رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 20-26شوال 1410هـ - 26يناير-1فبراير2000
العدد 1412

حكاية من تاريخ الكويت – 2
الرجل الذي سجن عامين لقيامه بدفع رسم اشتراك بمجلة "الخلافة" للشيخ مبارك الصباح

كتب يحيى الربيعان:

حدثت هذه الحكاية في عهد حكم السلطان العثماني، عبدالحميد خان الثاني، المولود في 21 سبتمبر 1842م، اعتلى العرش في 10 أغسطس سنة 1876م، وخلع منه سنة 1908م، توفي سنة 1918م (1)· وجاءت وفاته بعد وفاة الشيخ مبارك الصباح بثلاث سنوات ولهذه البيانات سبب سنأتي على ذكره فيما بعد· لقد كانت فترة حكم السلطان عبدالحميد أسوأ فترات حكم سلاطين بني عثمان الذين توارثوا الحكم في الدولة العثمانية، حيث حكم تركيا والدول التي كانت تقع في دائرة نفوذها وهيمنتها بدكتاتورية مقيتة، كان يجد هذا السلطان -خاصة - متعة كبيرة في خنق الحريات، مما أدى إلى زعزعة الأمن الداخلي سواء داخل ديار بكر أم في الدول العربية والأجنبية الواقعة تحت نفوذه·

لقد كتب سليمان فيضي في مذكراته (2) وهو الذي عايش فترة حكم السلطان عبدالحميد: "كانت الحرية عدوة السلطان وأعوانه، وممارستها جريمة لا تغتفر، فالحريات بكل أنواعها لم تكن مباحة في ذلك العهد كحرية الكلام وحرية النشر والصحافة والتأليف والعمل الحزبي·

حتى إنهم منعوا الكلمات التالية لفظا أو تحريرا: الحرية، الدستور، القانون الأساسي، جمهورية، خلع، ثورة، إنصاف، ظلم، إلى آخر ما هنالك من كلمات أو مصطلحات قد يفهم منها معاداة السلطات أو نظام حكمه، وقد تجاوز الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك، فحرم الأسماء التالية على المواليد الجدد، حتى الأشخاص لم يسلموا من ذلك التحريم·

فمن كان اسمه: سلطان مثلا يجب عليه أن يبدل الطاء بتاء، فيدعى: سلتان،، ومن كان اسمه عبدالحميد ، حوره إلى حامد أو حميد، ومن كان اسمه خليفة استبدله باسم آخر، وهكذا كان الخوف يعتم الحياة، فضلا عن وشايات الجواسيس، أما حرية الصحافة في العراق العثماني فقد أصابها ما أصاب كل الناس آنذاك من ملاحقات واضطهاد، فبعد أن كانت تصدر في البصرة وحدها ثلاث عشرة جريدة في أوائل هذا القرن، أصبحت كل جريدة ما تكاد تصدر حتى تعلن توقفها، وكثيرا ما يتعرض أصحاب هذه الصحف إلى الاضطهاد والملاحقة، من قبل مخابرات السلطان عبدالحميد، على الرغم من أنها تشغل جزءا كبيرا من صفحاتها الأولى بمدح السلطان والدعاء له·

ومن الصحف التي كانت تصدر آنذاك في البصرة: صحيفة "الايقاظ" صدرت عام 1909م، وأغلقت في العام نفسه، وصدرت صحيفة "التهذيب" في عام 1909م وتوقفت في عام 1910م، وصدرت صحيفة "إظهار الحق" في عام 1909م، وتوقفت في 1910م، ثم صدرت صحيفة "مرفعة الهنيدي" وهي صحيفة فكاهية، لكنها توقفت في عام 1911م، وصدرت صحيفة "الفيض" وأغلقت في العام الذي تلى صدورها·

وهكذا استمر الوضع مع الصحافة البصرية التي تعاقبت في الصدور ثم التوقف، كصحيفة: الآتي، التاج، المنبر، والدستور لصاحبها عبدالوهاب الطبطبائي (3) ولم تكن الحكومة تمنح ترخيصا لأية صحيفة في العهد الحميدي، مهما كان نوعها·

في ظل تلك الأوضاع التعسفية القمعية السائدة في كل الأوطان الخاضعة لهيمنة السلطان عبدالحميد· وقعت حكاية عبدالعزيز سالم البدر القناعي، وهو أحد وجهاء الكويت ومقيم في البصرة، كان يعمل هناك وكيلا للشيخ مبارك الصباح مشرفا على أملاكه ونخيله، وقد هاجر من الكويت إلى البصرة سنة 1860م·

قبل الشروع في كتابة حكاية عبدالعزيز البدر، تجدر الإشارة هنا إلى أن أباه عبدالعزيز سالم البدر لما علم بشدة الأزمة بين الشيخ مبارك الصباح وأخويه محمد وجراح بسبب المال، قدم من البصرة سنة  1892م، وحاول أن يصلح بين الإخوة الثلاثة، ويبدو أن مهمته تكللت بالنجاح، فجعل للشيخ مبارك راتبا سنويا قدره 10.000 عشرة الاف روبية، وقد كان سالم البدر صديقا حميما لآل الصباح·

ولما توفي سالم سنة 1894م، عاد الخلاف بين الأخوة ليقضي الله أمرا كان مفعولا (4) في ليلة صيفية من ليالي شهر يونيو 1894م قُتِل الشيخان محمد وجراح قبيل شروق الشمس، أردنا من ذكر ذلك بيان عمق الصلة بين عائلة الجناعات وأسرة آل الصباح·

ونعود إلى حكاية عبدالعزيز سالم البدر، حيث أصدر له الشيخ مبارك الصباح أمرا بأن يجدد له اشتراكه في صحيفة "الخلافة" التي كان يصدرها في لندن بعض أحرار الترك، وفي طليعتهم مدحت باشا وعدد من زملائه النظار "الوزراء" إثر تعطيل العمل في الدستور العثماني طوال حكم السلطان عبدالحميد، الذي انتهى بانقلاب عام 1908م، وقضى على حكمه الاستبدادي·

لقد صدر أمر الشيخ مبارك الصباح في وقت عسير جدا حيث كان عقاب من يطالع الصحف أو يقتنيها، السجن أو النفي، لكن عذر الشيخ مبارك أن الكويت لا يوجد فيها آنذاك بريد فكان بريد الكويت يرسل عبر مكتب بريد البصرة حتى تم فتح مكتب بريد في أواخر حكم الشيخ جابر المبارك، عام 1917·

بناء على بلاغ السلطات العثمانية من أحد جواسيسها، تحرك عدد من رجال الأمن إلى منزل عبدالعزيز سالم البدر، وأثناء التفتيش عثروا على مستندات المخابرة التي أجراها عبدالعزيز البدر، بشأن الاشتراك بالصحيفة، فاعتقلوه ثم حكموا عليه بالنفي عشر سنوات إلى ديار بكر، وقد بذل أصدقاؤه جهودا كبيرة لاستبدال حكم النفي بغيره، واستغرقت الجهود المبذولة بين ولاية البصرة والصدارة حوالي عامين، دون أن تسفر عن نتيجة إيجابية، قضاها عبدالعزيز البدر في التوقيف·

 

دبلوماسية وضغوط الشيخ مبارك للإفراج عن وكيله

 

عندما علم الشيخ مبارك بوصول فلول الجيش العثماني القادمة من نجد عبر الكويت، للمؤونة وهي في طريقها إلى العراق أعطى أمرا بالتباطؤ بتجهيزها بالمؤونة، وحاولت الحكومة العثمانية اقناع الشيخ مبارك بالعدول عن موقفه هذا لكنه لم يستجب لها، وآنذاك طلب الأتراك من والي البصرة مولد مخلص باشا، أن يتدخل فقام بإطلاق سراح عبدالعزيز البدر، لكي يذهب إلى الكويت للتأثير على موقف الشيخ مبارك فأطلق سراح عبدالعزيز البدر، لكي يذهب إلى الكويت للتأثير على موقف الشيخ مبارك، فأطلق سراحه وسافر إلى الكويت، وهيأ أسباب سفر الجنود إلى البصرة، ولكنه لم يعد هو إلى البصرة، خوفا من نفيه ثانية، فأقام في الكويت حتى صدور الدستور العثماني الجديد·

 

موقف جي· لوريمر من هذه الحكاية:

 

المؤرخ البريطاني ل·جي·ل· لوريمر - له رأي آخر في هذه الحكاية - فقد نشر في كتابه الموسوعي المكون من 14 جزءا، والمسمى بـ "دليل الخليج" الذي ترجمه إلى العربية ديوان حاكم قطر السابق يقول:

"عندما زار اللورد كرزن منطقة الخليج، بصفته نائبا للملك وحاكما عاما للهند، مر ضيفا على الكويت، لمدة 28 - 29 نوفمبر 1903م، وقد أعد له الشيخ مبارك الصباح، استقبالا فخما·

فعندما نزل من السفينة في ميناء الكويت استقبله الشيخ مبارك بحفاوة وعندما جلسا في غرفة الاستقبال وجرت بينهما أحاديث رسمية وودية تناولا فيها قضايا عدة، كان من ضمنها إطلاق سراح عبدالعزيز البدر، فوعد اللورد كرزن الشيخ مبارك أنه سيسعى من أجل إطلاق سراحه، أو تخفيف مدة حكمه·

إن الاثنين سليمان فيضي، وجي، لوريمر أجمعا على وقوع الحكاية، لكنهما اختلفا في التفصيل، علما بأن الاثنين عايشا الحدث في وقت حدوثه، لكننا نميل إلى ما كتبه فيضي في مذكراته، باعتباره أقرب لمعايشة الحدث وزمانه، وشخوصه·

أما محرر كتاب "قاموس تراجم الشخصيات الكويتية في قرنين ونصف" أحمد عبدالله وآخرون فقد كتبوا عن هذه الحكاية، فشطحوا بعيدا عن حقيقة ما حدث فذكروا إن عبد العزيز البدر سجن في البصرة عام 1902م، بتهمة ظالمة نكاية بالشيخ مبارك الصباح إثر علم السلطان العثماني، بقيام الشيخ مبارك بإبرام وثيقة "الحماية السرية سنة 1899م" بينه وبين حكومة "بريطانيا"·

ونحن عندما ذكرنا رواية سليمان فيضي، وجي، لوريمر، ليس معنى ذلك أنه لم يذكر هذه الحكاية غيرهما، بل هناك الكثيرون من ولاة البصرة وشخصياتها في العهد الحميدي، عاصروا الحدث وأشاروا إليه في مذكراتهم من أمثال مولد مخلص باشا، وطالب النقيب وغيرهما،وكل أولئك وهؤلاء أجمعوا فيما كتبوه على وقوع الحكاية وأسبابها، وإن اختلفوا قليلا بالتفاصيل، وهذا شيء مألوف في الكتابة التاريخية، بينما أحمد عبدالله ومن معه، اختلفوا عنهم جميعا عند ذكر الأسباب التي أدت إلى اعتقال عبدالعزيز سالم البدر·

والجدير بالذكر هنا أن الشيخ مبارك الصباح يعرف القراءة والكتابة، كما عرفها معاصروه، حيث كان التعليم آنذاك - نقصد الفترة  التي كان فيها الشيخ مبارك في سن التعليم - يقتصر على حفظ القرآن الكريم ومبادىء القراءة والكتابة، ومن هنا نستطيع القول إن الشيخ مبارك، وإن كان يعرف القراءة والكتابة إلا أنه ما كان يتقنهما بطلاقة·

وكما يقول الأديب عبدالله الحاتم المولود سنة 1917م، في كتابه "من هنا بدأت الكويت: "كان مستشاره المقرب إليه محمد الملا يقرأ للشيخ مبارك ويكتب له" يبدو أن الشيخ مبارك يحب الاطلاع على كل ما يكتب في الصحف، وآنذاك كانت الصحف والمجلات التي كانت تصدر في بغداد والبصرة والشام ومصر، ولهذا طلب من وكيله أن يشترك له بجريدة "الخلافة" التي كان يصدرها بعض أحرار الترك في لندن، لكي يلم بما تقوله المعارضة التركية عن سلاطينهم·

حيث كان الشيخ مبارك الصباح، من أكثر القادة العرب بغضا للأتراك في زمنه، ومن أفعلهم تأثيرا، فكان عنيدا بطبعه·· يخشى جانبه·· حتى أن والي الترك في البصرة كان دائما يجامله بالهدايا، رغم موقف مبارك المعارض للدولة العثمانية وايضا على الرغم من معاداته للدولة العثمانية إلا أنه استطاع بالدبلوماسية أن يضغط على حكام الدولة العثمانية حتى استجابوا له وأطلقوا سراح وكيله في البصرة عبدالعزيز سالم البدر القناعي·

__________________________

(1) يوسف الحكيم - سورية والعهد العثماني - ط 2 بيروت 1980م - ص 21·

(2) سليمان فيضي - مذكرات سليمان فيضي - ط3 - 1998م، ص64·

(3) سليمان فيضي - مذكراته في غمرة النضال - ط أولى -  1952م  ص82·

(4) يوسف بن عيسى القناعي - صفحات من تاريخ الكويت - ط 5 ـ ص 90·

(5) جريدة الفجر - الكويتية متوقفة عن الصدور

طباعة  

أفق
 
في افتتاح معرض عبدالعزيز آرتي,لاق. د· الرميحي: المعرض يعكس دور الفنون في تاريخ الشعوب
 
جديد "عالم الفكر" إشكالية اللغة العربية
 
بدعم من الأمير سلطان بن عبدالعزيز:
أكثر من 20 مجلداً تؤرخ لنصف قرن من تاريخ الجزيرة

 
تاريخ المعهد المسرحي بدولة الكويت 1999-1964
 
في محاضرة برابطة الأدباء بعنوان "الناشر الكويتي: قضايا وهموم"
أحمد الديين: نطالب بقانون للمطبوعات أكثر ديمقراطية وتوافقاً مع الحرية

 
الضجر
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس