رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 27 شوال-3 ذي القعدة 1410هـ - 2-8فبراير2000
العدد 1413

ليست هناك شعوب "أذكى" من شعوب
الجغرافيا - لا الوراثة - مفتاح التاريخ ü الجغرافيا - لا الوراثة - مفتاح التاريخ*

·         لماذا كان الأوروبيون، لا الأفارقة ولا القبائل الأمريكية الأصلية ولا سكان استراليا الأصليون، هم من توصلوا إلى البندقية، وإلى أسرار الجراثيم، وإلى الفولاذ؟ لماذ طورت بعض الشعوب قبل غيرها البنادق والجراثيم والصلب ولم تطورها أبداً شعوب أخرى؟ لماذا سلكت الشعوب المختلفة دروباً من التاريخ مختلفة؟·· والإجابة بجملة واحدة هي "أن تاريخ الشعوب سلك دروباً مختلفة بسبب فروق في بيئات هذه الشعوب، لا بسبب اختلافات بيولوجية بينها"

·         في أول صدام تاريخي بين العالمين القديم والجديد (نوفمبر 1532) هُزم إمبراطور الإنكا وفقد عرشه وحياته، لأن جيوشه كانت مسلحة بالحجارة والهراوات، بينما كان خصومه الأسبان يحاربونه بالسيوف والبنادق والخيل، فضلاً عن أن الأوبئة كانت هي الأخرى تشارك في التمهيد للهزيمة!

·         "يقال إن الجو البارد يثير الذكاء، بينما تتسبب الأجواء الحارة الرطبة الاستوائية في تقليص الإبداع والنشاط، كما أن التباين في المناخ بين فصول السنة على خطوط العرض العليا، يتطلب أن يكون الفرد مبتكراً كي يعيش، لكن هذا التفسير فاسد· فشعوب شمال أوروبا لم تسهم بشيء ذي أهمية للحضارة الأوروآسيوية حتى الألف سنة الأخيرة، وإنما وصلهم ما أنجز من تطورات تمت بالمناطق الأدفأ، من أوراسيا (كالزراعة والتعدين والعجلة والكتابة)"

 

أحمد مستجير**

كان من المحتم أن يرحب شخص مثلي يعمل في حقل علم الوراثة بصدور هذا الكتاب الرائع الغني بالمعلومات المثيرة والأفكار الجميلة الجديدة حول تاريخ ثلاثة عشر ألف عام من التطور الحضاري للبشر، المؤلف هو جاريد دياموند، حامل جائزة يوليتزر والأستاذ بكلية الطب جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيلوس· حصل على الدكتوراه عام 1961 ثم عمل في مجالي الفسيولوجيا الجزئية والبيولوجيا التطورية، متخصصاً في تطور الطيور، فدرسها في جنوب أمريكا وجنوبي أفريقيا واستراليا، ثم في غينيا الجديدة· هناك اقترب اقتراباً مباشراً من المجتمعات البشرية ذات التكنولوجيات البدائية· الكتاب يؤكد تأثير "الحتمية البيئية" في تاريخ التطور الحضاري لإنسان؛ على أهمية "المكان"، الذي قد يكون "عبقرياً" - إذا استخدمنا المصطلح الذي استعمله الدكتور جمال حمدان - وقد يكون شحيح الموارد قفراً· الإنسان، كما يُقال، ابن بيئته؛ جغرافيا المكان الذي يعيش فيه تحدد مسار تطوره: ولذلك تتباين الشعوب في مساراتها الحضارية تبعاً للجغرافيا· جغرفة التاريخ البشري إذن تنفى فكرة أن يكون التباين الحالي بين الشعوب في الحضارة قد نشأ عن اختلافات وراثية بينها، وتنفى فكرة "الحتمية الوراثية" التي تسود الآن في مجتمعات الغرب، وإن كان دياموند في كتابه لم يلتفت كثيراً إلى أطروحات الحتمية الوراثية هذه، ولم يهتم بالرد عليها، وإنما انشغل تماماً بتوطيد قضية الحتمية الجغرافية، فهي في ذاتها أبلغ رد· والحق أن الكتاب قد وطدها بشكل مذهل رائع، حتى لتتساءل بعد قراءته: لماذا لم يفكر فيها هكذا أحد قبله؟ حتى ليقول أحد المعلقين إن دياموند "قد ابتكر علماً جديداً: طريقة كمية وعلمية لكتابه التاريخ"! وحتى ليقول آخر إن الفكرة الرئيسية للكتاب يجب أن تُبسط وأن تُدرس لطلبة المدارس الثانوية·

إننا نعيش الآن ثورة الوراثة الجزيئية، ثورة غدت بحيث يُعزى فيها البعض كل صفة بشرية إلى الجينات· جيناتك قدرك، ولا مفرد! ثورة يأخذها البعض على أنها تقول إن "كل شيء في الجينات، إلا أن تدهسك سيارة"! بل إن هذا الاستثناء قد وجد من يعارضه لأنك (أو السائق) قد تكون مدمناً "وراثياً" للمخدرات· حتى عندما قُتل ابن الرئيس كيندي في حادث طائرة (في يوليو 1999) وجدنا من يظن أن هناك جيناً للتراجيديا في عائلة كيندي! ومن شأن هذه الحتمية الوراثية أن تؤدي إلى أن توسم بعض "السلالات" البشرية بالتخلف الذهني، لأنها طول تاريخها لم تطور حضارة كحضارة الغرب المعاصرة· وأمامنا كتاب "منحنى الجرس" الذي ظهر عام 1995 (ويبلغ عدد صفحاته 845) يؤكد أن السود أغبياء بالوراثة، ويدعى أن هناك من الشواهد "العلمية الوراثية" ما يدل على ذلك سوى أن أيا من مؤلفي الكتاب لا علاقة له بعلم الوراثة!

وواقع الأمر يقول إن الوراثيين يؤكدون أن ليس ثمة جينات تجعلك مصرياً، وأخرى تجعلك إنجليزياً أو صينياً أو استرالياً، فهذه بطاقات ثقافية وليست وراثية، وإلا فإنها ستعنى أن هناك جينات يحملها كل فرد في العشيرة ولا يحملها أي فرد من أية عشيرة أخرى· ولن نجد مثل هذه الجينات أبداً، فليس ثمة ما يُسمى عشرية "نقية"، إنما توجد الجينات المختلفة في كل العشائر بتكرارات قد تتباين·

أجرى مؤخراً استفتاء في اسكتلنده وافقت فيه الأغلبية على إنشاء برلمان اسكتلندي وحكومة اسكتلندية محلية· والمعنى التحتي لهذا هو أن هناك "سلالة" اسكتلندية تختلف عن "السلالة الإنجليزية· لكن التاريخ يقول إنه لم يكن في الحق ثمة شيء اسمه شعب اسكتلندي حتى عام 1822 عندما زار الملك جورج الرابع مدينة إدنبره، وقرر أن يمنح الناس هناك هوية قومية لم يفكروا هم فيها أبداً، ليقوم السير والتر سكوت بخياله الواسع بابتكار اسطورة عرقية لشعب اسكتلندي·

فإذا ما عدنا إلى "بيان عن السلالة" الذي صدر عام 1950 عن هيئة اليونسكو ليلخص نظرة البيولوجيا الجديدة (آنذاك) إلى السلالات البشرية فسنجده يقول: "إن فكرة السلالة ليست إلا أداة ملائمة للتصنيف، نشأت الفروق بين المجاميع البشرية عن تجمعات متباينة من الوراثة والبيئة· التقسيم بالسلالة لا يتوفق بالضرورة مع الفروق العرقية أو الثقافية·· لم يكن هناك أي إثبات بأن المجاميع البشرية تختلف في خصائصها الذهنية الفطرية"·

لكن نظرة البولوجيا الجديدة (الآن) قد تختلف· فلقد عاد إلى الساحة وبقوة مفهوم الحتمية الوراثية بعد أن كان يختفي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط النازي· عاد مع الثورة المعاصرة في علم الوراثة، التي يرى الكثيرون في الغرب أنها ستوفر البراهين التجريبية التي لا لبس فيها ولا غموض على وجود الاختلافات الوراثية الذهنية بين الأعراق البشرية·

ولقد بلغت الثورة الوراثية أوجها مع بداية المشروع العالمي للجينوم البشري في أول أكتوبر 1990· (الجينوم هو مجمل المادة الوراثية التي تحملها خلية الفرد)· فهذا أكبر مشروع بيولوجي في التاريخ، يكاد يقارن بمشروع أبوللو، ويهدف إلى تشريح الجهاز الوراثي البشري لآخر "حرف" فيه، ومعرفة تركيب كل الجينات البشرية المائة ألف (أو الثمانين ألفاً)· يعمل هذا المشروع على عينات من المادة الوراثية مأخوذة من كل "السلالات" البشرية· والمؤكد أن المشروع سيجد اختلافات وراثية بين "السود "مثلاً و"البيض"· فهناك بين جينومي وجينومك اختلافات تصل في المتوسط إلى ثلاثين مليون حرف، وبين تركيب جيناتي وجيناتك فروق تصل إلى ثلاثة ملايين من الأحرف، بالجينوم البشري نحو ثلاثة آلاف مليون حرف (أي قاعدة كيماوية) ومعظم المادة الوراثية ليست جينات· (إذا ما ظهرت النتائج الكاملة للمشروع - قل مثلاً بحلول عام 2005 كما هو مُخطط، أو قبل ذلك - فلنا أن نتوقع أن يملأ الدنيا ضجيجُ الإعلام الذي سيثيره معتنقو الحتمية الوراثية، مؤكداً أن الوراثة الجزيئية قد أثبتت وجود اختلافات عرقية، وأن هذه الفروق هي السبب فيما نراه من تباينات في مستوى الحضارات المعاصرة - والمشروع بالقطع لن يربط بين هذه وتلك! سيجدون فيها الإثبات، الذي لم يجده بيان اليونسكو "عن السلالة" بأن المجاميع البشرية تختلف في خصائصها الذهنية الفطرية·

هناك مشروع عالمي آخر أود هنا "أن أنبه إليه - على الرغم من كل ما قيل ضده - وأن أفضل فيه قليلاً لأنه سيقدم التعضيد والإجابات على الكثير من الأفكار والأسئلة التي يثيرها كاتب دياموند الذي نحن بصدد عرضه المشروع هو "مشروع تنوع الجينوم البشري"، وقد بدأ تنظيمه في سبتمبر 1993، وهو ليس جزءاً من مشروع الجينوم البشري، وإن كان يخطط للاستفادة من التقنيات التي أنجزها وينجزها هذا الأخير· يهدف مشروع التنوع هذا إلى توثيق التباين الوراثي لجنس البشر، ويقوم عليه وراثيون وانثروبولوجيون وأطباء ولغويون وعلماء غيرهم من مختلف أنحاء العالم، يجمعون ويحللون المعلومات عن التراكيب الوراثية لجنس البشر·

يطمع منظمو المشروع في أن تساعد النتائج التي سيتوصلون إليها في تفهم أوسع لتاريخ العشائر البشرية وأصولها: من أين أتوا؟ ومتى؟ أية قرابات وراثية تربطهم؟ أية دروب جغرافية جاءت بهم إلى حيث هم؟ كيف تأقلموا مع بيئاتهم؟ وبأية سرعة؟ أية ابتكارات تقنية تُعري إليهم؟ كيف كانت مجتمعاتهم تتفاعل على مدى التاريخ داخلياً وفيما بينها؟ لماذا كان لصفاتهم ولغاتهم أن تتطور؟ هل حدثت في تاريخهم ذبذبات حادة في العدد، بسبب أمراض وبائية مثلاً؟ ستوفر النتائج نبعاً ثقافياً علمياً ثرياً هائلاً، فالقضية المحورية للمشروع قضية ثقافية، وستلقى ضوءاً كثيراً على مختلف الدعاوى والأفكار التي يعج بها كتاب دياموند·

ستعرفنا مثلاً ما إذا كان الأمريكيون الأصليون قد وصلوا إلى أمريكا من آسيا في موجات هجرة متعددة، أم أن هناك جماعة واحدة فقط قد هاجرت إلى هناك وانتشرت وكانت السلف لهم جميعاً· ستعرفنا كيف انتشرت اللغات الهندوأوروبية خلال آسيا وأوروبا· ستقدم الأدلة العلمية لتأكيد وتعضيد ما وضحته دراسات العشائر بالفعل من أن ليس ثمة ما يسمى سلالات بشرية محددة· وقد تحسم الخلاف المزمن حول ما إذا كان الإنسان المعاصر "هومو سابيس Homo sapiens قد نشأ أصلاً في أفريقيا أم على اتساع العالم كله·

يحاول المشروع جاهداً أن يُسرع في عمله قبل أن تختفي بعض الجماعات البشرية الضئيلة العدد ككيانات منفصلة بسبب التمدن أو غيره من القوى· ففي الوقت الذي يتزايد فيه اهتمامنا بدراسة التنوع في الأنواع الحية التي تعمر معنا الأرض، لا يُعقل أن نتجاهل التنوع في جنسنا نحن· يقال إن هناك عدداً من العشائر البشرية يتراوح ما بين أربعة آلاف وثمانية آلاف - وإن كان تحديد تعريف "العشيرة" ليس دقيقاً· والمشروع يهدف مؤقتا ًإلى جمع عينات من "دنا" خمسمائة من هذه العشائر خلال خمس سنوات (الدنا DNA هو المادة الوراثية)·

سيقوم الباحثون من كل عشيرة من هذه (بعد موافقة الحكومات المعنية) بجمع عينات من أفراد عشيرتهم، ليحلل المحتوى الدناوي لها لتقدير تكرارات مجموعة ثابتة يتفق عليها من الجينات والواسمات الوراثية (قد يكون عددها مائة)· وتضم هذه المجموعة واسمات تقليدية معروفة، مثل جينات مجاميع الدم، بجانب الكثير من التباينات في مواقع معينة من سقط الدنا (الذي لا يشفر)، كتلك التي تستخدم في ساحات القضاء لتحديد البصمة الوراثية· مجموعة الواسمات هذه ستكون إذن "محايدة" لا تصلح أن تُربط بذكاء أو بحضارة·

ستكون هناك اختلافات وراثية بين الشعوب - أو "السلالات" - سببها الصدفة الناجمة عن صغر حجم تحت العشائر الرواد (ويعرف دارسو علم وراثة العشائر عنها الكثير)، وسببها الانتخاب الطبيعي الذي سيرفع تكرار جينات وطفرات تلائم الحياة في البيئة، ويخفض تكرار أخرى غير ملائمة· هذا ما قد تقوله نتائج مشروع التنوع· وستكون هناك اختلافات سببها الجغرافيا والبيئة وما توفر،  وهو ما يفصله كتاب دياموند بصورة متميزة فريدة·

إنا عادة ما نحدد السلالة بلون البشرة، هؤلاء سود وهؤلاء بيض، حتى ليتدخل لون البشرة كثيراً في اختيار القرينة أو القرين· ولون البشرة صفة وراثية يتحكم فيها عدد من الجينات يقل عن عشرة· فهل يعقل أن يتوقف المستوى الحضاري لشعب على مثل هذا العدد القليل من الجينات؟ على ثمانية جينات أو عشرة من بين مائة ألف؟ إن عدد الجينات الذي يحدد مختلف مجاميع الدم في البشر يزيد على هذا العدد، فلماذا لم نربط بينها وبين المستوى الحضاري للشعوب؟ لقد لعب الانتخاب الطبيعي دوره في تركيز الجينات التي تفيد في مواجهة الظروف البيئية التي يتعرض لها كل شعب لتزداد تكراراتها فيه، ويلزم أن نحدد الظروف البيئية التي ترفع من تكرارات الجينات "الحضارة" في شعب دون آخر، إذا كانت لنا جميعاً أرومة واحدة· كم يا ترى سيكون عدد مثل هذه الجينات، إن كان ثمة؟ وماذا يا ترى ستكون منتجاتها من "البروتين" التي تتسبب في هذه الفوارق بين الشعوب في الحضارة؟ ثم، أية ظروف بيئية ستكون هذه؟ إن صفات كالحضارة والذكاء هي صفات يصعب تحديد معناها· هي مصطلحات ثقافية، وليست وراثية·

أفرزت حضارة الغرب مقياساً اسمه "معامل الذكاء" IQ تُعرف به هذه الصفة، ثم أخذت تدرسه وكأنه صفة كمية لها أساسها الفيزيقي الوراثي، ليقع في الفخ - سعيدين - مؤلفاً كتاب "منحنى الجرس"، وليقول أحد المتعصبين في تعليق له على الكتاب إن رفض دياموند لدور الذكاء في التاريخ يجعل جدله بلا أهمية عملية· لكن حضارة أخرى قد تحدد للذكاء معنى آخر، وتضع له مقياساً جديداً، ثم ترسم له اختبارات، وتبحث عن الأساس الفيزيقي الوراثي! سيختلف الأفراد داخل أي عشيرة في مثل هذه الصفات المصنوعة، نعم، لكنا نتحدث عن عشائر ومجتمعات قد تتباين حتى في نظرتها إلى الحياة· ثم إن التفاعلات بين مائة ألف جين يحملها كل فرد منا لأبدع حتى من أن يتمكن العلم منها ويماً·

الكتاب الذي نحن بصدد عرضه كتاب في التاريخ، والتاريخ، ما التاريخ؟ إنه قصة واحدة تتكرر، قصة من يملك يقهر من لا يملك! يحكى الكتاب قصة السبب في أن يتملك من تملك، وألا يتملك من لم يتملك· أم تراها هي الأخرى "قصة، يرويها أبله، مليئة بالضوضاء والعنف، ولا تعنى شيئاً"، كما قال "ماكبث"؟!

في عرضنا لكتاب جاريد دياموند "البنادق والجراثيم والفولاذ" سنبدأ بقصتين تثيران الأسئلة التي حاول الكتاب الإجابة عنها·

 

تجربة قام بها التاريخ

 

في 19 نوفمبر 1835 وصلت من الجزيرة الشمالية لنيوزيلنده إلى جزر تشاتهام، على مبعدة 500 ميل منها، سفينة تحمل خمسمائة من رجال قبائل الماورى، مسلحين بالبنادق والهراوات والفؤوس، لتعقبها في 5 ديسمبر سفينة أخرى تحمل أربعمئة آخرين· أعلن هؤلاء احتلالهم للجزر، وأن أهالي الجزر - الموريوري - قد غدوا عبيداً لهم· كان من تقاليد الموريوري أن يحلوا خلافاتهم سلمياً، فقرروا في اجتماع عقدوه ألا يقاوموا، وأن يعرضوا على الماورى السلام ولاصداقة وبعضاً من ثروتهم· وقبل أن يتقدموا بعرضهم هذا هاجمهم الماورى هجوماً مكثفاً وقتلوا منهم المئات في ظرف بضعة أيام، وطبخوا جثث الموتى وأكلوها، واستعبدوا من بقى حياً ليقتلوا معظمهم خلال بضع سنين· قال واحد ممن نجوا: "بدأوا يقتلوننا كالأغنام···· اجتاحنا الذعر· هربنا في الأدغال، اختبأنا في حفر تحت الأرض وفي كل مكان ممكن بعيداً عن أعينهم، ولكن بلا فائدة· كانوا يعثرون عليا ويقتلوننا - رجالاً ونساءً وأطفالاً بلا تمييز"· وقال واحد من الماوري المنتصرين: "وضعنا أيدينا على كل شيء··· حسب عادتنا قبضنا على كل الناس· لم يهرب واحد· فر البعض منهم· فقتلناهم، وقتلنا غيرهم - ماذا في هذا؟ إن هذا يتفق مع عاداتنا"·

يسهل التنبؤ بنتيجة الصدام· الموريورى عشرية صغيرة منعزلة من الصائدين جامعي الثمار، مسلحة بأبسط التكنولوجيات، غير مدربة على الحرب، وتفتقر إلى القيادة والتنظيم· وعشيرة الماورى المهاجمة عشيرة كبيرة العدد من المزارعين الذين انشغلوا طول الوقت بالحروب، وطوروا تكنولوجيا وأسلحة أكثر تقدماً، ويعملون تحت قيادة قوية· كان الماورى إذن هم من قضوا على الموريوري·

هذه القصة تحاكي الكثير مما حدث في العالم القديم، ومما نراه في العالم الحديث، عندما يهاجم شعب كبير العدد، مجهز جيداً، شعباً آخر محدود العدد سيىء التجهيز·

كان أسلاف الموريوري من الماورى الفلاحين الذين هاجروا إلى جزر شاتهام منذ نحو ألف عام· لكن المحاصيل الاستوائية لم تكن تنمو في جو هذه الجزر البارد، ولم يكن أمامهم من سبيل سوى أن يرتدوا ليصبحوا من الصائدين جامعي الثمار· لم يعد بمقدورهم إنتاج فائض من المحاصيل يخزن أو يعاد توزيعه، لم يكن لهم أن يعولوا من لا يعمل بالصيد والجمع من حدأو موظفين أو زعماء· كانوا يصطادون الفقمة والمحار وطيور البحر والأسماك باليد والهراوات، لم يحتاجوا إلى تكنولوجيا معقدة· كانت جزرهم نائية فلا مفر من البقاء بها، وكانت صغيرة لا يمكنها أن تحمل أكثر من ألفي شخص، فتعلموا أن يتعايشوا سوياً في سلام، وتخلوا عن الحروب، وقللوا ما قد يحدث من صراعات إذا ما تزايد عددهم، بخصي بعض المواليد من الذكور·

أما الجزيرة الشمالية الأدفأ، من نيوزيلنده، التي عاش فيها الماورى فقد كانت واسعة تلائم الزراعة، فتزايد عدد من بقى بها ولم يهاجر حتى زاد على المئة ألف، وتطورت بها عشائر كثيفة العدد انشغلت في الاقتتال فيما بينها· ومع الزراعة وتوفر فائض من المحاصيل الزراعية أمكنهم إعالة المتخصصين والزعماء والجنود· وكان الوضع يتطلب تطوير أدوات لزراعة المحاصيل وللحرب وللفنون· ثم أقاموا أبنية للطقوس وعدداً هائلاً من الحصون·

نشأ مجتمع الماورى والموريوري من نفس المجتمع الأصلي، لكن كل منهما مضى منفصلاً في خط من التطور الحضاري مختلف، حتى لم يعد أيهما يعرف بالآخر· مرت سفينة استرالية لصيد الفقمة بتشاتهام في طريقها إلى نيوزيلنده، وأعلنت هناك عن جزر "بها وفرة من السمك، وتمتلئ أرضها بالتوتيات···· سكانها كثيرون، لكنهم لا يعرفون كيف الحرب، وليست لديهم أسلحة"· بعدها اندفع تسعمئة من الماورى يبحرون إلى تشاتهام ويحتلونها، ليتضح لنا بجلاء كيف تؤثر البيئة - وفي وقت قصير - في الاقتصاد والتكنولوجيا والتنظيم السياسي ومهارات الحرب·

باختصار، تقدم قصة جزر بولينيزيا هذه مثالاً مقنعاً عن تباينات البيئة وهي تعمل في المجتمعات البشرية· هي تجربة طبيعية مصغرة توضح كيف تؤثر البيئة في اتجاه تطور المجتمعات البشرية·

إذا تفهمنا أسباب اختلاف سبيل التطور بين هاتين الجزيرتين، فسنجد نموذجاً للقضية الأعرض لاختلاف مسارات تطور المجتمعات على القارات المختلفة·

 

الصدام الأول بين الحضارات

 

وصل الإنسان من آسيا إلى أمريكا منذ نحو ثلاثة عشر ألف عام، عن طريق مضيق بيرنج، وظهرت المجتمعات الزراعية بالعالم القديم، فلم يحدث أي لقاء بينهما إلا في عام 1492، عندما "اكتشف" كريستوفر كولومبوس جزر الكاريبي المكتظة  بالسكان المحليين·

وفي يوم 16 نوفمبر سنة 1532 حدث أول اصطدام تاريخي حاسم بين العالمين: بين آتاهوالبا إمبراطور الإنكا وبين الفاتح فرانشيسكو بيزاروه، في بلدة كاجاماركا على مرتفعات بيرو - الأول هو ملك أكبر دولة متقدمة بالعالم الجديد، والثاني يمثل تشارلس الأول ملك أسبانيا· كان آتاهوالبا إمبراطوراً يقدسه ملايين الإنكا، وكان له جيش من ثمانين ألف جندي· وكان بيزارو ويقود مجموعة من 168 جندياً أسبانياً لا أكثر· ورغم ذلك فقد تمكن بيزارو من أسر أتاهوالبا بعد بضع دقائق من أول لقاء بينهما، ليسجنه ثمانية أشهر حصل فيها على أكبر فدية في التاريخ لقاء الإفراج عنه: كمية من الذهب تملأ حجرة طولها 22 قدماً وعرضها 17 قدماً وارتفاعها ثمانية أقدام· إلا أنه بعد أن حصل على الفدية نكث بوعده وأعدم الإمبراطور· وكان أسر هذا الإمبراطور حاسماً بالنسبة لانتصار الأوروبيين على الإنكا، وكانت اللحظة الفاصلة في أخطر صدام وقع بالتاريخ الحديث، كما أن العوامل التي أدت إلى هذا الأسر كانت هي نفسها التي حددت نتيجة الصدامات المماثلة بين المستعمرين والشعوب المحلية في كل مكان آخر بالعالم·

لماذا أسر بيزارو أوتاهوالبا ولم يحدث العكس؟ كانت جيوش أتاهوالبا تفتقر إلى البنادق والخيل، كانت مسلحة بالحجارة والهراوات الخشبية والقضبان الشائكة والفؤوس والمقاليع والدروع القماشية المبطنة، وكان الجنود الأسبان مسلحين بأدوات حرب مصنوعة من الصلب: سيوف ودروع ورماح وخناجر وبنادق، وكانوا يركبون الخيل· انتصر الأسبان في معركة جاجماركا لأن الهنود شلتهم الأسلحة الفولاذية والبنادق والخيل· ثم انتصروا في أربع معارك بعد هذه كان عدد  المحاربين منهم فيما 80 و30 و110 و40 فارساً، ضد الآلاف أو عشرات الآلاف من الهنود·

ما الذي جاء بأتاهوالبا إلى جاجماركا؟ كان قد انتصر لتوه في معركة فاصلة في حرب أهلية تركت الإنكا مكشوفين منقسمين· وكان السبب في هذه الحرب الأهلية انتشار وباء الجدري بين الهنود الأمريكيين بعد أن جاء به المستوطنون الأسبان في بنما وكولومبيا· ثم توفى كاباك إمبراطور الإنكا بهذا المرض، وكذلك معظم حاشيته، نحو عام 1526· ومات بعده بقليل خليفته، ليتفجر صراع على العرش بين أتاهوالبا وأخيه نصف الشقيق· وبصورة أو أخرى، فإن ذهاب أتاهوالبا إلى كاجاماركا هو أحد مفاتيح تاريخ العالم: فالأمراض تحملها الشعوب المهاجمة المنيعة ضدها، وتنقلها إلى شعوب تفتقر إلى هذه المناعة· لقد لعبت أمراض الجدري والحصبة والأنفلونزا المعدية المتوطنة في أوروبا دوراً حاسماً في انتصار الأوروبين، بأن أهلكت القسم الأعظم من شعوب القارات الأخرى· (ومن ناحية أخرى فإن الملاريا والحمى الصفراء وغيرها من أمراض المناطق الاستوائية بأفريقيا والهند وجنوب شرفي آسيا وغينيا الجديدة، كانت هي أهم العقبات أمام الأوروبيين في استعمار هذه المناطق)·

أما بيزارو فقد وصل إلى كاجاماركا على ظهر سفن أنتجتها الحضارة الأوروبية، ولم يكن لأتاهوالبا أن يبحر إلى أسبانيا· وساعد بيزارو أنه كان في أسبانيا تنظيم سياسي مركزي مكنها من تمويل وبناء وتجهيز هذه السفن· وفي المقابل كان للإنكا أيضاً تنظيم سياسي مركزي، لكن بيروقراطيتهم قد توحدت مع تأليه الإمبراطور، فتفككت برحيله· جاء بيزارو بسبب تطور الكتابة في أوراسيا· كان الأسبان يعرفون الكتابة، ولم تكن الإنكا نعرفها· فبالكتابة يمكن أن تنقل المعلومات بشكل أسرع من الكلام، وأكثر دقة وكمالاً· لماذا وقع أتاهوالبا في الفخ؟ لأنه لم تكن لديه معلومات عن الأسبان المهاجمين، عن قوتهم العسكرية، عن أهدافهم· وصلته معلومات هزيلة مضللة بالفم، من رسول قادم بزيارة قوة بيزارو· لم تكن قد وصلته أنباء عن غزو الأسبان لبنما منذ عام 1510، ودحرهم لوسط أمريكا حيث كانت أقوى المجتمعات الهندية وأكثرها عدداً·

كانت أسباب نجاح بيزار إذن هي: تكنولوجيا الحرب المتقدمة المرتكزة على البندقية والأسلحة الفولاذية والخيل والأمراض المعدية المتوطنة في أوراسيا، وتكنولوجيا السفن الأوروبية، والتنظيم السياسي المركزي لدول أوروبا، والكتابة·

ويبقى السؤال: لماذا كانت كل هذه المميزات من نصيب أوروبا لا العالم الجديد؟ لماذا لم يكن الإنكا هم من ابتكر البندقية والسيف والفولاذ؟ لماذا لم يركبوا الخيل؟ لماذا لم ينقلوا  هم أمراضهم المتوطنة إلى أوروبا؟

 

سؤال "يالى"

 

منذ قرنين من الزمان كان أهالي غينيا الجديدة لايزالون يعيشون في "العصر الحجري"، يستخدمون الأدوات الحجرية التي استبدلت بها أوروبا الأدوات المعدنية منذ آلاف السنين، يعيشون في قرى لم تنتظمها حكومة سياسية مركزية· ثم جاء الرجل الأبيض، وأقام حكومة مركزية، واستحضر معه "سلعاً" جديدة - كالفؤوس والصلب والكبريت والأدوية والقماش·· إلخ - ليتلقفها على الفور هؤلاء "البدائيون" - فهذه كانت صفتهم عند البيض الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "السادة"·

في عام 1972، وكان مؤلف الكتاب يعمل في غينيا الجديدة، سأله يالى، أحد كبار ساسة هذه البلاد، سؤالاً غريباً بسيطاً: "لماذا طورتم أنتم يا أيها البيض كل هذه السلع وأحضرتموها هنا إلينا، ولمن نطور نحن السود إلا القليل من السلع"؟

يمكننا أن نضع السؤال في صيغة أخرى: لماذا وزعت الثروة والسلطة في العالم في صورتها الحالية وليس بأية صورة أخرى؟ لماذا لم تكن الشعوب الأصلية بأمريكا وأفريقيا وأستراليا هي من أهلك الأوروبيين والآسيويين واستعبدوهم أو حتى أبادوهم؟

فالشعوب ذات الأصل الأوراسي تسود العالم الآن - قوة ونفوذاً - أما الشعوب الأخرى فلا تزال حتى بعد التخلص من الاستعمار شعوباً متخلفة في القوة والنفوذ، بل إن شعوباً كالسكان الأصليين في استراليا وفي الأمريكتين لم تعد حتى تسود أراضيها، فقد هلك معظمهم واستعبدوا، بل وأبيدوا في بعض الحالات على أيدي المستعمرين·

في عام 1500م عند بداية التوسع الاستعماري الأوروبي، كانت الشعوب بالقارات المختلفة تختلف بالفعل كثيراً في التكنولوجيا وفي التنظيم السياسي· كان الكثير من بلدان أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا دولاً مزودوة بالمعادن، والبعض منها على وشك الدخول في ثورة تصنيع· وكان هناك شعبان بأمريكا - الأزتيك والإنكا - يحكمان إمبراطوريتين بالأدوات الحجرية، أما معظم الشعوب الأخرى فكانت لاتزال تعيش كفبائل زراعية،بل إن البعض منها كان لايزال يحيا على الصيد وجمع الثمار، عدته الأدوات الحجرية·

ولقد كانت هذه الفروق التكنولوجية والسياسية الموجودة عام 1500م هي السبب المباشر في كل هذا التفاوت الذي نشهده الآن بين شعوب العالم·

كانت كل الشعوب بكل القارات حتى نهاية العصر الجليدي الأخير (منذ نحو 13 ألف عام) تعيش على الصيد وجمع الثمار البرية، لكنها مضت تتطور بمعدلات متباينة تسببت في التفاوت التكنولوجي والسياسي بينها مع حلول عام 1500م: بقى السكان الأصليون باستراليا والكثير من السكان الأصليينبالأمريكتين يحيون على الصيد والجمع، أما معظم الشعوب بأوراسيا والعديد من شعوب الأمريكتين وأفريقيا تحت الصحراء الكبرى، فقد طوروا بالتدريج الرعي والزراعة والتعدين والتنظيم السياسي المعقد، بل لقد تطورت الكتابة في بعض مناطق أوراسيا ومنطقة في أمريكا·

يمكن أن نعيد صياغة سؤال يالى حول التفاوت بين الشعوب المعاصرة كما يلي: لماذا جرى تطور المجتمعات البشرية بمثل هذه المعدلات المختلفة في القارات المختلفة· تشكل هذه المعدلات المتباينة الصورة العريضة للتاريخ، الذي هو موضوع هذا الكتاب· فهذا كتاب عن التاريخ وما قبل التاريح· إن تاريخ التفاعلات بين الشعوب هو ما شكل العالم الحديث، من خلال الاحتلال والأوبئة، والإبادة التي لاتزال أصداؤها تتردد في بعض مناطق العالم حتى الآن: فما فتئت العشائر المحلية الكبيرة العدد تثير الاضطرابات المدنية وحرب العصابات ضد الحكومات التي تتشكل من سلالات الغزاة المنتصرين (في مناطق بأفريقيا أمريكا الوسطى والمكسيك وبيرو وكاليدونيا الجديدة والاتحاد السوفيتي السابق اندونيسيا)، ولاتزال العشائر المحلية القليلة العدد والتي انخفضت أعدادها بسبب الإبادة أو الأمراض تؤكد دوماً حقوقهاإذ لا تستطيع القيام بحرب أهلية (في هاواي واستراليا وسيبيريا والهنود الحمر في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين وشيلي)·

غير أن هناك من يرى أن توجيه سؤال يالى في حد ذاته يتضمن أوتوماتيكيا تمجيداً للأوروبيين الغربيين وتأكيداً لفكرة تفوق الغرب في عالم اليوم· لكن معظم الكتاب يركز على شعوب غير الأوروبيين، وعلى التفاعل بين الأوروبيين وغير الأوروبيين وعلى العلاقات بين غير الأوروبيين وبعضهم البعض·

وهنا أيضاً من يقول إننا إذا نجحنا في تفسير السبب في أن يسود بعض الشعوب على غيرها، فإنا إنما نقدم تبريراً لهذه السيادة· ألا يعني مثل هذا التفسير أن هذه النتيجة كانت حتمية، فتصبح محاولة تغييرها ضرباً من العبث؟ بيد أن هذا يعني خلطاً بين تفسير الأسباب وبين تبرير النتائج أو قبولها، فالتفسير التاريخي قضية منفصلة عن التبرير· إن التفسير يمكن أن يستخدم في محاولة تغيير النتائج لا تكريرها أو تخليدها·

ثم هناك أيضاً من يرى أن استعمال مصطلح "الحضارة" ينقل الانطباع الخاطئ بأنا لحضارة شيء طيب، وأن الصائدين جامعي الثمار أناس بائسون، وأن التاريخ خلال الثلاثة عشر ألف عام الماضية قد تضمن تقدماً نحو سعادة أكبر للإنسان· لكن المؤلف لا يفترض أن الدول الصناعية "أفضل" من جماعات الصثد والجمع، أو أن هجر حياة القنص والجمع لتشكيل دولة ترتكز على الحديد يمثل تقدماً، أو أن ذلك قد قاد إلى زيادة سعادة الإنسان·

إن أكثر الاجابات شيوعاً على سؤال يالى هو القول تصريحاً أو تلميحاً بأن هناك فروقاً بيولوجية بين الشعوب·

افترض المستكشفون الأوروبيون في القرون بعد عام 1500م أن الفروق الواسعة بين شعوب العالم في التكنولوجيا والتنظيم السياسي إنما ترجع إلى فروق في المواهب الطبيعية بينها· فلما ظهرت نظرية التطور لداروين أعيدت صياغة التفسير باستدعاء الانتخاب الطبيعي، فالشعوب البدائية تكنولوجياً هي بقايا تطورية لأسلاف الإنسان من القردة· وأن ما يقوم به المستعمرون البيض من إبادة لهذه الشعوب إنما يمثل مبدأ البقاء للأصلح· ومع تقدم علوم الوراثة في أيامنا هذه أعيدت الصياغة ثانية لتصبح وراثية، وقيل إن الأوروبيين أذكى من الأفارقة، وإذكى كثيراً من الاستراليين الأصليين·

ترفض بعض القطاعات بالمجتمع الغربي الآن العرقية، هذا صحيح، لكن الكثير من الغربيين،وربما معظمهم، يقبلون التفسير العرقي سراً أو جهراً، ويجادلون كالتالي: لقد شيد المهاجرون من البيض إلى استراليا، في ظرف قرن لا أكثر، دولة ديمقراطية ذات نظام سياسي مركزي يرتكز على الأدوات المعدنية وعلى الزراعة، بينما بقى سكان استراليا الأصليون هناك كقبائل قنص وجمع ثمار دون ما معادن لفترة لا تقل عن أربعين ألف عام· نفس البيئة، ولم يتغير سوى البشر· أثمة دليل أقوى من هذا على وجود اختلافات فطرية بين الأوروبيين والسكان الأصليين؟ هذا تفسير كريه، وهو أيضاً خاطئ· ويوضح الكتاب لماذا هو خاطئ، بل يزيد بأن شعوب "العصر الحجري" الحالية ربما كانت أذكى من الشعوب الصناعية·

يعتقد المؤلف أن أهالي غينيا الجديدة أذكى من الغربيين اليوم·يقول إن إن الأوروبيين عاشوا آلاف السنين في مجتمعات كثيفة العدد لها حكومات مركزية وبوليس وقضاء· وفي مثل هذه المجتعات تنتشر أوبئة الكثافة السكانية (كالجدري) لتكون هي السبب الرئيسي في الوفاة، فالقتل فيها غير شائع والحرب هي الاستثناء لا القاعدة، من ينجو من العدوى، بفضل مقاومة وراثية للأمراض تطورت، سينجو على الأغلب أيضاً من الأسباب الأخرى للموت ويمرر جيناته إلى نسله، بغض النظر عن ذكائه·

أما أهالي غينيا الجديدة فقد عاشوا في مجتمعات صغيرة لا تنتشر بها أوبئة الكثافة السكانية، وكان السبب الرئيسي للوفاة هو القتل والحروب بين العشائر، والحوادث في محاولات الحصول على الغذاء· والاذكى فعلاً هو من يتمكن من البقاء حياً تحت هذه الظروف·

لاحظ بعض المعلقين أن الكتاب يكرر مرات عديدة رأيه بأن أهالي غينيا الجديدة أذكى من كل شعوب الأرض· فكتب واحد يقول إن المؤلف يحاول أن يقول ألا فوارق بين الشعوب، ثم يؤكد في نفس الوقت تفوق أهالي غينيا الجديدة! ألانه قضى أفضل أيام حياته هناك يدرس ويحصل على الأوسمة؟ وكتب آخر يقول إن الكتاب ليس إلا حلقة في سلسلة الهجوم على الحضارة "الأواسية" تحاول أن تعتذر عن أكبر نجاحات البشرية: الحضارة! أما فكرة تفوق أهالي غينيا الجديدة فهي - عنده - ليست سوى "فكرة حمقاء ورأي سخيف"·

وليس التفسير الوراثي هو الإجابة الوحيدة على سؤال يالى،إذ يقال إيضاً إن الجو البارد يثير الذكاء، بينما تتسبب الأجواء الحارة الرطبة الاستوائية في تقليص الإبداع والنشاط، كما أن التباين في المناخ بين فصول السنة على خطوط العرض العليا، يتطلب أن يكون الفرد مبتكراً كي يعيش، يبنى لنفسه منزلاً دافئاً ويرتدي ملابس ثقيلة، أما العائش في المناطق الاستوائية الحارة فلا يحتاج إلا إلى مأوى بسيط ولا ملابس· ثم إن فصول الشتاء الطويلة عند خطوط العرض العليا تسمح للفرد بوقت أطول للجلوس في البيت والتفكير والتأمل والإبداع·

لكن هذا التفسير هو الآخر فاسد· فشعوب شمال أوروبا لم تسهم بشيء ذي أهمية للحضارة الأوروأسيوية حتى الألف سنة الأخيرة، وإنما وصلهم ما أنجز من تطورات تمت بالمناطق الأدفأ، من أوراسيا (كالزراعة والتعدين والعجلة والكتابة)·

ثمة تفسير آخر يعطي أهمية لأودية الأنهار في المناخ الجاف الذي تعتمد فيه الزراعة على نظم ري واسعة تتطلب بيروقراطيات مركزية، فقد ظهرت أقدم الإمبراطوريات وأقدم نظم الكتابة في وادي دجلة والفرات بالهلال الخصيب وبوادي النيل بمصر· لكن الدراسات الأرشيولوجية قد بينت أن نظم الري المعقدة لم تصاحب بزوغ البيروقراطيات المركزية، إنما أعقبتها بعد فترة طويلة، بمعنى أن المركزية السياسية ظهرت لأسباب أخرى ثم سمحت بإنشاء نظم الري المعقدة· لقد نشأت الزراعةوحياة القرى في الهلال الخصيب على التلال والجبال لا في وديان الأنهار· وظل وادي النيل راكداً حضارياً بعد أن بدأت الزراعة وازدهرت على تلال الهلال الخصيب بنحو ثلاثة آلاف عام، وبقيت وديان الأنهار بجنوب شرقي استرالي دون زراعة تقطنها المجتمعات المحلية·

لكن هناك تفسيراً آخر يرصد العوالم المباشرة التي كانت مسؤولة عن انتصارات الغرب وقتل أو دحر الشعوب الأخرى: البنادق، الأمراض المعدية، الأدوات المصنوعة من الفولاذ، ثم يدعو إلى البحث عن الأسباب الأساسية وراء هذا: لماذا كان الأوروبيون، لا الأفارقة ولا القبائل الأمريكية الأصلية ولا سكان استراليا الأصليون، هم من توصلوا إلى البندقية، وإلى أسوأ الجراثيم، وإلى الفولاذ؟ نفترض أن أفريقيا هي القارة التي نشأ بها الإنسان الحديث، وهي القارة التي تحمل من الأمراض المتوطنة (كالملاريا والحمى الصفراء) ما قتل المستكشفين الأوائل، فلماذالم تظهر البنادق والصلب أولاً في أفريقيا، ويتمكن الأفارقة وجراثيمهم من هزيمة أوروبا؟ لماذا لم يتخط الاستراليون الأصليون مرحل الصيد وجمع الثمار والأدوات الحجرية؟ لماذا طورت بعض الشعوب قبل غيرها البنادق والجراثيموالصلب ولم تطورها أبداً شعوب أخرى؟ لماذا ظهرت الأدوات البرونزية مبكراً في بعض مناطق أوراسيا، ومتأخراً في العالم الجديد ولم تظهر أبداً في استراليا القديمة؟ لماذا سلكت الشعوب المختلفة دروباً من التاريخ مختلفة؟

يمكن تلخيص إجابة الكتاب عن هذه الأسئلة في جملة واحدة: "سلكت تاريخ الشعوب المختلفة دروبا مختلفة: بسبب فروق في بيئات هذه الشعوب، لا بسبب اختلافات بيولوجية بينها"· لقد جغرف المؤلف أسباب الاختلافات بين الشعوب· وأثر الجغرافيا في تطور المجتمعات فكرة قديمة، والكل يعترف بأثرها في مجرى التاريخ فهذا جمال حمدان يقول "إن الجغرافيا عامل مهم في تفسير الحياة والحضارة والتاريخ (في مصر) والسؤال هو: ما حجم هذا الأثر؟ وهل تستطيع الجغرافيا أن تفسر المجرى العريض للتاريخ"؟

لقد تغير الأمر الآن وأصبح ناضجاً لنظرة جديدة إلى هذه القضايا، بسبب التقدم العلمي الهائل في مواضيع قد يبدو بعضها بعيداً عن تاريخ الإنسان: الوراثة، البيولوجيا الجزيئية، البيوجغرافيا وتطبيقاتها على المحاصيل وعلى أسلافها البرية، البيولوجيا الجزيئية لجراثيم الأمراض البشرية والحيوانية، وراثة الإنسان، علم الأوبئة، علوم اللغة، الدراساتالأرشيولوجية لكل القارات والجزر الكبيرة، تاريخ التكنولوجيا، والكتابة، والتنظيم السياسي·

 

نشأة الزراعة

 

ظل البشر يطعمون من صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية حتى نحو أحد عشر ألف عام مضت، عندما تحول بعضهم إلى إنتاج الغذاء "أي الزراعة، ونعني بها تدجين الحيوانات والنباتات البرية وأكل ما ينتج عنها· ولقد كان إنتاج الغذاء شرطاً لتطوير البندقية والجراثيم والفولاذ، إن يكن بطريق غير مباشر· وعلى هذا فإن التباينات الجغرافية بين القارات التي تؤدي إلى سرعة أو بطء التحول إلى الزراعة ستفسر الكثير من المصائر المختلفة للشعوب·

إنتاج الغذاء يوفر للبشر طاقة أكثر· فالصائد جامع الثمار لن يجد بين الأنواع البرية من البناتات أو الحيوانات إلا عدداً محدوداً فقط يمكنه أكله ويستحق القنص والجمع· فمعظم الأنواع في الطبيعة لا تصلح للأكل إذ قد تكون غير قابلة للهضم أو سامة أو منخفضة القيمة الغذائية أو صعبة التجهيز أو صعبة الجمع أو خطرة في الصيد· ومعظم ما على الأرض من الكتلة الحيوية يوجد في صورة خشب أو أوراق نبات لا نستطيع هضمها· فانتخاب وتنمية العدد القليل من أنواع النبات والحيوان الذي يمكن أكله سيرفع النسبة المأكولة من الكتلة الحيوية على مساحة الأرض المستغلة، لتصل إلى %90 بدلاً من %0.1، وبذلك يمكن للفدان أن يُطعم من الرعاة والزراع عشرة إلى مئة ضعف عدد ما يطعمه من الصائدين جامعي الثمار· ثم إن الثدييات، كالأبقار والجاموس والماعز والرنة والياك، توفر من اللبن للبشر عند استئناسها أضعاف أضعاف ما تقدمه من سعرات حرارية إذا ما اقتنصت وذُبحت وأُكل لحمها·

تؤدي الزراعة إذن بشكل مباشر إلى زيادة تعداد البشر، إذ توفر غذاء يفوق بكثير ما يوفره أسلوب القنص والجمع· وهي تؤدي إلى الاستقرار، فأسلوب الصيد والجمع يجعل المجتمع متحركاً رحالاً بيحث عن الطعام الربي، أما المزارع فيلزم أن يبقى قرب حقله أو حديقته وأن يستقر· والاستقرار في حد ذاته يؤدي إلى زيادة كثافة العشائر إذ يتسبب في تقصير الفترة بين كل ولادتين متتاليتين· فالأم في مجتمعات الصيد والجمع ترحل مع الجماعة في كل حين، ولايمكنها بعد ولادة طفل أن تحمل في التالي إلى أن يكبر من معها ويستطيع السير مع الجماعة بنفس السرعة· تقول الإحصائيات إن المرأة من البدو الرحل تلد في المتوسط مرة كل أربع سنوات - وذلك بإطالة فترة الرضاعة والامتناع عن الجماع والإجهاض· أما في المجتمعات المستقرة فيمكن للمرأة أن تلد أي عدد من الأطفال يمكنها إطعامه، وقد وجد أنها تلد في المتوسط مرة كل سنتين، أي ضعف ما تلده امرأة الصائد الجامع·

ثم إن الاستقرار الذي تتطلبه الزراعة يسمح بتخزين فائض الغذاء فالتخزين لا يعني شيئاً إذا لم يوجد قربه من يحميه· وتخزين الغذاء أمر أساسي لإطعام الاخصائيين ممن لا ينتجون أي طعام، كالكتبة الإداريين والملوك· فإذا ما أنتج المجتمع فائضاً من الغذاء وخزنه قامت نخبة سياسية لتتحكم في توزيع هذا الفائض الذي أنتجه غيرهم، فتفرض الإتاوات والضرائب وتبتعد هي تماماً عن إنتاج الطعام بنفسها، وتنشغل طول الوقت في الأنشطة السياسية· (ومثل هذا أمر يصعب حدوثه في مجتمعات الصيد والجمع التي عادة ما تفتقر إلى الإداريين والزعامة الوراثية، لأن كل الأفراد القادرين جسدياً يكرسون وقتهم في جمع الطعام)· ثم إن فائض الغذاء سيستخدم أيضاً في إطعام جنود محترفين، وفي تغذية الكهنة (الذين يوفرون التبرير الديني لشن الحروب)، وفي تدعيم وإعالة عمال للتعدين يطورون السيوف والبنادق وغيرها من التكنولوجيات، وفي إطعام الإداريين الذين يحفظون الرئاسة معلومات أكبر كثيراً مما يمكن للذاكرة أن تستوعبه·

ومع استئناس الحيوانات والاستقرار، تعرضت مجتمعات الزراعة لأمراض الحيوان، التي تطورت جراثيمها بالطفرات حتى أصبحت أمراضاً بشرية معدية مثل الجدري والحصبة والأنفلونزا· كان مربو الحيوان هم أول ضحايا الجراثيم الجديدة· لكنهم - بدورهم -ـ طوروا مقاومة وراثية معقولة ضدها· فإذا ما اتصل هؤلاء بمن لم يسبق لهم التعرض لهذه الجراثيم ظهرت بينهم الأوبئة·

أين ومتى وكيف تطورت الزراعة بالمناطق المختلفة من العالم؟

ظهرت الزراعة مستقلة في منطقة الهلال الخصيب (الشرق الأوسط حالياً)، والصين، وأمريكا الوسطى، والإنديز والأمازون، وشرقي الولايات المتحدة· وهناك مناطق أخرى محتملة: منطقة الساحل بأفريقيا، أفريقيا الغربية الاستوائية، إثيوبيا، غينيا الجديدة· ففي الهلال الخصيب استؤنس القمح والبسلة والزيتون، والأغنام والماعز منذ نحو 8500 عام قبل الميلاد· أما في الصين فقد استؤنس الأرز والدخن، والأغنام والماعز منذ 7500 عام قبل الميلاد· واستؤنس في أمريكا الوسطى الذرة والفول والقرع، والدجاج الرومي منذ 3500 عام ق م· وفي الانديز والأمازون استؤنست البطاطس والكاسافا، واللاما وخنزير غينيا منذ 3500 عام ق م· أما في شرق الولايات المتحدة فقد استؤنس من النباتات عباد الشمس ورجل الأوز (ولا حيوانات) منذ نحو 2500 عام قبل الميلاد·

وقد تم أيضاً استئناس الحيوان والنبات في مناطق أخرى محلية بعد أن وصلتها المحاصيل الرئيسية من مناطق أخرى سبقتها، كما حدث في مصر التي بدأت الزراعة فيها في الألف السادسة قبل الميلاد مع وصول المحاصيل الزراعية وحيوانات الزراعة من الهلال الخصيب - إذ استأنست مصر الجميز والشوفان، والحمار والقط·

باختصار ظهرت الزراعة في مناطق من العالم متعددة بشكل مستقل، وكان ذلك في أزمنة تختلف كثيراً، ومنها تعلم الصائد جامع الثمار الزراعة، وحل المزارع محل الصائد الجامع إذن في أزمنة مختلفة جداً· لكن بعض الشعوب في مناطق ملائمة إيكولوجيا للزراعة لم يطوروا زراعة، ولم يكتسبوها حتى الزمان الحديث· وعلى هذا فإنا نتوقع أن يكون للشعوب بالمناطق التي ظهرت فيها الزراعة مبكراً الأسبقية والبداية الطيبة المبكرة على الطريق إلى البنادق والجراثيم والفولاذ·

كيف نفسر هذه الاختلافات في زمن توطيد الزراعة؟ هذه واحدة من أهم معضلات ما قبل التاريخ·

منذ أربعين ألف عام وحتى أحد عشر ألف عام مضت كان كل الناس على الأرض من الصائدين جامعي الثمار، فلماذا يتحول البعض منهم إلى إنتاج الغذاء بالزراعة؟ وإذا كان ثمة سبب لذلك، فلماذا حدث هذا بالهلال الخصيب منذ نحو 10500 سنة، ولم يحدث إلا بعذ ذلك بثلاثة آلاف عام في مناطق أخرى لها مناخ شبيه بمناخ الهلال الخصيب؟ ثم لماذا لم يحدث ذلك بتاتاً في مناطق أخرى لها نفس المناخ تقريباً - في كاليفورنيا وجنوب غرب استراليا ومنطقة الكاب بجنوب أفريقيا؟

وصف توماس هوبز أسلوب حياة الصائدين جامعي الثمار بأنه "مقرف، فظ، وقصير"· كانوا على ما يبدو يعملون بجد لا يعرف الكلل، تدفعهم الحاجة اليومية إلى الطعام، يقتربون كثيراً من حد المجاعة، يفتقرون إلى أدنى وسائل الراحة، ويموتون في سن الشباب· فهل الزراعة توفر لهم حياة أفضل؟ واقع الأمر يقول إن الزراعة حتى في زماننا هذا لا توفر لفلاح الدول الفقيرة عملاً بدنيا أقل، أو وسائل راحة أفضل، أو تحرراً من الجوع، أو حياة أطول· ثم إن الدراسات الأرشيولوجية تقول إن الزراع الأوائل بالكثير من بقاع العالم كانوا أصغر حجماً وأسوأ تغذية وأكثر عرضة للأمراض وأقل عمراً من الصائد جامع الثمار الذي حلوا محله· فلماذا تحول الإنسان إلى الزراعة؟

يلزم هنا أن نقول إن ما حدث بالفعل لم يكن "اكتشافاً" للزراعة· لم تكن الزراعة ابتكاراً كما قد نعتقد· ولم يواجه الصائد الجامع موقفاً كان عليه فيه أن يختار بين أن يستمر بأسلوب حياته أو أن يتحول إلى الزراعة· نعني أن الإنسان بالهلال الخصيب لم يقم عامداً باختيار أن يكافح لتوطيد الزراعة، فلم يكن ثمة ما يسمى زراعة - إنما تطورت هذه كنتيجة جانبية لقرارات اتخذت دون أن تُدرك نتائجها· علينا إذن أن نجيب عن السؤال: لماذا تطورت الزراعة أصلاً؟ ثم لماذا تطورت في مناطق دون غيرها؟ ولماذا حدث ذلك في المناطق المختلفة في أزمنة متباينة؟ ولماذا لم يحدث قبل هذه التواريخ أو بعدها؟

الزراعة تطورت تدريجياً، على مراحل· لم يستأنس الإنسان النباتات والحيوانات كلها في أي منطقة في وقت واحد، إنما بالتدريج على مدى آلاف السنين· ظل الناس في المراحل الأولى يجمعون النباتات البرية ويزرعون ما استأنسوا من نباتات، إلى أن تحولوا من الاعتماد الكامل على الأغذية البرية إلى طعام لا يحتوي منها إلا على أقل القليل· تطورت الزراعة نتيجة لتراكم القرارات المنفصلة· بشأن تقسيم العمل والمجهود· كم يُبدل منها في رعاية المزروعات، وكم يبذل في صيد الأسماك أو في صيد غزال؟ الإنسان في كل وقت يبحث عما يوفر له أفضل عائد في أقل وقت وبأقل مجهود، مع أكبر ضمان للحصول عليه، ثم إنه ينشد تقليل خطر الوقوع في مجاعة·

لم يتم التحول إلى الزراعة إذن عن عمد· لكن ما إن ظهرت حتى انتبه إليها الجيران من الصائدين جامعي الثمار، ليتخذوا الآن قراراتهم مدركين· فلقد ينقلون الزراعة صفقة كاملة، ولقد يختارون منها البعض فقط، وقد يرفضونها كلية· كانت أوضاع الصائدين الجامعين بجنوب شرقي أوضاع الصائدين الجامعين بجنوب شرقي أوروبا أقل إنتاجية من الزراعية وأقل منافسة، ومن ثم تحولوا إلى محاصيل الهلال الخصيب وأخذوها صفقة واحدة: الحبوب والبقول وحيوانات المزرعة، وذلك منذ نحو ثمانية آلاف عام، لتنتشر إلى أواسط أوروبا في ظرف ألف عام· أما في جنوب غرب أوروبا فلم تكن أحوال الصائد الجامع بمثل هذا السوء، لذا نجده وقد نقل الزراعة بالتدريج، الأغنام أولاً، ثم تلتها الحبوب·

ثمة أسباب عديدة اقترحت لتبرير انتصار أسلوب الزراعة على أسلوب الصيد والجمع· أولها: انخفاض المتاح من الأغذية البرية، لاسيما الحيواني منها، خلال الثلاثة عشر ألف عام الماضية، الأمر الذي جعل أسلوب القنص والجمع أقل إثابة - ولقد اقترح أن السبب في استئناس الحيوان الزراعي بالهلال الخصيب الذي كان مصدراً أساسياً للحوم للصائدين الجامعين بهذه النطقة·

أما العامل الثاني فهو أن التغيرات المناخية في نهاية العصر البلايوستيسيني بمنطقة الهلال الخصيب قد أدت إلى اتساع مساحة المنطقة الصالحة لنمو النباتات النجيلية البرية، التي تعطى مقادير هائلة من الحبوب في وقت قصير، وتوفر هذه النباتات البرية قد جعل استئناسها أمراً مجزياً، فكانت هي أسلاف أول ما استؤنس من نباتات: القمح والشعير·

أما العامل الثالث فهو تراكم التطويرات التكنولوجية التي اعتمدت عليها الزراعة في نهاية الأمر: تكنولوجيات جمع وتخزين الحبوب البرية التي ظهرت بسرعة بعد 11000 سنة قبل الميلاد، والتي ابتُكرت أساساً للتعامل مع الوفرة الجديدة من الحبوب البرية· من بين هذه التكنولوجيات مناجل ذات أسلحة من الصوان لها مقابض من العظم أو الخشب لحصاد الحبوب البرية، وسلال لحمل الحبوب من على جوانب التلال حيث تنمو، وهاونات ومدقات، وتقنية لتحميص الحبوب حتى يمكن تخزينها دون أن تتبرعم، وتقنية للحفر تحت الأرض للتخزين، التي قد تُبطن لمنع النشع·

ثم هناك تلك الرابطة ثنائية الاتجاه بين تزايد الكثافة السكانية وزيادة إنتاج الغذاء من الزراعة - فقد وجدت شواهد كافية على ارتباط بين الكثافة السكانية والزراعة· أيهما كان السبب وأيهما كان النتيجة؟ قضية البيضة والدجاجة! هل التزايد السكاني هو الذي دفع البشر إلى التحول إلى الزراعة، أم أن إنتاج الغذاء بالزراعة هو الذي سمح بزيادة الكثافة السكانية؟ الواضح أنها علاقة ذاتية التحفيز - دورة تغذية استرجاعية موجبة - على أن تزايد كثافة السكان كان يتم بصورة أسرع قليلاً من تزايد الغذاء المتاح، الأمر الذي يعلل السبب في أن يبدو مُنتج الغذاء أسوأ تغذية ممن حل محلهم من الصائدين جامعي الثمار·

وأخيراً فإن تزايد السكان من منتجي الأغذية سيمكنهم من أن يحلوا محل جيرانهم من الصائدين الجامعيين، أو أن يقضوا عليهم

وأخيراً فإن تزايد السكان من منتجي الأغذية سيمكنهم من أن يحلوا محل جيرانهم من الصائدين الجامعيين، أو أن يقضوا عليهم·

 

* من مجلة الكتب وجهات نظر العدد العاشر نوفمبر 1999

** أستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة

طباعة