كتب يحيى الربيعان:
في مجلة "المصور" المصرية، العدد الذهبي،الصادر سنة 1961، كتب المحرر حبيب جاماتي قصة لطيفة، أظن أنها لم يسبق لها النشر في الكتب التي تناولت تاريخ الكويت، أو على الأقل الكتب التي قرأتها أنا·
تدور أحداث هذه القصة في عهد حكم الشيخ جابر "الأول" بن عبدالله الصباح "الحاكم الثالث" وقد نشرت كتب التاريخ الكثير من مواقف ومآثر هذا الحاكم، وما تميز به شخصياً من كرم وجود، حتى إنه اشتهر باسم "جابر العيش"·
وتأكيداً لهذه الصفة اللصيقة به، لم يجد المؤرخ أمين الريحاني، عنواناً أدل وأدق تعبيراً لمضمون قصته، من هذا العنوان الذي اشتقه من صفة هذا الحاكم "في حمى جابر العيش" ومن المعلوم أن الشيخ جابر تولى سدة الحكم 1813م·
رغبة الريحاني
لقد قام حبيب جاماتي بنشر هذه القصة بناء على رغبة أملاها عليه أمين الريحاني قبيل وفاته، فمن المعروف أن الريحاني ولد في الشام عام 1876م، وتوفي في سبتمبر 1940م، مخلفاً للأمة العربية إرثاً زاخراً بمؤلفاته، ومن أبرزها كتاب الكبير (ملوك العرب) الذي دون فيه نتائج رحلاته إلى الدول العربية، وخصوصاً شبه الجزيرة العربية، فمن يقرأ هذا الكتاب وتوابعه كأنه قرأ أغلب كتب تاريخ النهضة العربية·
لجوء الشامي
تدور أحداث القصة حول لاجئ عربي جاء من بلاد الشام إلى الكويت، وقد اشتهر ذلك الرجل بشجاعته ووجاهته، لجأ إلى إمارة الكويت أثر معركة مع حفنة من عساكر الدولة العثمانية في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، نصبوا كمينا لقافلته القادمة من حماه والمتجهة إلى دمشق، وكان قطاع الطرق بقيادة برهان ابن والي دمشق مصطفى باشا·
وتصدى لهم صاحب القافلة ومن كان معه وقتل في هذه المعركة برهان وعدد من جنوده، وفر من تبقى حياً منهم، وخشي سيد القافلة أن يكمل مسيرته إلى دمشق حتى لا يقع في قبضة الوالي هناك، ففر هو الآخر بنفسه ومن نجا من أفراد قافلته واتجه بهم الى شمال الشام، حتى وصلوا على غير هدى إمارة الكويت ولجأوا إلى حاكمها آنذاك الشيخ جابر "الأول" بن عبدالله الصباح·
كتب أمين الريحاني هذه القصة القصيرة المثيرة فذكر فيها ما يلي:
"كان الرجل طلق اللسان فصيح التعبير، يبدو عليه أنه صادق في كل ما رواه، وأن الحق في جانبه فيما حل به من ظلم، فثار لنفسه ودافع عن حياته، فهو من أجل ذلك يستحق الحماية،وبعد أن انتهى الرجل من حديثه قال له مضيفه: أنت في حمايتنا، مع زوجتك وأخيك وابنك وابنتك، ولن تصل إليك يد ما دمت مقيماً في كنفنا، وسأمنع عنكم الأذى ولو اضطررت في ذلك إلى امتشاق الحسام، وهؤلاء الحضور شهود على ما قلت·
فنهض الرجل من مكانه وأخذ يد مضيفه وقبلها بحرارة بللتها دموع العرفان والجميل، من هو المضيف؟ ومن هو الضيف؟
سيّد وعامي
رجلان عربيان من بيئتين متفاوتتين، الأول سيد قومه، والثاني من عامة الناس، المضيف حاكم إمارة الكويت الشيخ جابر "الأول" بن عبدالله الصباح، والضيف ضامر بن حويمد من بادية الشام·
كان ذلك في عام 1825م والبلاد الشامية تمر في مرحلة من أقسى مراحل تاريخها بسبب كثرة الحكام الذين تتابعوا عليها بأمر السلطان العثماني،وكان ضامر بن حويمد يمارس التجارة على نطاق واسع بين دمشق وأطراف البادية·
وذات يوم اعترض طريق قافلته عدد من زبانية الوالي العثماني بدمشق، وهي قادمة من حمص وحماه، متوجهة إلى دمشق، وتضم القافلة ضامر بن حويمد وإخوانه الثلاثة وابنه واخته وزوجها، وفعل رجال الوالي العثماني مع القافلة كما يفعل قطاع الطرق، كمنوا لها وهاجموها قاصدين نهبها، فتصدى لهم رجال القافلة ودار القتال بينهم بالسلاح فقتلوا أخت ضامر وزوجها، واثنين من إخوانه وعددا من أفراد حاشيته·
فوجد الرجل نفسه مضطراً إلى الدفاع عن نفسه وأهله ومرافقيه، والثأر للدم الذي سفكه المعتدون، وانتهك المعركة بخسائر كبيرة بأرواح المهاجمين قتل منهم قائدهم برهان بن مصطفى باشا والي دمشق، وأدرك ضامر بن حويمد مدى الخطر الذي أصبح معرضا له لو دخل مدينة دمشق، فقرر أن يرحل من بلد افتقدوا فيه الأمان·
بعد أن دفنوا قتلاهم وتركوا جثث خصومهم في العراء طعماً للوحوش والجوارح، توجه ضامر ومن معه شمالاً قاصدين الملجأ الذي يجدون فيه الأمان، وقضوا في طريقهم بضعة أسابيع، مجتازين الفيافي والقفار حتى وصلوا إلى نهاية رحلتهم، وكانت محطتهم الأخيرة هي الكويت، وحلوا ضيوفاً لدى حاكمها الشيخ جابر "الأول" بن عبدالله الصباح، الذي أصغى إلى البدوي الشامي واستمع إلى قصته وأمنه على حياته لأنه لم يقترف ذنبا ولم يقتل إلا دفاعا عن النفس·
عدل جابر
وقد ساد داخل الكويت في فترة حكم الشيخ جابر "الأول" الأمن في ظل أمير كريم لم يسلك غير طريق العدل والإنصاف، ولم تنطفىء نيران مواقده··· قال الشيخ جابر لابن حويمد: لو قتلتم بدون سبب مشروع، أو كنتم أنتم البادئين بالعدوان لما حميتكم وسوف نتأكد - أيضا - من صدق ما قلتم إذ لا بد أن تصل إلينا الأخبار من دمشق عما حدث بينكم وبين ابن الوالي العثماني فالأخبار تنتقل عبر البادية بأسرع مما تنتقل داخل المدن ،فعلا جاءت الأخبار بعد أسابيع من التجاء ضامر وذريته بما يؤكد صحة أقواله التي أدلى بها للشيخ جابر·
كان الشيخ جابر الصباح على وفاق مع الولاة العثمانيين في بلاد العراق العثماني وكذلك في الشام، وكانت الدولة العثمانية تراعي العلاقات الودية بينها وبين حاكم الكويت وترغب في بقاء العلاقات الودية معه، بل كانت تخشى انتفاضته مع غيره من الحكام في جزيرة العرب·
وكان والي دمشق يهدد الشيخ بالوعود والوعيد لكن الشيخ لم يفكر لحظة واحدة في التخلي عن ضيفه·
لن أرحل!
في أحد الأيام وصل من دمشق خبر جعل الشيخ جابر بن عبد الله الصباح مسرورا، ويدعو إليه ضيفه ضامر ليطلعه على ذلك الخبر السار:
لقد حلت نقمة السلطان بالوالي مصطفى باشا فعزله من ولاية دمشق وأمره بالعودة إلى الأستانة وأردف قائلا·
الآن في وسعك أن تعود إلى بلادك إذا شئت، أو تبقى في بلادنا إذا أردت·
فكان رد ضامر:
لن أرحل عن أرض أنت فيها السيد المطاع، سأقضي بقيمة العمر فيها، وفي تربتها أرجو أن أدفن بعد موتي·· فكان له ما أراد·
لم يكن الوئام دائما وعلى أتمه بين أمير الكويت وجيرانه فكثيرا ما كانت تحدث مناوشات على الحدود، او اعتداءات على الأفراد في البر أو البحر، أو غزوات، وفي حملة من تلك الحملات التأديبية التي كان يقودها الشيخ جابر بن صباح، سقط ضامر بن حويمد قتيلا في أتون القتال، وقتل - أيضا - أخوه إلى جانبه، وجرح ابنه فدفع الثلاثة دينهم بالدم للبلد الذي آواهم والأمير الذي حماهم·
تلك كانت خسائر الكويت في الحملة التي واجهوا بها غزاة من رجال العشائر، وقد كان النصر حليفا لأهل الكويت في هذه المعركة حيث لم يقتل أو يجرح منه سوى الشاميين الثلاثة، كأن الأقدار أبت إلا أن يوفي الثلاثة دينهم بعد أن ثأروا في سهول دمشق لذويهم·
وقد أمر الشيخ بنقل الجثتين إلى مدينة الكويت ودفنهما في التربة الكويتية التي تمنى ضامر أن يدفن فيها· وعولج الابن من جراحة فشفي منها واستقرت بقية الأسرة الزوجة والابنة والابن في الوطن الجديد·
دروس وعبر
نستخلص من هذه القصة الواقعية: "أن الكويت لم تكن في يوم من الأيام خاضعة لسلطات الدولة العثمانية حتى وصل الحكم إلى الشيخ مبارك الصباح الذي في عهده تم عقد اتفاقية الحماية مع الإنجليز وهي الاتفاقية الشهيرة 1899م التي ألغيت في عهد حفيده الشيخ عبد الله السالم عام 1961 وعلى أثرها أعلن استقلال الكويت·
والجدير بالذكر أن الشيخ جابر بن عبد الله الصباح على الرغم من محدودية إيرادات الكويت آنذاك إلا أنه كان يضرب به المثل في الكرم والجود وله في هذا الصدد حكايات كثيرة ذكر الكثير منها الشيخ عبد العزيز الرشيد في كتاب "تاريخ الكويت" عندما كتب ترجمة الشيخ جابر·
كما نستدل من ذلك أن الكويت على الرغم من صغرها ديمغرافيا وجغرافيا إلا أنها كانت تلعب أدوارا كبيرة في التوازنات السياسية بمنطقة الخليج وشرق الجزيرة العربية منذ ذلك الوقت فكان لهاحضورها الكبير والمتميز في رسم السياسات في المنطقة برمتها·