة من اندلاعها؟ ويفيد مسؤول الموساد الذي سبق أن أوردنا أقواله بأن بابيلون نفسه تراجع عن تحذيريه الزائفين·

ويدلل الذين يعتقدون بأن مسألة بابيلون تنطوي على خدعة  بكتب السادات واثنين من قادة الأركان المصريين، هما سعد الدين الشاذلي ومحمد عبدالغني الجمسي· والكتب الثلاثة تشير إلى اجتماع مشترك وحيد، اتفق خلاله القادة العسكريون المصريون والسوريون على تاريخ محتمل للهجوم على إسرائيل، وهو موعد لم يقدم إلى الرئيسين السادات والأسد لإقراره· وقد عقد الاجتماع بالإسكندرية، في الفترة ما بين 23 - 21 أغسطس 1973، وأحيط بالسرية التامة· وسافر الموفدون السوريون إلى مصر بجوازت سفر مزيفة على متى سفينة سوفيتية تقوم بجولة روتينية من ميناء اللاذقية السوري·

وإذا كان القرار الفعلي بشن الحرب لم يتخذ حتى ذلك الحين فعلى أي أساس أطلق بابيلون تحذيريه الخاطئين؟ وإذا كان العميل على ذلك القدر من الامتياز، فلماذا فشل في التوصل إلى التوصية التي اتخذت خلال اجتماع القمة العسكرية ذاك - وتحديد أن مصر وسوريا سوف تشنان الحرب على إسرائيل؟

 

الحرب السادسة مساء

 

جاء في تقرير لجنة اجرانات: "من غير الواضح لماذا لم تندلع الحرب في أحد هذين التاريخين؛ وما إذا كان التحذيران زائفين منذ البداية، أم أن السادات استبعد بصورة نهائية اتخاذ قرار حاسم· ومع ذلك، فإن تحديد هذين التاريخين على ضوء البيانات المتصلة بالتقويم والتخطيط لشن الحرب في يوم إسرائيلي مقدس، كل هذا له مغزاه حتى بدون المصدر الذي نبه فرع الخابرات إلى هذه النية"·

وتشير تقارير إلى أن حسين ملك الأردن قام بزيارة سرية إلى إسرائيل في 25 سبتمبر 1973، للاجتماع بجولدا مائير وتحذيرها من الحرب الموشكة· فإذا كان حسين يعرف بأن الحرب آتية، فكيف أخفق بابيلون في معرفة ذلك؟

وهناك أسئلة أخرى حول هذا العميل الأسطوري يثيرها اليومان السابقان على الحرب· ففي ليل الجمعة، الخامس من أكتوبر، أرسل بابيلون رسالة عاجلة إلى مسؤوليه يطلب فيها اجتماعاً فورياً· ويورد تقرير لجنة اجرانات الموضوع على الوجه التالي: "في الصباح الباكر من يوم الخامس من أكتوبر تلقى رئيس الموساد رسالة عاجلة تتضمن معلومات تحذيرية مهمة"· وحسب إحدى الروايات، فإن بابيلون حذر الإسرائيليين من أن الحرب قادمة· وبالمقابل، يفيد مسؤول الموساد بأن بابيلون كان يتحدث عن اندلاع الحرب، في تحذيريه السابقين، بإيجاز· أما في هذه المرة - حسب زعم المسؤول - فقد أبلغ بابيلون بأنه يريد بحق أن يتحدث عن الحرب، لكن ليس بصورة عاجلة·

تلقى زمير رسالة بابيلون، لكنه ووجه بمشكلة فنية: لا توجد طائرة تجارية على وشك الإقلاع إلى مكان اجتماعه ببابيلون· وتمكن رئيس مكتبه من تدبير طائرة عن طريق شركة إسرائيل لصناعة الطائرات تقله إلى أوروبا في الخامس من أكتوبر· ونسي زمير أن يبلغ رئيسة الوزراء برحيله الموشك· وفي الاجتماع المصيري لمجلس الوزراء، الذي عقد في الخامس من أكتوبر، كشف زعيرا النقاب عن سفر زمير إلى أوروبا للقاء بابيلون، مضيفاً: "من الليلة، يجب أن نكون أكثر حكمة"·

من هذه النقطة فصاعداً ليس من الواضح تماماً ماذا حدث ومتى· فالموساد رفض التعليق على هذه القصة أو السماح بعمل مقابلات مع المسؤولين عن بابيلون· فالسبب الذي جعل زمير يتأخر في لقاء بابيلون حتى تلك الليلة غير واضح؛ فالتأخير له دلالته المهمة، حيث نجم عنه تأخير كبير في تعبئة قوات الاحتياط الإسرائيلي· وحسب إحدى الروايات، فقد كان بابيلون موجوداً بأوروبا بالفعل منذ ظهيرة ذلك اليوم، لكن حالت بعض الأخطاء دون لقاء زمير في وقت مبكر· وهناك رواية أخرى تفيد بأنه، هو أيضاً، لم يكن قد وصل إلى أوروبا حتى تلك الليلة·

إن أضعف ما في نظرية "بابيلون المزدوج"، على ما يبدو، يكمن في التحذير الذي قدمه العميل في نهاية المطاف· وبمعنى آخر، إذا كان كل هدف بابيلون هو أن يحوز ثقة المؤسسة الإسرائيلية بقدر يجعلها تتجاهل الشواهد الأخرى على الحرب، فلماذا حذر إسرائيل؟ فقد كان بوسعه، ببساطة، البقاء في القاهرة، وفي هذه الحالة تتزايد إمكانية مباغتة إسرائيل·

من جهة أخرى، يدعي زعيرا أن المصريين يعلمون جيداً كم من الوقت تحتاجه إسرائيل لتعبئة قواتها· وافترضوا أن إسرائيل سوف تدرك ما يحدث على أية حال، خلال الساعات العشرين السابقة على الحرب، لذلك لم يكن تحذير بابيلون ليفرق كثيراً· وحسب هذه الرواية، فإن اجتماع بابيلون بزمير في أوروبا كان الهدف منه هو الحفاظ على ثقة العميل بالإسرائيليين· كما أنها أضافت طبقة أخرى إلى الخداع: أفاد بابيلون أن الحرب سوف تندلع في السادسة مساء· وقد بدأت الحرب فعلياً في الثانية مساء· فزعيرا يصر على أن رئيس مكتب زمير عندما اتصل به وأيقظه في ذلك الصباح قال إن الحرب ستبدأ في السادسة·

 

المناورة الروسية

 

من جهة أخرى، يدعي زفى زمير أن إسرائيل تلقت، في أكتوبر 1973، نوعين من المعلومات على قدر كبير من الأهمية يتصلان بالحرب· وفي كلتا الحالتين، كانت المعلومات تنقل مباشرة إلى صانعي القرار ولعبت دوراً مؤثراً في إنقاذا إسرائيل من الهلاك· الأول: كان تحذير زمير نفسه الذي تلقاه من بابيلون في أوروبا· والثاني: جاء بعد ذلك بأسبوع، أثناء القتال·

جاء فريدي ايني، رئيس مكتب زمير، إلى غرفة اجتماع مجلس الوزراء، حيث كان يجري مناقشة احتمال عبور قناة السويس· اصطحب ايني زمير إلى الخارج وتحدث إليه بشأن بلاغ وصل للتو من مصر، يقترح على إسرائيل مراجعة الخطط المصرية لعبور القناة، والتي في حوزتها بالفعل منذ عام مضى· وحسب هذه الخطط، فإن فرقتين مدرعتين مصريتين تنتظران في المكان الذي يخطط جيش الدفاع للعبور منه· وجنود هاتين الفرقتين لم يطلقوا بعد قذيفة واحد، حيث وضعتا خصيصاً لاستقبال الإسرائيليين·

عاد زمير إلى الاجتماع، حاملاً وثيقة ضخمة· لو أن صفحاتها وضعت إلى جانب بعضها البعض لغطت أرضية الغرفة بالكامل· كانت تلك هي الخطط المصرية لعبور القناة· وبناء على هذه المعلومات - حسب زعم زمير - انتقل العبور الإسرائيلي إلى غرب القناة، ودعم جيش الدفاع دفاعاته بدلاً من ذلك· وعندما قامت القوات المصرية بهجومها، في 14 أكتوبر، فقدت حوالي 250 دبابة، وتحول التوازن على الجبهة لصالح إسرائيل·

ويظل أمام أولئك الذين يدعون أن بابيلون كان عميلاً مزدوجاً مشكلة أخرى هي: أن النظرية لا يؤيدها سوى عدد قليل حتى في داخل إدارة الأبحاث بفرع مخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي، حيث كان يجب تلقف سيناريو كهذا على أمل إعفاء الموساد من اللوم· يضاف إلى هذا أن لجنة للمراجعة الداخلية بالموساد نظرت في مسألة بابيلون بعد الحرب وتوصلت إلى أنه لم يكن عميلاً مزدوجاً· وإذا كان هناك من شك في عدم رغبة الموساد في كشف عجزه، فقد توصلت لجنة مخابرات عسكرية، في عام 1974، إلى نفس الاستنتاج·

ويرى مؤيدو نظرية المؤامرة بأنها حالة كلاسيكية لتشغيل الجاسوس على الطريقة الروسية: أنت الذي تجعل العميل "مزدوجا"، تعطيه معلومات دقيقة بنسبة %95 وفي الوقت الحاسم تستخدمه لتسريب بينات زائفة· وتعارض مصادر الموساد هذا الادعاء بالقول بأن مناورة كهذه تستدعي وجود حليف مصري· ولا أحد في مصر، حسب قولهم، كان يمكن أن يقبل بأن يكون مسؤولاً عن مد الإسرائيليين بهذا القدر من المعلومات الحيوية والدقيقة على مدى سنوات لمجرد أن يكون بإمكان بابيلون تضليلهم في لحظة واحد، خاصة وحاسمة·

ويرفض زعيرا ومؤيدوه كل التحقيقات الداخلية الخاصة بالمسألة باعتبارها غير ذات قيمة، بالأساس لأن المؤسسة وجدت أن من الصعب أن تعترف بخديعتها على يد مثل هذا العميل ذي المكانة الكبيرة· كما أن لديهم ادعاء آخر: هذه التحقيقات أخفقت، على حد زعمهم، في قراءة حقائق مهمة لم تكن متاحة حتى الثمانينيات والتسعينيات، بعضها مأخوذ عن مذكرات جنرالات مصريين سابقين· وهم يدعون أن هذه الحقائق الجديدة عندما لفتت انتباه واحد من كبار رجال الموساد، صُعق من تضميناتها، لكن رؤساءه حالوا بينه وبين الاستغراق في تحر دقيق·

إن أكثر الأشياء أهمية، كما كتب سانت اكسربرى ذات مرة، تظل خافية على العين· وفي حالة قصة بابيلون، فإن هذه الأشياء ستظل خافية لسنوات عديدة، وربما إلى الأبد·

 

*من مجلة الكتب وجهات نظر العدد العاشر نوفمبر 1999

**كاتب في صحيفة "هآرتس"

طباعة