لم يتغير شيء في صدام حسين بحلول الذكرى التاسعة لعملية "عاصفة الصحراء" (الضربات الجوية) فالخطاب السياسي هو نفسه التحدي للجميع، وقطع وعد للعراقيين بتحقيق انتصار على شاكلة ما يعتبره انتصارين، أولا ضد إيران عام 1988، وثانيا ضد التحالف الدولي في حرب تحرير الكويت· فهل تغيرت أشياء لدى غيره، لاسيما الأمريكيون؟ هل يعتبر صدام أن الظروف الدولية تغيرت فاطمأن الى بقائه في السلطة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟ هل تراجعت الإدارة الأمريكية عن مهمة إطاحته، أم أجلتها الى حين بانتظار إنجازات أخرى لا سيما عملية السلام في الشرق الأوسط؟
القرار الدولي 1284 الصادر في 17 ديسمبر الماضي ينطوي على فرصة حقيقية لتعليق العوقبات الدولية· مقابل تعاون غير مشروط من بغداد في قضية نزع الأسلحة المحظورة· فلماذا يرفضه صدام؟ ولماذا يعتبر نفسه غير معني بتشكيل اللجنة الدولية الجديدة للتفتيش "أنموفيك" وتعيين رئيسها، ويرفض رفضا قاطعا أي تهاون معها حتى قبل أن تأتي؟ هل يعلق صدام آمالا على تطورات دولية جديدة، مثل بروز روسيا في عهد بوتين، على سبيل الاحتمال، قوة مجابهة للولايات المتحدة، أو يعلل النفس بـ "استراحة" إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أو يستبشر خيرا بتحسن طفيف لعلاقات الولايات المتحدة مع دول تسمى "مارقة"؟
بعض المراقبين يرى أن صدام لا يريد أي تعليق للعقوبات وفق نص القرار الدولي الأخير وذلك لأسباب مهمة· فهذا القرار يسمح للعراق بأن يبيع أي كمية من النفط بلا أي سقف لا كما ورد في اتفاق "النفط مقابل الغذاء" الذي حدد سقفها بـ 5,2 مليارات دولار كل ستة أشهر· وهو يتيح استيراد جميع أنواع السلع، باستثناء المعدات الحربية، على أن تراقبها لجنة مستقلة هي غير لجنة العقوبات التي تضم أمريكيين وبريطانيين· وهؤلاء المراقبون يرجعون رفض صدام للقرار الى أن تعليق العقوبات يجرده من ذريعة يستعملها أمام العراقيين لإلقاء اللوم على العقوبات لا عليه في حرمانهم·
ويرى البعض الآخر أن صدام قد يعلق آمالا على حدوث تغيير سياسي في روسيا في عهد فلاديمير بوتين· وهناك بوادر في موسكو لعودة نوع من الحرب الباردة الجديدة تحتاج كما سابقتها الى دول متعاونة مثل العراق وإيران وغيرهما للوقوف في وجه ما تسميه روسيا التفرد الأمريكي ولتحقيق ما يسمى "عالما متعدد الأقطاب"·
وهناك سبب مهم آخر، وهو أن غياب لجنة التفتيش الدولية منذ نحو 13 شهرا ترك صدام حرا في إعادة بناء برامج الأسلحة المحظورة· وهذا الاحتمال قوي، بل اعترف به بعض المسؤولين الأمريكيين للمعلق المعروف جيم هوغلاند في صحيفة "واشنطن بوست"· وعلل هؤلاء سكوت الولايات المتحدة عن الوضع الحالي في العراق بأن صدام لن يستعمل أسلحة التدمير الشامل "إذا كان يملكها" إلا في حالات قصوى مثل هجوم عسكري مباشر على العراق من القوى الغربية أو إيران أو يتعرض لخطر السقوط·
لذلك، يعني القبول "المستحيل" العراقي للقرار 1284 أن يخسر صدام ورقة العقوبات أمام العراقيين، وأن يتمسك بما لديه من برامج الأسلحة· أما التعويل على علاقة جديدة بموسكو فهو يتوقف على اتجاه الرياح الروسية بعد انتخابات 26 مارس الرئاسية· لكن في أي حال، قد تنته آمال صدام بما آلت إليه عامي 1990 و1991 أيام الاتحاد السوفييتي سابقا· فروسيا صارت ضعيفة تخضها الاضطرابات الداخلية والانهيار الاقتصادي، بل إن الحرب الباردة المفترضة تعني أن تكون خصما للجزء الأعظم من أوروبا بما فيه دول كانت صديقة أو تابعة سابقا· والحرب الباردة استنزفت طاقات الاتحاد السوفييتي التي هي أعظم بكثير من طاقات روسيا ما بعد الشيوعية·
ثمة عامل ينبغي أخذه في الاعتبار وإن كان لا ينبغي استخلاص نتيجة منه· فمن الدول الأربع في الشرق الأوسط التي تصفها واشنطن بأنها "مارقة" وهي إيران وليبيا والسودان والعراق، تميزت إيران وليبيا· فالأولى تبادلت بعض الإشارات الودية مع الولايات المتحدة منذ تولي الرئيس خاتمي السلطة في عام 1997، والثانية حلت جزءا من مشكلتها مع بريطانيا والولايات المتحدة في قضية لوكربي فارتاحت من الحظر الجوي· أما السودان فقد شهد تغييرا داخليا "إقالة الترابي" يجعله مؤهلا ضمن شروط "الحرب في الجنوب" لإصلاح ذات البين مع الولايات المتحدة· وفي أي حال، يتوقف ذوبان جليد العلاقات الأمريكية مع هذه الدول على تغييرات داخلية في هذه الأخيرة "وهذا ما لم يحدث في العراق" وعلى تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاهها "وهذا غير ممكن تجاه العراق في المدى المنظور"·
في القرار الدولي الجديد هناك متغيرات مهمة· فقد امتنعت عن التصويت عليه فرنسا وروسيا والصين فلم تؤيده ولم تنقضه· وهذا القرار يعيد نوعا من الوحدة الى المجتمع الدولي لا سيما مجلس الأمن فقدتها الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات التي أعقبت تحرير دولة الكويت· وإذا استطاع المجتمع الدولي الاتفاق على تعيين رئيس للجنة، فهو يضع الأساس القانوني والعملي لمجابهة صدام من دون انقسامات كما في السابق·
وربما كان ذلك هو سبب "المهادنة" الأمريكية الحالية لصدام، وربما كان السبب هو الانتخابات الأمريكية في نوفمبر، أو عملية السلام في الشرق الأوسط· لكن هذه السياسة تفيد "في المدى القريب" صدام لا واشنطن· وذلك للأسباب التالية:
إن المصداقية الأمريكية في ملف العراق تتضرر في المنطقة إذا بقي النهج الحالي· فالولايات المتحدة كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما يلجأ صدام الى منع المفتشين من تأدية مهماتم فتلجأ الى القوة· وها قد مرت فترة طويلة على طرد لجان التفتيش ولم تحرك الولايات المتحدة ساكنا منذ ما بعد عملية "ثعلب الصحراء" في ديسمبر من عام 1998، بل حسب ما كتب جيم هوغلاند في "واشنطن بوست"، طلب الرئيس بيل كلينتون، الذي يستأثر بملف العراق مع مستشاره لشؤون الأمن القومي صموئيل بيرغر، من وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت أن تخفف لهجتها تجاه بغداد· ونقل هوغلاند عن مسؤولين كبار أن الإدارة الأمريكية منعت وزير الدفاع وليام كوهين من إجراء مراجعة جوهرية للسياسة الأمريكية تجاه العراق·
ويرى هوغلاند أن إدارة كلينتون تكتفي بوضع صدام في "صندوق الاحتواء" طالما أنه لا يهدد جيرانه، لكنه يرى في الوقت نفسه أن صدام يحشر واشنطن في زاوية برنامج الصواريخ المضاد للصواريخ الذي يثير اعتراض موسكو· فهل تتأجل مهمة إخضاع صدام الى ما بعد الانتخابات الأمريكية أو الى ما بعد عملية السلام؟ أو تفضل الولايات المتحدة التعايش طويلا مع سياسة الاحتواء؟