طغت العذوبة والرقة على كلام الدكتور سيد كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني عندما تحدث الأسبوع الماضي في "المعهد الملكي للشؤون الخارجية· فالحاضرون لم يروا كثيرا من العاطفة الثورية في حديثه شبه الهامس عن الحوار بين الحضارات أو عن "السلام والعدالة" لجميع الإنسانية، حتى إن كانت بعض أهداف الثورة لا سيما التحرر من القوة الأمريكية، بقيت واضحة·
لكن الجمهورية الإسلامية بلغت نقطة صارت فيها العلاقات بين إيران وبريطانيا، أي البلد الذي كان يسميه الإيرانيون "الشيطان الأصغر" موضوعة في خانة ما يسمى "التحسن"·
إن تأهيل إيران، الذي يجري اليوم بعدة طرق، هو جزئيا نتيجة اعتراف بالحدود التي تبلغها الأنظمة الثورية في النهاية· فالجيران ينبغي التعايش معهم والدول القوية يجب التكيف معها والحقائق الاقتصادية الدولية ينبغي قبولها، والأعداء القدامى يجب أن يقدموا تنازلات وأن يبدوا حماسة للقيام بالأعمال، لكن هذه سيرورة تتوقف على التطورات الداخلية الإيرانية التي تتجه منذ بعض السنين الى اتجاه أكثر ديمقراطية·
بعض من يراقبون إيران من الخارج يميلون في غالب الأحيان الى مراقبة سياساتها كما لو أنها منافسة رياضية أي أن يقولوا أربعة إصلاحيين وثلاثة متشددين وهكذا دواليك، لكن هذه الطريقة تبالغ في تصوير الطبيعة الدائمة للمكاسب السياسية· وبرغم ذلك، تبقى النتيجة متوقفة على النهاية التي يبلغها السجال السياسي في إيران·
يعتقد البعض أن هذه القضية قد تحسم في الشهر المقبل عندما تحمل الانتخابات عددا أكبر من "الإصلاحيين" الى البرلمان· وتؤكد حجة هؤلاء أنه بوجود قاعدة ملائمة في الجهاز التشريعي يستطيع الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي أن يتابع عندئذ أهدافه الإصلاحية بحماسة أعظم وربما أن يسيطر على رجال الدين اليمينيين الذين يسيطرون على القوات المسلحة والشرطة والجهاز القضائي ويشرفون على الانتخابات·
في الأسبوع الماضي، وضع آية الله علي حسين منتظري وهو أبرز شخصية دينية في النظام الإيراني في إجابته عن أسئلة مراسلة "الغارديان" جنيف عبدو إصبعا على الازدواجية التي هي السمة الرئيسية للجمهورية الإسلامية عندما قال: "جميع التوقعات السياسية تتطلع نحو الرئيس لكن جميع مؤسسات السلطة هي تحت قيادة المرشد الأعلى"·
وبرغم أن دور المرشد الأعلى، الذي هو خليفة آية الله الخميني، يتمثل في التوجيه والإرشاد، فالحقيقة في إيران أن هناك بنيتين سياسيتين، واحدة ذات شرعية شعبية إنما بتأثير محدود في الأحداث، والثانية من دون مساندة شعبية إنما ذات قدرة سياسية حاسمة·
المرشد الأعلى الحالي أزاح منتظري عن كونه الخليفة المختار من آية الله الخميني في عام 1989، ولو تولى منتظري منصب مرشد الثورة لكان نقل معظم صلاحياته الى الرئيس المنتخب وجرد مجلس الأوصياء وهو مؤسسة أخرى موازية من حق التدقيق في أهلية المرشحين للانتخابات· ولما كان قيد الإقامة الجبرية في منزله في قم، فهو لا يتمتع بأي دور سياسي نشيط، لكن أفكاره تظهر من الناحية النظرية في كل ما يمكن أن يقود إليه الإصلاح·
والسيناريو البديل هو أن يعمد المحافظون، في سعيهم الى الحؤول دون انتصار الإصلاحيين في الانتخابات التشريعية، الى التأثير في الانتخابات عبر منع بعض الإصلاحيين من حق الترشيح وطرد البعض الآخر من مناصبه· وقد أعلن مجلس الأوصياء الدفعة الأولى من المرفوضين· وفي حال حدوث انتصار كبير لرجال خاتمي يميل السجال السياسي إلى مصلحة المعسكر الإصلاحي، وإذا استطاع مجلس الأوصياء تحديد نتيجة الانتخابات فسيميل السجال لمصلحة المعسكر المحافظ·
لكن النتائج الحاسمة لهذا الطرف أو ذاك تبقى أقل ترجيحا من حدوث تسوية· ففي إيران ليس هناك "معسكرات" إلا بالمعنى الواسع للكلمة لأن المشهد السياسي هو في الحقيقة أشد تعقيدا وأكثر تجزؤا لما كان هناك كثير من أطياف الرأي السياسي، وفي الوقت نفسه، ليكون هذا المشهد أكثر توحدا لأن العلاقات العائلية والمحلية والإقليمية تصل ما بين الناس من مختلف التيارات·
في المقام الثاني، تتجاهل الفكرة التي تتحدث عن جماعتين تتنافسان في خصام مطلق حقيقة وجود مجموعة مصالح في الطبقة السياسية· وإذا اعتمدنا التبسيط، فسنجد أن المتشددين يحتاجون الى المعتدلين لأنهم يمنحونهم شرعية، وأن المعتدلين يحتاجون إلى المتشددين لأنه من دونهم لا يعود هناك أي عائق أمام عملية "سياسية" قد تفضي في النهاية الى تجريد الطبقة الدينية من حقها في تولي السلطة·
ومجموعة المصالح هذه توحي بأن الجماعات التي تتولى السلطة الإيرانية ستتراجع عن خوض مجابهة واسعة النطاق· لكن هذا لا يكاد يعني أن السياسات الإيرانية لا تتغير· فأعظم قوة سياسية موحدة على الأرض تمثلها حتما 30 مليون امرأة عارضن بجميع الطرق جميع الجهود الرامية الى عزلهن وإخضاعهن· وفي دراسة مؤثرة عن تشغيل المرأة في إيران وآثاره، رأت الباحثة مريم بويا أن "الأهمية السياسية للمرأة في نهاية التسعينيات في ظل الجمهورية الإسلامية هي أعظم بكثير مما كان في ذروة التحول الاقتصادي - الاجتماعي والتغريب في الستينيات والسبعينيات" "أي في أيام الشاه" وهي لاحظت أنه في الانتخابات البلدية لعام 1999 فازت النساء بأكبر عدد من الأصوات في 109 مدن وأنه في كاروغ وكرمان كان المجلسان البلديان مؤلفين من نساء فقط· وقد يكون هناك طريق طويل أمام المرأة للانتقال من المجلس البلدي في كاروغ الى رئاسة الجمهورية، لكن النساء هن اللواتي استطعن رفع خاتمي وجميع الإصلاحيين الذكور الى مناصبهم الحالية· وكما وجدت مريم بويا، ومد أنصار المرأة من غير الملتزمين دينيا صفوفهم مع أنصارها من الملتزمين وتقاسموا الخبرة وضيقوا الفجوة بين النساء المتدنيات اللواتي ساندن النظام الديني والنساء غير الملتزمات اللواتي عارضنه"· وإذا كان مجلس الأوصياء يستطيع التلاعب بأهلية بعض المرشحين الأفراد فهو لا يستطيع العبث بحقوق النساء أو إلغاءها·
والعامل الديموغرافي الكبير الآخر في إيران هو العمر فالمسنون الذكور الذين يتولون معظم المناصب المهمة هم أقلية في بلاد يبقى ثلثا سكانها تحت سن الثلاثين ونصفهم تحت سن الـ 21· وحاجات هؤلاء الشبان من تعليم يستحق اسمه ووظائف وإسكان تثقل بشدة على الحكومة· وهذا يجبر إيران على التعامل الكامل مع الاقتصاد العالمي، الذي يؤكد بدوره أن على النظام أن يتمتع بوجه ديمقراطي مقبول· وبرغم أهمية هذه الضغوط، فإنه عند كتابة تاريخ الثورة الإسلامية سيكون العنصر الأهم فيه هو تصادم الثورة مع حقوق النساء· فالثورة الإيرانية وضعت النساء تحت التشاور، وتحت التشاور نفسه يتقرر المصير النهائي للثورة·
(الغارديان)