منجم التاريخ...
ركان الصفدي
"1"
يبدو أنني أصبحت "كائناً تاريخيا" في هذه الأيام، حتى إنني أطمر رأسي في كتب التاريخ والمفكرات والتقويمات متلمسا نبض الزمن، وحفيف العصور الذي بت أسمعه كما كانت تسمعه إحدى شخصيات محمد جمعة في "الطاحون"· والتاريخ كغيره من العلوم والفنون الإنسانية يحتوي على أصداء كثيرة للذات، بل إن الأحداث التي يعاصرها الإنسان تتماهى بالذات وتتمازج فتغدو تاريخا شخصيا للمرء، وفي أسوأ الأحوال تصبح إطارا زمنيا يحيط بذكريات الذات المنداحة على خارطة الزمن·
"2"
أجمل التاريخ ما عاينه المؤرخ بنفسه، فإنه ينقل نكهة عصره بصدق مهما كانت نظراته أو تحليلاته خطأ أو صوابا، وبعض هذا التاريخ يشبه السيرة الذاتية أو المذكرات، وفي مقدمة من كتب على هذه الشاكلة الجبرتي وابن إياس، وقبلهما ابن منقذ، وقبله كتاب الأغاني الذي هو شكل من أشكال التاريخ وكثير من الكتب القديمة·· ولعل العرب كانوا الأسبق في اعتماد طريقة المعاينة لرصد الأحداث التاريخية، إذ كانت تقنية "السند" اختراعا عربيا بحتا ولدت من رحم "علم الحديث" أما التاريخ الآخر، فلعلنا نسميه "فقه التاريخ" وهو النظرة النقدية التحليلية للأحداث الماضية·
"3"
المؤرخ الحقيقي، مبدع، فنان، يستطيع أن يكتشف الظواهر وينبش بواطنها، ويتوصل إلى قوانين حركتها، عند ذلك يصبح مؤرخا فيلسوفا، وهذا النوع من المؤرخين نادر جدا، لأن من ينظر إلى التاريخ من زاوية إيديولوجية أو سياسية أو شخصية ضيقة، فإنه لا يرى إلا وجهه، ولذلك فبعض المؤرخين يرى التاريخ من خلال نفسه، وبعضهم الآخر يرى نفسه من خلال التاريخ، ونحن بحاجة إلى المؤرخ الذي يرى التاريخ من خلال التاريخ نفسه، أي أن يكون موضوعيا يترك الأحداث تعبّر عن نفسها وإذا تدخل فإنما يكون تدخله في استنباط القوانين والرؤى·
تقرأ أحيانا كتبا مغالية جدا، كأن تقرأ عن المجتمع الإسلامي في مكة والمدينة كأنك تقرأ عن كومونة باريس أو مجلس الدوما القيصري· وكأن تقرأ عن أحداث تاريخية عظيمة ذات تأثير كبير في حياة الدول والمجتمعات كأنك تقرأ عن خلافات أسرية أو زوجية!
"4"
التاريخ العربي مشوّه تشويها عظيما، وهو كمن ينظر إلى مرآة مكسرة، فاختلاف الفرق السياسية والدينية جعل من تاريخنا وجهاً مملوءا بالأصباغ حتى كادت ملامحه تغيب إلى حد كبير، ونحن - العرب - نتقن تزييف التاريخ وتزويره، ولذلك لا نستفيد من التجارب التاريخية، ولو فعلنا لوفرنا علينا الكثير من المآسي المعاصرة·· التاريخ العربي أشبه بـ "الماتريوشكا" الروسية تلك اللعبة الخشبية التي تمثل أسرة متشابهة يطبق ويظاهر بعضها في بعض·
"5"
من يقرأ التاريخ العربي منذ اكتشاف النار إلى اكتشاف النور يجد نفسه أمام تراجيديا إغريقية، فهو تاريخ يفيض دما راعفا، وتكثر في دهاليزه وكواليسه المؤامرات والدسائس، وليس هذا أمرا عجيبا ما دام تاريخ صراعات على كراسي الحكم، ولم يكن تاريخ شعب ولا تاريخ حضارة، ومن هنا تنبع أهمية أحمد أمين في سلسلته: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، لأنه أرخ فيها للحياة العقلية، للحضارة فرأينا الجانب المضيء من الماضي، وعرفنا جهود المئات من المفكرين والعلماء والأدباء والكتاب، الجهود التي ينبغي ألا نجعلها تذهب هباء في هذا العصر·· إن قارىء "تاريخ" أحمد أمين يندهش أيما اندهاش لهذا التنوع وهذه التعددية الفكرية في حضارتنا العربية الإسلامية·
أما الفئة الثالثة من الشعب فقلما وجدنا اهتماما بها، وأعني بها فئة الحرفيين والعمال والمزارعين والعبيد، على الرغم من أنهم الجانب العملي من الحضارة وعلى الرغم من أنها أخرجت الكثير من الأدباء والباحثين والقادة والثوار، إذ تقرأ في ألقاب الكثير منهم· الزجاج والخباز والحداد والقصار والجزار·· ولعل كتاب "مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي" لعبد العزيز الدوري سدّ بعض الفراغ لولا قسرية بعض أحكامه·
"6"
يصعب على المؤرخ العربي الحديث أن يؤرخ لمرحلة معاصرة أو راهنة، لأنه إن كان صادقا وموضوعيا لم يأمن غضب الحكام، وإن كان كاذبا ومداهنا لم يسلم من غضب الشعب وازدرائه، فإن التاريخ أقرب العلوم إلى السياسة، وهي حقل مزروع بالألغام في واقعنا العربي، وأغلب الظن أن زمن الشهادة والتضحية العربي ولّى·· وعلينا أن ننتظر المؤرخين الأجانب ليكتبوا لنا تاريخنا كما كنا نستمع إلى الاذاعات الأجنبية لنعرف ما يدور في بلادنا!!
"7"
إننا في أمس الحاجة إلى مؤرخ ثائر يصدمنا في وعينا السائد، وذاكرتنا الجاهزة، أن يجعلنا نعيش الحدث التاريخي وكأنه يجري الآن، يستثير عقلنا ويحرّض أسئلتنا، ويبدد غبار الوهم، ويجلو الحقائق·· إننا في حاجة إلى ذلك المؤرخ الذي وصفه هو بسباون بأنه المؤرخ الذي يتذكر ما ينساه الآخرون، فإن كثيرا مما نتذكره لا يليق بنا وكثيرا مما ننساه لا نليق به·· وعلى الرغم من كل هذا يبقى التاريخ منجما·· لا ينفد!