رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 27 شوال-3 ذي القعدة 1410هـ - 2-8فبراير2000
العدد 1413

على هامش الحكايات:
مذيع هتلر في إذاعة برلين العربية
يونس بحري هل هو جاسوس مزدوج..؟

·       يؤذن ويؤم بالمصلين وفي الليل يرقص في الملهى

·       تزوج 80 مرة وأبناؤه منتشرون في بقاع الأرض

 

كتب يحيى الربيعان:

يونس بحري من الشخصيات العربية التي إذا عرفته لا يمكنك أن تنساه، حتى لو قرأت له كتابا أو قرأت عنه في كتاب فإن ذكراه تبقى لاصقة في إحدى زوايا عقلك لأجل غير مسمى وإن كنتم من الذين أدركوه عندما كان مذيعا في إذاعة برلين أيام الحرب العالمية الثانية واستمعتم إليه وهو يستهل خطابه أو برنامجه الإذاعي اليومي بهذا النص "هنا برلين ·· حي العرب" فإنكم - لا شك ستذكرون هذه "اللزمة" إن يونس بحري شخصية مركبة، فهو سريعا ما يتلون ويتكيف حسب البيئة التي ينزل بها ركابه، كما تفعل الأسماك وبعض الطيور التي تخشى على نفسها من الافتراس، علما بأن يونس بحري ليس له أعداء سوى النساء اللاتي يقعن في شباكه، فهن حينما يفقن من سحره وعذب حديثه لا يجدن في اليوم الثاني سوى رسالة صغيرة كتبها بخط يده ولصقها على مرآة زوجته·· كتب فيها: باي·· باي·· قد نلتقي ثانية وقد لا نلتقي فأنا مسافر في أرض الله الواسعة!!·· بهذه الكلمات كان ينهي حياته الزوجية!!

أما بالنسبة للرجال فإنه يحظى بمحبة الجميع سواء طالت الإقامة معهم أم قصرت، فإنهم جميعا لن ينسوا أيام يونس بحري وما كان به من ظرف·· وذكاء·· ومقالب·· ودهاء·

وقد اخترنا اثنين من الذين عرفوه عن قرب لنقرأ شهادتيهما له، أولهما:  منير الريس والثاني د· عبدالسلام العجيلي، وهناك الكثير من الشهادات التي صدرت بشأنه، لكن لا يتسع لنا المجال هنا لذكرها، إنما نعدكم - إن شاء الله - أن نذكرها في كتاب ننوي إعداده عن سيرة حياة هذا الرجل الحافلة بالتناقضات، وإليكم ما كتبه الشاهد الأول  منير الريس·· صاحب جريدة "بردى" في دمشق، فقد نشر مذكراته، وذكر فيها الأحداث التي رافقت حياته، اشترك في ثلاث ثورات مسلحة سواء بنفسه أم بقلمه، إذ عمل حوالي ثلاثين سنة في ميدان الصحافة العربية·

نشر هذه المذكرات في كتاب أسماه "الكتاب الذهبي للثورة الوطنية في المشرق العربي" وقد صدر بثلاثة أجزاء، في الجزء الثالث ذكر كيف تعرف على يونس بحري، فقال:

في صباح اليوم الثالث من مايو عام 1945م، جمعتنا الصدفة في مرسيليا بيونس بحري طليقا، يندفع نحونا يهنئنا ويعانقنا، فسألته: كيف استطاع الوصول إلى مرسيليا دون أن يقع بيد الحلفاء؟ فقال:

إنه خرج من برلين مع عدد من الأجانب قبل أن يحاصرها الروس، وحرَّف اسمه المسجل في جواز السفر بالأحرف اللاتينية، يوني باري جبوري، محرفا من يونس بحري الجبوري، وزعم للمحققين أنه كان معتقلا في ألمانيا وأطلعهم على أثر جرح قديم في جسمه من أثر شجار قديم، كأنه من آثار التعذيب، فسمحوا له بالسفر إلى باريس·

وفي صباح يوم 18 مايو 1945م، أبلغونا بأن أسماءنا سجلت في كشف المسافرين على الباخرة "بروفيدانس" إلى الجزائر، فنقلنا حقائبنا إلى الميناء وجلسنا فوقها ننتظر أسماءنا تعلن لنصعد إلى الباخرة، وإذا بعربي يركض نحونا يصيح بأعلى صوته: هذا منير الريس·· وهذا يونس بحري·· وهذا الدكتور عادل المسكي·· فالتفتنا نحو الصوت، وإذا به الدكتور عادل القحف من الطلاب السوريين كان يدرس طب الأسنان في ألمانيا·

 ويقول منير الريس:

لقد نصحت يونس بحري ونحن في عرض البحر بأن يمزق جواز سفره ويبقى محتفظا بالورقة الرسمية التي أعطيت له في باريس بعد التحقيق معه للدلالة على هويته، فلم يرض·

وصلنا إلى الجزائر في 20 مايو 1945م، وفي يوم 26 مايو 1945م وصلنا بالقطار إلى تونس، وعندما دقق رجال الأمن بتونس، بجوازات سفرنا وفتشوا حقائبنا لم يجدوا سوى مسدس للدكتور المسكي، فصادروه، لكنهم وعدوا بإعادته إليه عند مغادرته تونس، واحتجزونا، واستدعى الضابط الفرنسي، الدكتور عادل المسكي وبدأ التحقيق معه، ولما عرف يونس بحري أن الدور سيأتي عليه في التحقيق، أخرج من جيبه رخصة دولية لسياقة السيارة باسمه ومزقها، فلاحظ حركته أحد الحمالين الذين - غالبا - ما يكونون مخبرين في مثل هذا المكان، فتوجه الحمال وأبلغ رجل الأمن بالورقة التي مزقها يونس بحري، وقام ليرميها في دورة المياه، فلحق به رجل الأمن وأمسك بيده وأخذ الورقة الممزقة من قبضته وراح يصففها في المكتب ليعرف سبب تمزيقها، ثم استدعى يونس بحري إلى غرفة رئيس الأمن وفتش جيوبه، وعثر على جواز السفر في جيبه، وعرف أن يونس بحري مذيع محطة برلين، وسرعان ما عاد إلينا رجال الأمن وطلبوا أن نرفع أيدينا في الهواء، ولما سألتهم عن السبب قال أحدهم: "ألا تدري أنك من عصابة يونس بحري" وقام رئيس الأمن العام محاولا الاتصال برؤسائه في تونس، ولما تهيأ له ذلك، نقل إليهم نبأ القبض على المذيع يونس بحري! مذيع هتلر في برلين·

وتابع منير الريس:

ولما حانت لي فرصة الانفراد بيونس بحري، قلت له: لقد وقعت يا يونس! فلا توقع غيرك معك، قال: "لن أدل عليك·· ولن أتكلم بما يؤذي أحدا منكم! وأنتم قد يطلق سراحكم قبلي·· ولي طلب عندكم فيما إذا أصبحتم أحرارا، وبقيت أنا في السجن، أرجوكم أن تبلغوا السفارة أو القنصلية العراقية، وإذا لم يكن فيه سفارة عراقية فابلغوا أي سفارة أو قنصلية بريطانية بأنني سجين في تونس!"

وأدركت في تلك اللحظة أنه جاسوس بريطاني، إذ ظل أكثر من ثماني سنوات وهو يشن من محطة برلين أبشع الكلام على بريطانيا وعملائها وحلفائها، ويشتم عبد الاله، الوصي على عرش العراق، والأمير عبدالله بن الحسين، أشد الشتائم فلا ذكر اسم عبدالله إلا وينعته بالحاخام، ولا يذكر اسم عبد الاله إلا وينعته بالصبي، ولا يذكر اسم نوري السعيد إلا وينعته بالنوري الشقي، بفتح النون والواو، فكيف لم يكتشف الألمان هذا الجاسوس؟·

 

الشهادة الثانية:

 

أما الدكتور عبدالسلام العجيلي، الذي ارتبط بصداقة متينة مع يونس بحري، فقد ذكر في كتابه "حكايات من الرحلات" حين قام بزيارة إلى باريس، أراد أن يزور يونس، فقال:

قصدت الدار رقم 36 بشارع فيفين شقة يونس بحري، فوقفت على الباب وأنا أصيح بكلمة السر: عبو·· فلم يلبث أن تعالى من الداخل صوت يونس بحري، إن الشخصية التي تجلى بها يونس في ذلك اليوم - وله في كل يوم شخصية يتقمصها - ليست شخصية المذيع في محطة برلين، الذي هز دنيا العرب·· حي العرب، ولا شخصية إمام جامع باريس التي عاش بها أول ما افتتح ذلك الجامع، ولا شخصية رجل الليل الذي يكرع أقداح الفينالو ويغني ألحان سيد درويش، ويهز خصره كأحسن راقصة في شارع عماد الدين بالقاهرة، ولا شخصية السندباد البحري، ولا حامل الحقيبة الدبلوماسية، ولا اللص الشريف، بل كان في ذلك الحين يلف الفوطة حول وسطه متجليا بشخصية "سيد القوم خادمهم"·

كل هذه الشخصيات يشرحها الدكتور عبدالسلام العجيلي، بكتابه "حفنة من الذكريات" قائلا:

في أوائل الخمسينات التقيت في باريس بالآنسة هناء، وهي فتاة عراقية كانت تعمل مذيعة في القسم العربي في إذاعة باريس، وعندما سألتني عن أخباري في باريس، رويت لها بعض الطرائف التي حصلت وأنا في صحبة يونس بحري الذي كان يقيم آنذاك في باريس، ويصدر فيها مجلة "العرب"، وبمجرد ما جاء ذكر يونس بحري على لساني رأيتها تخرج من هدوئها المعتاد وتقول:

هذا إنسان فاجر لا تليق بك صحبته، لا أنت منه ولا هو منك، أي شيء يجمع بينك وبين هذا الصعلوك الأفاق حتى ترافقه، أو حتى تبادله الحديث؟ ويقول د·عبدالسلام:

وفي أحد الأيام التقيت بزميل يونس بحري، فأخبرني أن هناء هي أم لؤي يونس بحري بمعنى أنها واحدة من زوجاته وإحدى طليقاته، لذلك نعتته بالفاجر والصعلوك والأفاق، ويقينا إني ما نفيت يوما هذه الصفات عن يونس بحري، ولا كان هو نفسه ينفي عن نفسه تلك الصفات·

وفي العشرينات ارتبط اسمه بحكايات كثيرة قبل أن يلعلع صوته في برلين، من تلك الحكايات حكايته في جامع باريس الذي بني في العشرينات من هذا القرن، وكان يحوي إلى جانب الجامع والسوق والحمامات العربية، مطعما مغربيا، وملهى ليليا، كان يونس بحري يؤذن للصلوات الخمس في مئذنته بصوته العريض، ويتولى الإمامة بالمصلين عند الحاجة، وفي الليل كان يرأس تخت الموسيقى في الملهى، فيعزف على العود ويغني الأدوار التي يجيدها ولا يتأخر عن المشاركة بالرقص الشرقي مقلدا أشهر العوالم في القاهرة ويمضي الدكتور عبدالسلام العجيلي يروي بعضا من حكاياته قائلا:

إن يونس بحري تزوج ثمانين مرة، وأبناؤه وبناته منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها ولا سبيل لاحصائهم، لكن عددهم يتجاوز المئة قطعا، لقد أمضى هذا الرجل حياة مثيرة وحافلة تشبه الأسطورة حتى إنه تفوق فيها زواجا وتجوالا على الرحالة العربي ابن بطوطة، ففي كل بلد زاره له فيه زوجة ورهط من البنين والبنات، وأول زوجاته "شيرين" وهي عراقية تركية الأصل، وآخرهن "شهرزاد" ومن أشهر أبنائه "الأدميرال" رعد يونس بحري، قائد الأسطول الفلبيني، والدكتور سعدي يونس بحري، المحامي في باريس·

ومن أولاده أيضا هناك: ابنه لؤي، الذي أصبح فيما بعد أستاذا للحقوق الدولية في جامعة بغداد، ولم يكن كثير الاعتزاز بالانتساب الى أبيه العجيب، ويا ليت الأمر وقف عند أبناء يونس بحري على عدم اعتزازهم بأبوته بل يروي يونس بحري في كتابه "7 أشهر في سجون بغداد" ما جرى له في بغداد بعد خروجه من السجن، وكان قد دخله في أعقاب انقلاب 14 يوليو 1958م، قائلا:

كنت ذات يوم أتفرج على واجهة مكتبة شيوعية بشارع الرشيد·· تقدم لي ضابط عسكري وقال: هل أنت يونس بحري؟ قلت نعم، فأشار إلى سيارة جيب عسكرية فصعدت وانطلقت بنا السيارة إلى وزارة الدفاع، وهناك قال لي رئيس التحقيق بالوزارة وهو يقدم لي رسالة مكتوبة بخط مرتجف باهت أتعرف خط من هذا؟ قلت هذا خط ابني الثاني سعد! وبعد أن أشار إليّ بالجلوس وضع الرسالة أمامي، فقرأت ما نصه:

سيادة الحاكم العسكري العام·

باسم المقاومة الشعبية احتج على إطلاق سراح والدي يونس بحري، فهذا الرجل كان جاسوسا لبريطانيا في برلين، ثم انتقل إلى باريس وصار جاسوسا للفرنسيين، إن والدي جاسوس مزدوج ومقامر وعربيد، وهو يستحق السجن إلى الأبد·· أو الموت·

الامضاء

سعد يونس بحري

يقول الدكتور عبدالسلام العجيلي:

"ولم يسبق ليونس بحري أن تنصل من أي واحدة من هذه الصفات مطلقا"·

وفي نهاية هذا العرض لابد أن نقدم للقارىء موجزا لسيرة حياة يونس بحري·

 

يونس بحري الجبوري

 

يونس بحري، و السائح العراقي، كما كان يطلق عليه، نظراً لكثرة سفراته إلى جميع أرجاء العالم، حتى أصبح يصدر في كل شهر كتاباً يتحدث فيه عن مشاهداته وانطباعاته عن بلدان العالم التي زارها·

وهو كاتب لامع وأديب وإذاعي مرموق، اشتهر بأسلوبه الإذاعي المتميز أثناء عمله في إذاعة برلين، أيام الحرب العالمية الثانية·

واشتهر بصوته العريض "هنا برلين·· حي العرب"، وقد صدر له الكثير من الكتب والدراسات والمجلات على سبيل المثال:

·         كتاب "محاكمة المهداوي·· حرامي بغداد" مسرحية صدرت في 1963/3/15م، بيروت·

·         كتاب "عراق 14 رمضان المبارك" صدر في نفس العام·

·         كتاب "دماء في المغرب العربي" يروي فيه قصة الحرب الجزائرية·

·        سلسلة كتب من ستة أجزاء بعنوان "هنا برلين·· حي العرب" وهذه السلسلة تحمل مضمون المادة الإذاعية التي كانت تذاع بصوته آنذاك في إذاعة برلين·

·         كتاب "الحرب مع إسرائيل وحليفاتها" صدر بعد أسبوع من العدوان الثلاثي على مصر·

·         كتاب "العراق بين ثورتين" صدر في جزئين عام 1963م·

·         مجلة "الكويت والعراق" أصدرها يونس بحري في إندونيسيا عام 1931م، بالاشتراك مع الشيخ عبدالعزيز الرشيد، واستمرت هذه المجلة بالصدور حوالي ست سنوات، ولم تتوقف إلا بعد وفاة الشيخ عبدالعزيز الرشيد في عام 1937م، عنيت هذه المجلة بنشر الثقافة الإسلامية، وفي نفس الوقت كانت تصدر ليونس بحري مجلة خاصة به أطلق عليها اسم "الحق"·

·         وقد أصدر مجلة "العرب" أثناء إقامته في باريس، كان يصدر هذه المجلة التي ذاع صيتها بين أبناء الجاليات العربية في فرنسا·

·         في عام 1971م، عمل في أبو ظبي، مسؤولاً عن قطاع الشؤون الصحفية بوزارة الإعلام، وفي نفس العام عمل محرراً لجريدة "أبو ظبي نيوز" وكانت تصدر باللغة الإنجليزية·

·    أثناء تواجده في الكويت عمل مديراً لمطعم كان اسمه "مطعم المدينة" كان يملكه أحد أصدقائه في الكويت·

·         في مارس 1979م، توفى يونس بحري في بغداد ودفن فيها·

طباعة  

أفق
 
أخبار ثقافية
 
جائزة ليدن لنصر حامد أبو زيد
 
الغاضبون في الأدب(1)
سارتر: على الإنسان أن يغضب حين يشعر بلا جدوى وجوده

 
اعتراف..
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس