· ذهب بن بركة في اتهاماته للحسن الى حد القول بأن الأمير الشاب أشرف على "موت" أبيه الملك محمد الخامس الذي توفى خلال جراحة بسيطة لاستئصال اللوز، أجريت له في غرفة غير معقمة في القصر الملكي دون استعدادات ودون أن يتمكن أحد من إسعافه عندما لفظ آخر أنفاسه
· في حديث مع الملك الحسن مرة، قال لي ما معناه: "لا تهددونا بإذاعة صوت العرب·· مصر لم تغز المغرب أبدا، ولكن المغرب غزا مصر وأقام دولة هناك" - قالها وابتسم باقتناع أنه سجل في النقاش نقطة تاريخية لصالحه!
محمد حسنين هيكل
(1)
هي الجغرافيا والتاريخ مرة أخرى - إذا كان علينا أن نحاول فهم شخصية الملك "الحسن" - ملك المغرب الراحل·
والجغرافيا ضرورية لفهم طبيعة أي بلد، وفهم طبائع الاستراتيجية التي تحرك سياساته على وجه العموم - رغم تقلب العصور·
ثم إن التاريخ لازم لفهم طبيعة السلطة في أي بلد، وفهم طبائع الحكام الذين يحتمل أن يردوا على القمة فيه، بصرف النظر عن ألقابهم ملوكا أو سلاطين، شيوخا أو رؤساء·
وأظن أن الملك "الحسن" بقراءاته أو بتجاربه كان مستوعبا لدروس الجغرافيا والتاريخ، ولعله كان بين أكثر من عرفت من رؤساء الدول العربية حسن اطلاع ومتابعة· واعتقادي أن تلك هي الميزة التي تضيفها قوة اللغة الى إمكانات أي مشتغل - أو مشغول - بالهم العام·
وقوة اللغة فيما أحسب هنا قوة ثنائية الفعل:
من ناحية - فإن إتقان اللغة القومية، وهي لغة المشاعر والتفكير الأصلية بالنسبة لأي إنسان - أداة مهمة تستطيع أن تصوغ الفهم وتضبط التعبير·
ومن ناحية أخرى - فإن إتقان لغة أجنبية من اللغات الحية، وهي اللغات السابقة بحقائق الأشياء الى الآفاق الواسعة - ميزة وإضافة تستطيع توجيه النظر وتوسيع الرؤية·
وكان الملك "الحسن" مقتدرا في اللغة العربية، وعلى صلة وافية بآدابها وأولها الشعر، وكان يحفظ منه الكثير، ويلقي أحيانا قصائد كاملة، وفي أحيان أخرى كان ينشد من هذه القصائد لحنا من عنده، فقد كان شغوفا بالموسيقى وعارفا بإيقاعاتها وأصواتها، وممارسا بنفسه للعزف على بعض آلاتها·
وفي ذات الوقت فقد كان الملك "الحسن" متمكنا من اللغة الفرنسية حديثا وكتابة، وكان تمكنه منها نافذة أطل منها متأنيا على دنيا وجدها مبسوطة أمامه ومرحبة - لا يحتاج فيها إلى دليل أو ترجمان!
وفي الحالتين - فقد كان قصر الملك "الحسن" أكثر رفقا باللغة من قصور أخرى تتواجد فيها اللغة العربية - مظلومة بإساءة الاستعمال، أو تتواجد فيها الترجمة إليها - ظالمة لأصلها بشدة الإهمال!
وحديث الجغرافيا فيما يخص الملك "الحسن" يسبق أي حديث لأن موقع المغرب "الدولة - فضلا عن الإقليم الأوسع من تونس الى موريتانيا" واجهات مفتوحة على كل النواحي·
واجهة على البحر الأبيض قريبة جدا من فرنسا، ملاصقة تقريبا لأسبانيا، مجاورة بزاوية لإيطاليا، مكشوفة تماما أمام بريطانيا التي تحتل صخرة "جبل طارق"، ومنها بالعين المجردة يمن رؤية الشاطئ المغربي·
ومضيق "جبل طارق" بوابة من البوابات الثلاث من والى البحر الأبيض الذي هو بؤرة الوسط في العالم - كان ولا يزال "ومعه مضيق "الدردنيل" في تركيا، الى البحر الأسود - ومضيق السويس في مصر، الى البحر الأحمر والمحيط الهندي"·
وكانت لدول أوروبا في أحوال اختلافها أو في أحوال اتفاقها مطالب ومطامع مغربية: سيطرة عسكرية بالاحتلال، واستغلال للثروة عن طريق التحكم في المال بالبنوك والديون وأي وسيلة أخرى تسمح بها الظروف، وتصدير فائض بشري يريد أرضا يستولي عليها بالملكية وبالاستيطان خصوصا إذا كانت الأرض قفزة عبر البحر، ثم التمكين لنفوذ سياسي غالب سواء كان بالإلحاق المباشر أو بالتبعية المتحكمة·
ولم تكن الدول الأوروبية الأقرب الى الشواطئ المواجهة للمغرب - فرنسا وأسبانيا وإيطاليا - هي وحدها التي طمعت أو طالبت، وإنما تسابقت الى المغرب كل دولة طمعت أو طالبت بقيادة أوروبا، وأولها ألمانيا التي ذهب قيصرها الى البحر أمام طنجة وأعلن سنة 1905 استقلال المغرب، وكان محرض القيصر على ذلك انكشاف الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا "1904" في "فاشودة" "السودان"، والذي بمقتضاه وافقت فرنسا على إطلاق يد بريطانيا في مصر - في مقابل موافقة بريطانيا على إطلاق يد فرنسا في المغرب· ومن ثم أحس القيصر أن غنائم المستعمرات توزع وراء ظهره!
وحتى سنوات قليلة كانت هناك مشروعات طموحة - ضمن السياسات الأوروبية وضمن استراتيجيات البحر الأبيض والأطلسي - تسعى الى ربط مباشر بين أفريقيا وأوروبا في أقرب نقطة بين الاثنتين إما بجسر فوق مضيق "جبل طارق" أو بنفق تحت الماء تسهيلا - لانتقال الناس والبضائع!
وفي حديث ذات مرة مع الملك "الحسن" أشار الى هذه المشروعات - ملاحظا بذكاء:
"الإنجليز متحمسون لمشروع الربط بواسطة نفق تحت الماء، والفرنسيون يريدون الربط بواسطة جسر· وخذ بالك "قالها الملك بفتحة ممدودة على حرف اللام" أن كل بلد منهما يعكس بمشروعه خصائصه النفسية:
الإنجليز "نفق تحت البحر" يريدون أن يفعلوا كل شيء في الخفاء، لأن النفق يعمل بكفاءة دون أن يراه أحد·
أما الفرنسيون "الجسر" فهم يريدون أن يراهم الناس، وشاغلهم أن يتباهوا أمام العالم بشاهد كبير يمسك في إحدى يديه بأوروبا ويمسك في اليد الثانية بأفريقيا"!
وفي مقابلة لاحقة سألت الملك عن مشروعات الربط بين القارتين، وتذكر الملك ما قاله عن المشروع البريطاني والمشروع الفرنسي للوصل بين القارات، وقال بسخريته الحادة أحيانا: "إنهم لن يحفروا نفقا ولن يمدوا جسرا· أرادوا الصلة حين كانوا يجيئون إلينا في طلب الغنى، فلما تغيرت الظروف وزصبحنا نحن الذين نهاجر إليهم في طلب العمل لم تعد لهم مصلحة في الوصل·
قالوها لي صراحة - ولم يحدد الملك من قالها بالضبط - لو استطعنا أن نقيم سورا من الأسلاك الشائكة يحجز عنا جحافل فقرائكم الزاحفين إلينا لأقمناه"!
للمغرب واجهة بحرية أخرى مطلة على المحيط الأطلسي، وكثيرون لا يتذكرون أن الشاطئ المقابل لها على الناحية الأخرى من خط الماء هو الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، وبين الشاطئين المغربي والأمريكي ينبسط محيط لا تقطعه يابسة!
ومن هذا الواقع فإن أول حركة للقوة البحرية الأمريكية عندما بدأت تخرج بعيدا عن مياهها كانت الوصول الى شواطئ المغرب· وبذلك فإن المغرب أصبح المتكأ الأمريكي الأهم على الشاطئ الأفريقي من الأطلسي وصولا الى البحر الأبيض ومتابعة لأوروبا عن قرب، وذلك وضع ظل يتطور حتى تبلور وسط معارك الحرب العالمية الثانية، فعندما بدأ تفكير الحفاء في تحرير أوروبا من سيطرة "هتلر" بعد أن استولى عليها بالكامل ما بين سنة 1939 حتى سنة 1942 - كانت أول مشاركة أمريكية فعالة في الحرب هي النزول على شواطئ شمال أفريقيا - والمغرب بالذات - ضمن العملية العسكرية التي اشتهرت باسم "تورش" (الشعلة)·
وكانت الاستراتيجية البريطانية لإدارة الحرب توصي وتلح على أن يبدأ غزو الحلفاء لأوروبا من الجنوب، أي من إيطاليا وهي في تقديرهم البطن الرخو لدول المحور، أو من البلقان وهي أقصر الطرق مباشرة الى قلب أوروبا - ألمانيا بالتحديد·
ولكن الاستراتيجية الأمريكية استاقا مع تجربتها التاريخية وبتوجيه من الجنرالات "مارشال" و"ماك آرثر" و"أيزنهاور" - ظلت متمسكة بأن العملية الكبيرة الأولى للقوة الأمريكية لا بد أن تكون قفزة تمهيدية عبر الأطلنطي للنزول في شمال أفريقيا وحشد الجيوش والأسلحة هناك، وبعدها التقدم الى إيطاليا بدءا من صقلية، ومن ثم تتاح الظروف لخطة "أوفر لورد" وهو الاسم الرمزي لعملية نزول قوات الحلفاء عبر بحر الشمال الى قلب أوروبا - فرنسا - بلجيكا - هولندا -والدخول من هناك الى العمق الألماني·
وقد التقى الملك "الحسن" - في تلك الأيام - مع "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا الأشهر مرتين· مرة في رفقة والده مع "تشرشل" و"روزفلت" "الرئيس الأمريكي"، وكان اللقاء مجاملة شكلية للسلطان "محمد الخامس" الذي كانت أرضه مسرحا للعمليات دون إذنه· ومرة ثانية في مراكش وكان "تشرشل" عاشقا لها يمشي إليها كلما استطاع ليجرب مهارته في رسم المناظر الطبيعية، وهناك قابله الملك "الحسن" بمفرده وهو ولي لعهد المغرب واستمع منه الى قصص كثيرة ومثيرة عن أيام الحرب في شمال أفريقيا وعن خلافاته - "تشرشل" - مع القادة الفرنسيين وأولهم "ديجول" الذي طلب أن تعترف بريطانيا ولاولايات المتحدة بسرعة وفور نزول قوات الحلفاء في شمال أفريقيا بشراكة فرنسا معهم على قدم المساواة في هزيمة "هتلر" لأن عملية طي البساط من تحت أقدامه بدأت هنا في المغرب على أرض فرنسية!
ولكن الملك "الحسن" - وطبق روايته - سمع من الجنرال "ديجول" قصة مختلفة هي أن "الأنجلوساكسون" "كما كان "ديجول" يشير دائما الى الولايات المتحدة وبريطانيا" يريدون أرض المغرب باستمرار حاملة طائرات ثابتة على بر مطمئن ضمن مخطط إحكام السيطرة على البحر الأبيض والمحيط الأطلسي عند زاوية التصالهما، وأن العلاقة مع فرنسا هي وحدها ما يستطيع أن يؤمن دور المغرب في إطار دولي يناسب مستقبله - دون تكاليف باهظة تفوق احتماله سياسيا ونفسيا وعسكريا!
لكن الملك "الحسن" رغم قلبه "الفرنسي" - ترك لعقله حرية أن يكون "أمريكيا"، ولم يكن يخفي مشاعره تجاه "ديجول" الذي كان يتعامل معه وفق تعبير الملك "مثل جاويش معلم مع طالب مدرسة عسكرية"·
للمغرب واجهة برية تسير بمحاذاة الطريق الساحلي لشمال أفريقيا كله واصلة من الدار البيضاء والرباط الى الاسكندرية ودمياط، وهذا الطريق يعبر الجزائر، ويعبر تونس، ويعبر ليبيا، ويجتاز مصر الى ما وراءها، ومن هذا الطريق وصل الإسلام الى المغرب، ووراءه القبائل المهاجرة من شبه الجزيرة العربية تقيم هناك دولها سواء في المغرب ذاته أو في الأندلس بعده·
وعلى هذا الطريق - الساحل الأفريقي الشمالي - تسلل سرا بعض الطامحين الى الخلافة الإسلامية يطلبون البيعة، وعلى نفس هذا الطريق عادت جيوش بعضهم الى المشرق بعد أن تمكنت من المغرب، وكانت العودة الأشهر هي غزوة الفاطميين لمصر ونقلهم عاصمة ملكهم إليها·
وفي حديث مع الملك "الحسن" مرة، وقد اشتد النقاش في شؤون السياسة الجارية وقتها - قال لي ما معناه: "لا تهددونها بإذاعة صوت العرب· مصر لم تغز المغرب أبدا ولكن المغرب غزا مصر وأقام دولة هناك" - قالها الملك وابتسم باقتناع أنه سجل في النقاش نقطة تاريخية لصالحه!
وللمغرب واجهة برية أفريقية متصلة بالجنوب ونافذة الى الغرب، لكن التفاعلات على هذه الناحية هادئة، فهي تجارية، ثقافية، وإنسانية·
(2)
حديث التاريخ في المغرب لا نهاية له، لكن البداية، والعلامة البارزة في هذا التاريخ كانت وصول الجيوش العربية حاملة ألوية الإسلام الى هناك تحت قيادة "عقبة بن نافع" ثم "موسى بن نصير"، وكان "طارق بن زياد" "من البربر" أحد مواليه، وقد كلفه "موسى بن نصير" باقتحام المضيق بين أفريقيا وأوروبا، في ملحمة الفتح المشهورة التي بدأت بخطبة "أن العدو أمامكم والبحر وراءكم···" الى آخره·
وكذلك توالت أحداث ومشاهد تلك القصة الرائعة والحزبنة للتجربة الإسلامية العربية في الأندلس·
والحاصل أن الحزن مشى مع الفرح خطوة بخطوة في قصة الأندلس منذ كانت البداية وحتى جاءت النهاية بعد سبعة قرون من الزمان·
"موسى بن نصير" وهو القائد العام لشمال أفريقيا، راح يشعر بالغيرة من عامله "طارق بن زياد"، خصوصا عندما اتسع الفتح في الأندلس وأصدر إليه أمرا بالتوقف لم يمتثل له "طارق" لأنه وجد الساحات مهيأة لخططه، وقد دعاه "موسى" يؤنبه على عصيان أمره، ومضى في تأنيبه الى درجة جلده بالسياط أمام الجيش، واختفى المقاتل البربري الأسطوري في النسيان مرورا مقهورا·
وبنفس المنطق فإن الخليفة الأموي في دمشق غار من الثروة التي جمعها قائده العام في شمال أفريقيا "موسى بن نصير" فدعاه الى عاصمة الملك يحاسبه واتهمه بإخفاء جزء من الغنائم لنفسه، ثم أمر باحتجازه· وتحول فاتح أفريقيا الى أسير في سجون سيده الأموي!
إن مرحلة الفرح في الحلم العربي - الإسلامي في الأندلس تجلت مع بدايات الفتح الأولى - ثم اختلطت الأفراح بالأحزان عندما وقع التناحر على اقتسام الغنائم وهو مفسدة النصر - وعندما تسلل الترف الى قصور الملك وهو آفة العز - وعندما استحكمت الدسائس وهي مذبحة أي سياسة لأنها التضحية بالأهداف على مقصلة المؤامرة! - وعندما وقع الاقتتال الداخلي بين الأمراء لسبب لا بد للتاريخ أن يتوقف أمامه طويلا - وقد وقفت أمامه متأملا خلال زيارات متكررة لقصور الأندلس "وقصور ملوك المغول في الهند الإسلامية أيضا" وهذا السبب هو تعدد الزوجات، ومع غواية الزواج من أميرات أجنبيات ملونات الشعر والبشرة والعيون، ويضاف الى غواية الزوجات الأجنبيات احتمال الاستعانة بسلاح أسرهن الحاكمة في مقاطعات وإمارات قريبة إذا دعت الضرورات! والعادة أن الملك الأندلسي ينشغل بأعباء أو هموم أو مباهج الملك، وكذلك تقع حضانة الأبناء والبنات على الأم، فهي بالطبيعة متفرغة لهم· وتكون الأم - زوجة الملك الأجنبية - ما تزال مأخوذة بتراثها السابق، ما تزال مسكونة بدينها الذي تركته للزواج من أمير مسلم أعطت نفسها له تعزيزا لملك أهلها، ثم يزيد انشغالها بمستقبلها وهي تعلم أن الملك مزواج· وهكذا ينشأ الأبناء والبنات - الأمراء والأميرات - إخوة من أمهات مختلفات، لكنهم ودون استثناء تقريبا أعداء متنافسون بتأثير تربية كل واحد - أو واحدة - منهم في حضانة ضرة، ثم إن وراء كل واحد - أو واحدة - أخوالا في الشمال يتابعون ويراسلون، ويتحركون كما تقضي مصالحهم، وتوازناتهم، وأمانيهم القريبة والبعيدة·
وربما أن الحلم الأندلسي العربي - الإسلامي من أوله الى آخره يمكن تلخيصه في العبارة التي سمعها "أبو عبدالله" آخر ملوك غرناطة بعد أن وقع على صك تسليمها - وهو يستعد لامتطاء جواده ذاهبا وحيدا الى منفاه الأخير، وكانت القائلة أمه وقولها "وهي أميرة مسيحية سابقة" - تلك العبارة لامرعبة التي تؤرق التاريخ العربي كله وليس تاريخ الأندلس وحده: "ابك كالنساء على ملك لم تستطع المحافظة عليه كالرجال"·
وتعاقبت الدول صراعات دامية في الأندلس وفي المغرب، وهو القاعدة الخلفية والمرتكز الرئيسي لكل القصة الأندلسية سواء في ذلك روائعها أو أحزانها·
كان الأندلس والمغرب شبه مسرح تاريخي واسع جرت عليه مواجهة إنسانية وحضارية هائلة تداخل فيها الصوت والصدى، والفعل ورد الفعل، والنصر والهزيمة، والنور والظلمة·
وهكذا فإنه عندما غربت شمس العرب والإسلام عن الأندلس كان الليل في المغرب موحشا·
وفي قلب الخوف وبرجاء الانتصار عليه ظهرت في المغرب دولة المرابطين، ثم لحقتها دولة الموحدين، لكن الفجر كان لا يزال بعيدا، وليل الحزن الأندلسي يمزق نفسه بألسنة الحريق، والحقد، وسيال الدم المسفوح·
وفي هذه الوحشة فقد كانت أشد الجرائم عنفا وغلاظة هي تلك التي اشتهرت بوصف "محاكم التفتيش" والتي أطبقت على المسلمين، ومعهم اليهود الذين استظلوا بحماهم على ذلك الطرف القصي من القارة الأوروبية هربا من قساوة مسيحية القرون الوسطى وضيق أفقها·
وأمام حملة الرعب من "محاكم التفتيش" بدأ النزوح من الأندلس الى المغرب·
وكما كان المغرب هو القاعدة والمرتكز في قصة الأندلس الرائعة عند بداياتها، فإنه أصبح المهرب والملاذ في القصة الحزينة عند النهايات· وكان المسلمون العائدون من الأندلس "من العرب أو البربر" راجعين الى المغرب ضمن التوالي المحتمل للنصر والهزيمة· وأما اليهود الهاربون الى المغرب من الزدلس فقد كانوا في مسار سياق من نوع آخر، يكاد إن يكون ظرفا تاريخيا بذاته·
وفي قرون تالية، ومع انتشار يهودي حول حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو بؤرة التجارة العالمية في تلك الأزمنة - وربما الى الآن - فإن المغرب أصبح أكبر مراكز تجمع اليهود في العالم، ولعله الثالث في الترتيب:
- الأول: تجمع يهودي مهاجر "ما بين 5 الى 6 ملايين الآن" في العالم الجديد، أي أمريكا، وهو تجمع يريد أن ينسى الماضي بأسره لو استطاع، أو يعود الى هذا الماضي مرة أخرى مسنودا إذا تمكن في عالمه الجديد·
- والثاني: تجمع يهودي أزاحه وسط وغرب أوروبا الى مخزن على الحافة - بولندا - وكان معظم يهود هذا التجمع "3 ملايين عند الذروة قبل الحرب العالمية الثانية" من الإشكناز "يهود الغرب"·
- والثالث: تجمع يهودي طرده سقوط الأندلس - بين ما طرد - على الشاطئ الأفريقي في المغرب ومعظمه من السفارديم "يهود الشرق"، وكان تعدادهم في المغرب ما بين 500 ألف الى 600 ألف "بعد الحرب العالمية الثانية"·
وتواصلت حركة المد والجزر على شواطئ البحر الأبيض، وزحفت الأمواج على الرمال وتراجعت، وتصادمت أساطيل، وتسابقت أعلام، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وفرنسا تحسب نفسها - كحركة فرنسا الحرة - ضمن الحلفاء المنتصرين فيها - مطالبة بالحق في السيطرة كاملة على مستعمراتها وبينها المغرب!
وكذلك فإنه بعد الحرب العالمية الثانية - دخل المغرب دوامة التعامل مع ظروف مستجدة:
فرنسا تريد أن ترجع إليه بالدعوى الأمبراطورية، واستئنافا لأوضاع ما قبل الحرب، ولحماية جالية فرنسية "قرب مليون مستوطن" سيطرت على الأرض أساسا ومنها زحفت على بقية مجالات الاقتصاد·
والولايات المتحدة تريد أن تتمسك بمركز في المغرب وصلت إليه بعاصفة النصر وما بعدها، وهي تريد أن تبقى فيه وتعتبره نقطة حيوية في تطويق البحر الأبيض وكل مداخله ومخارجه وشواطئه·
وحركة القومية العربية الناشئة يقظى ومتدفقة بعد انتهاء الحرب تجذب المغرب نحو المشرق معتمدة على صلات ثقافية وسياسية عميقة، لكنها غير مدركة لعمق المواريث الضاغطة على حركة المغرب، وغير واعية بخصائص التركيبة الإنسانية والاجتماعية والثقافية الفاعلة فيه·
واليهود في المغرب قوة تتطلع بشوق وتحرق نحو المشروع الصهيوني في فلسطين، وسؤالها: كيف تساعد في إنشاء الوطن اليهودي الموعود هناك؟ وكيف تشارك في تقويته وتدعيمه؟!
وفي وقت كانت هجرة اليهود من مراكز تجمعهم الكبرى الى إسرائيل مقيدة بظروف معقدة - فإن التجمع اليهودي في المغرب اكتسب أهمية خاصة من عدة اعتبارات:
إن يهود أمريكا "التجمع الأول" لن يهاجروا الى إسرائيل، وإنما سوف يذهبون للزيارة ربما - وسوف يساعدون ماليا وسياسيا بالتأكيد - لكنهم سوف يبقون على الناحية الأخرى من المحيط·
ثم إن يهود بولندا وشرق أوروبا على العموم "وهذا هو التجمع الثاني" يصعب أن يهاجروا بحجم مؤثر الى إسراذيل لأن سياسة الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت حاجزة·
وهنا فإن يهود المغرب "التجمع الكبير الثالث" يصبحون مصدر الهجرة الوارد والواعد!
وفي خضم محاولة المغرب للتعامل مع ظروف مستجدة كانت هناك عدة قوى تتنازع التأثير عليه:
- قوة القاعدة العريضة العربية، المسلمة السنية، الموصولة لغة وثقافة، وتشابكا حيا ونابضا مع الكيان العربي المتمدد نحو المشرق·
- وقوة التجمعات العرقية متمثلة بالدرجة الأولى في البربر، وقبائلهم الأصيلة وهي متمركزة بالدرجة الأولى في جبال الأطلس، ووراءها مواريث وتقاليد قبلت بالإسلام - ولكن ليس بالعروبة!
- قوة الاحتلال والاستيطان والثقافة الفرنسية، وهي تريد مواصلة السيطرة·
- وقوة العرش متمثلة في السلطان "محمد بن يوسف"، ودائرة القصر التي تحيط به، وهالة الدين التي يضع نفسه وعرشه تحت مظلتها·
- وقوة حياة سياسية وليدة راحت تشارك في عملية تحديث المغرب في ظروف صعبة، ثم إنها بحقائق الأشياء راحت تتحرك وسط المغرب الإقليم وليس فقط المغرب الدولة، وكانت هذه الحقائق هي الجامع الذي دعا كل حركات التحرر والاستقلال في المغرب الى إنشاء ما سمي بـ "مكتب المغرب العربي" الذي اتخذ من القاهرة مقرا له!
- وأخيرا فقد كانت هناك قوة رأي عام مغربي تتنازعه آمال غير محدودة وتحركه طموحات تبحث عن مستقبل، وتشده دعوات معظمها قادم من وراء الصحراء من المشرق، وخاصة بعد ثورة عبدالناصر في مصر·
وكانت تلك الفترة "وذروتها 20 أبريل سنة 1953 هي اللحظة التي تصادمت فيها كل القوى وكل العناصر وكل العوامل ومن كل الاتجاهات، والسبب أن ضغوط مطالب ومطامع متعارضة جعلت الحكام الفرنسي العام في المغرب وقائد عموم القوات الفرنسية هناك - وبتحريض وتعاون من زعماد عشائريين وقبليين ومحليين - يأمر بعزل سلطان المغرب الشرعي "محمد بن يوسف" ونفيه الى جزيرة "كورسيكا" ثم إبعاده عن البحر الأبيض كله الى جزيرة "مدغشقر" وتعيين سلطان آخر من أقاربه بدلا منه هو مولاي "محمد بن عرفة"·
وفي ظروف الثورة في المغرب، وفي ملابساتها المعقدة، جاء ذلك الأمر الذي يعنيني في هذا كله عن الملك "الحسن"، ودوره في العمل العربي العام طوال فترة حكمه، وحتى من قبلها، وتأثيره في السياسة العربية من منتصف الخمسينيات الى نهاية التسعينيات، وبما في ذلك صلة الملك "الحسن" بإسرائيل!
··· وتلك خلفية التاريخ بعد أرضية الجغرافيا·
المفكرة رقم 5
تجربة أمير قرأ ماكيافيللي
(1)
التقيت الملك "الحسن" إحدى عشرة مرة بالعدد، ولا أتحدث هنا عن مناسبات رأيته فيها، وإنما عن جلسات استغرق بعضها أكثر قليلا من ساعة، وبعضها الآخر امتد عدة ساعات، ستا في إحدى المرات·
وكانت بين هذه اللقاءات ثلاثة جرت مع "الحسن" وهو ولى للعهد ورئيس لهيئة أركان القوات المسلحة "الملكية" المغربية·
كان اللقاء الأول في القاهرة خريف سنة 1957 "ولم أسجل اليوم والتاريخ بالضبط في أوراقي" - وقد جرى في نادي الجزيرة بالزمالك "على مائدة بجوار حوض السباحة "الليدو" وحضره معنا المقدم "حسن فهمي عبدالمجيد"، وكان وقتها المرافق العسكري لولى عهد المغرب الذي كان في زيارة لمصر· وقد عين "حسن فهمي عبدالمجيد" بعد ذلك ملحقا عسكريا لمصر في الرباط، ثم أصبح سفيرا لمصر لدى المملكة المغربية، وكان ضمن المؤهلات التي رجحت ترشيحه لهذا المنصب أن علاقته بـ "الحسن" توقت "وبالفعل أثبت "حسن فهمي عبدالمجيد" نفسه سفيرا ناجحا في المغرب"·
وفي ذلك اللقاء في نادي الجزيرة سنة 1957 - كان الأمير "الحسن" يريد - بأمر "مولاي صاحب الجلالة" "محمد الخامس" كما كان يقول عن والده - "أن يتصل مباشرة بالمشرق العربي الجديد ومصر قيادته في ذلك الوقت بعد موقعة السويس العظيمة، ثم إنه كان يريد أيضا بأمر من "مولاي صاحب الجلالة" أن يلتقي ويقترب إذا استطاع من "صاحب الفخامة" الرئيس "جمال عبدالناصر" "على حد قوله"·
كان "الحسن" وقتها شابا، وكان وسيما، وفور أن تكلم بدت جاذبيته في لهجة نطقه المغربية، وفي الطريقة التي تخرج بها ألفاظه وكأنها مربعات مكتملة الزوايا قاطعة محددة، ورغم أنه لم يرفع الكلفة من أول لقاء فقد ظهر مرحا، قوي الملاحظة، سريع البديهة، دون أن يبتذل لفظا، بل العكس فإن ألفاظه كانت منتقاة توحي بأدب يعرف حدوده وبثقافة لها أساس·
وفي ذلك اللقاء الأول في نادي الجزيرة كان اهتمام "الحسن" ظاهرا بمعركة السويس وملابساتها، ونتائجها، ومنها الى أحوال الثورة الجزائرية، وبدا حريصا - دون أن يقولها مباشرة - أن يبرز "بالفعل الماضي" إحساسه وإحساس "مولاي صاحب الجلالة" بالضيق والاستنكار لما أقدمت عليه السلطات الفرنسية من خطف طائرة كان يستقلها زعماء الثورة الجزائرية بعد زيارة قاموا بها للرباط والتقوا فيها بالملك "محمد الخامس" وبولي عهده "الحسن"· وكانت بعض العناصر السياسية المعارضة في المغرب تنسب الى "الحسن" وقتها أنه المصدر الذي عرف منه القائد العام الفرنسي في الجزائر بموعد قيام الطائرة المقلة للزعماء الجزائريين وبينهم "أحمد بن بيللا" - وكذك تمكنت السلطات الفرنسية من خطفهم·
واستغرق لقاؤنا الأول ذلك أكثر قليلا من ساعة، وكان "الحسن" بعدها ذاهبا الى باريس لكنه خرج من نادي الجزيرة يومها قاصدا "خان الخليلي" قائلا إنه "يريد أن ينتقي من هناك هدية لصديق فرنسي طلبها منه بالتحديد، وصديقه هذا كان قد رأى ما يطلبه من "خان الخليلي" عندما كان في القاهرة قبل السويس وفاته أن يشتريه، ولم يكن في مقدوره في أعقاب الحرب أن يجيء، وهكذا طلب من صديقه ولي عهد المغرب أن يأتيه بها"!
وكان اللقاء الثاني و"الحسن" ما يزال ولي عهد المغرب - في نيويورك، وقد قصد إليها على رأس وفد عالي المستوى يمثل المغرب في الدورة الاستثنائية التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة على مستوى رؤساء الدول في سبتمبر سنة 1960· وكان "الحسن" هناك أيضاً ممثلاً لـ "مولاي صاحب الجلالة"، وقد شارك في الجلسة الافتتاحية لكنه ترك مقعده بعد ذلك لوزير الخارجية، وأما هو فقد انشغل فيما بدا بمقابلات واسعة في نيويورك كان اللافت للنظر فيها أن معظمها مع جماعات يهودية أو مع ساسة أمريكيين معروفين بقربهم من الدوائر اليهودية النافذة في نيويورك· وعندما التقيت مع "الحسن" على الغداء في فندق "والدورف أستوريا" فإنه أشار إلى لقاءاته اليهودية بسرعة قائلاً إن "المغرب في حاجة إلى استثمارات كبيرة لتنمية موارده من الفوسفات، وهؤلاء هم الذين يسيطرون على مؤسسات المال في العالم"· وبدا الإيضاح معقولاً· وعلى أي حال فقد انتقل "السحن" إلى تفاصيل مقابلة تمت بينه وبين الرئيس الفرنسي الجنرال "ديجول"، وخلال روايته لمقابلته مع "ديجول" تجلى مرح الأمير المغربي، فقد راح يقلد لهجة الجنرال عندما يتحدث عن قضايا العالم وتقييمه (ديجول) للزعماء الذين التقى بهم في نيويورك على هامش الدورة الاستثنائية للجمعية العامة، وكان بين من التقى بهم "ديجول" في ذلك الوقت الجنرال "أيزنهاور" وهو رفيق سابق له من أيام الحرب ضد "هتلر"· وطبقا لما سجلته مما قاله "الحسن" يومها "إن ديجول ذكر له أنه يعتبر ذلك لقاءه الوداعي لأيزنهاور بعد معرفة طويلة سواء أثناء الحرب العالمية الثانية عندما كان أيرنهاور قائدا لقوات الحلفاء الزاحفة على أوروبا من شواطئ بحر الشمال - أو بعدها عندما أصبح أيزنهاور قائدا لقوات حلف الأطلنطي ومقره باريس تلك الأيام - ثم في سنوات تالية أخيرة حين انتخب أيزنهاور رئيسا للولايات المتحدة·
وكان بين ما سمعته وسجلته عن الأمير "الحسن" نقلا عن "ديجول" أن "أيزنهاور" لم يكن جنرالا كبيرا لأنه يفتقد أهم الخصائص التي تميز الجنرال الكبير وهي الخيال الخلاق - لكن "أيزنهاور" - في رأي "ديجول" - نقلا عن "الحسن" أيضا - نجح كرئيس للولايات المتحدة لأنه استطاع أن يعطي أمريكا ثماني سنوات من "الاستقرار" - "والاستقرار لا يحتاج الي خيال" "هكذا قال "ديجول" ونقل عنه "الحسن"·
وكان اللقاء الثالث هو اللقاء الأهم في تلك الفترة، وقد جرى في بداية سنة 1961 في مناسبة انعقاد مؤتمر الدول الأفريقية المتحررة التي كونت مجموعة "الدار البيضاء" في مقابل مجموعة "كينشاسا" السائرة في فلك فرنسا "بداية الفرانكوفونية" - الى أن تراضت المجموعتان على لقاء أفريقي واسع تكونت بعده "منظمة الوحدة الأفريقية" التي انعقد مؤتمرها التأسيس في أديس أباب سنة 1963·
وفي الدار البيضاء - تلك المرة - عرفت الأمير "الحسن" عن قرب وجلست إليه طويلا ومرارا نتحدث ونستعيد، وكان الوقت عاملا مساعدا، فقد كان مقررا أن يقوم "جمال عبدالناصر" بزيارة رسمية الى المغرب بدعوة من الملك "محمد الخامس" تقديرا للدور الذي قامت به مصر في نصرته بعد أن خفعته فرنسا ونفته، وكان الملك "محمد الخامس" ممتنا لهذا الدور، وكان إعجابه فائقا بالطريقة التي استطاعت بها إذاعة "صوت العرب" أن تجعل خلعه عن العرش ونفيه خارج بلاده "الشغل الشاغل لكل عربي في المشرق"·
ثم كان الترتيب أن تمتد زيارة "جمال عبدالناصر" الرسمية للمغرب وتلتحم بانعقاد مؤتمر الدول الأفريقية المتحررة "مجموعة "الدار البيضاء" أو مجموعة "كازابلانكا" كما اشتهرت في ذلك الوقت"·
وكان واضحا خلال الزيارة الرسمية لـ "جمال عبدالناصر" للمغرب، وبعدها أثناء مؤتمر مجموعة الدول الأفريقية المتحررة - أن ولي العهد "الحسن" أصبح المسؤول الحقيقي والرجل القوي في الدولة المغربية، وأن دور الملك "محمد الخامس" وحتى وجوده أصبح منسحبا ومتواريا "وبالفعل فلم تكد تمضي شهور من سنة 1961 إلا وكان الملك "محمد الخامس" قد توفى وواراه التراب"·
ومع أن الزيارة الرسمية لـ جمال عبدالناصر" الى المغرب "قبل المؤتمر" بدأت بموقف فيه شيء من الحرج لولي العهد - فإن الأمور صححت نفسها بسرعة· وكان سبب الحرج أن "الحسن" وقد أخذ على نفسه مسؤولية ترتيب زيارة "جمال عبدالناصر" للمغرب - قدر أن يكون هناك عشاء شخصي تمهيدي لعشرة أشخاص فقط، خمسة من المصريين مع "جمال عبدالناصر" "كان حظي أن أكون أحدهم" - وخمسة من المغاربة مع الملك "محمد الخامس" "يتقدمهم بالطبع ولي عهده"· وكان "الحسن" هو الذي اختار أن يكون العشاء في نفس القصر - قصر "آنفا" - الذي انعقدت فيه القمة بين "روزفلت" و"تشرشل" بعد نزول قوات الحلفاء في شمال أفريقيا لتقرير استراتيجية تحرير أوروبا· ويظهر أن الأمير "الحسن" وجد مناسبا لاستكمال أبهة الدعوة أن يطلب أطباق العشاء من معطعم "ماكسيم" في باريس، وهو أيامها أشهر المعالم من بقايا "الحقبة الجميلة" في أوروبا، وكذلك فعل· وكان أول الأطباق التي جاءت من "ماكسيم" هو طبق طائر "الفيزان" الشهير، وقد رصت شرائحه على أطباق من ذهب، وفوق كل طبق وضعت للزينة رأس طائر "الفيزان" بألوان ريشه الجميلة الزاهية والمتداخلة· وكانت تلك أول مرة يرى "جمال عبدالناصر" فيها طائرة "الفيزان"، وقد حسبه عند النظرة الأولى طاووسا، ولم يتمالك نفسه وقتها ونحن جميعا على مائدة واحدة من أن يتساءل بصوت مسموع يشيع فيه نوع من الاستغراب الى حافة الاستنكار: "··· معقول - هل تأكلون الطاووس"؟
والتفت الملك "محمد الخامس" الى ابنه بنظرة لها معنى وكأنه يطلب من ولي عهده أن يشرح لضيفه "المتغرب" من أكل الطاووس في "المغرب"· وفيما بدا فإن ولي العهد أحس بالحرج، وحاولت أن أبدى ملاحظة في التفريق بين طائر "الفيزان" وطائر الطاووس، ولكن الشعور بالحرج سبق، خصوصا عندما أمسك "جمال عبدالناصر" يده عن الطبق الأول في المأدبة سواء كان من "الفيزان" أو "الطاووس"!
ثم زال الحرج لأن شجون أحاديث متشعبة أخذت الجميع الى ما بعد منتصف الليل·
وفي اليوم التالي كان الأمير "الحسن" قد استغنى عن المطبخ الفرنسي وأتى بواحد من طباخي القصر في الرباط، واحتل طبق "الكسكسي" المغربي مكانه وسط مائدة الغداء ومعه الخضراوات واللحم المسلوق· ولم يكن هناك حرج، بل إن الغداء كان شهيا ومشوقا لأن الأمير "الحسن" راح يتحدث عن المطبخ المغربي، وبمعرفة عميقة رابطا تراث المطبخ في بيزنطة وقد انتقل الى الأمويين، وعبر معهم البحر الى أسبانيا، وهناك وبعملية توفيق خلاقة بين شرق البحر الأبيض وغربه ظهر المطبخ الأندلسي المبدع وهو المطبخ الذي عاد مع العائدين من الأندلس وتزاوج مع المطبخ التقليدي لقبائل الأطلس·
وفي إطار هذه الزيارة للمغرب ومؤتمر مجموعة "كازابلانكا" لاحقا بها - سمعت من ولي عهد المغرب بعض آرائه في العلاقة مع اليهود··· ومع إسرائيل ربطة واحدة!
كان رأيه أن هناك عبقرية يهودية، وهناك عبقرية إسلامية عربية، وأن بين العبقريتين صلات تاريخية قديمة ولا يجب لقيام إسرائيل أن يعترضها·
ولم اختلف مع ولي عهد المغرب في أن هناك عبقرية يهودية لكنها عبقرية نشأت وأدت دورها ضمن حياتها في الأوطان التي عاش فيها اليهود خصوصا في وسط أوروبا· لكن تلك مسألة - وموضوع إسرائيل مسألة أخرى·
وطرح الأمير "الحسن" سؤالا "عما يمكن أن نفعله مع إسرائيل، وكيف يمكن النظر إليها في عزلة عن تأثير اليهود في العالم وهم القوة المؤثرة خصوصا في الولايات المتحدة"؟
وطال حوارنا·
ثم حدث في لقاء آخر مع الأمير "الحسن" في نفس الزيارة - أن مؤتمر مجموعة "الدار البيضاء" واجه أزمة بسبب مشروع قرار يطلب من دول أفريقيا المتحررة تأييد موقف العرب في الصراع مع إسرائيل تأييدا صريحا· وكان تقدير "الحسن" يومها "أن "أحمد سيكوتوري" - زعيم غينيا - يستطيع قبول مشروع القرار ولكن "قوامي نكروما" - زعيم غانا - يصعب عليه قبوله"!
أتفهم هواجس "الحسن"، فقد حضرت مناقشات الزعماء الأفارقة الجدد ولمست ترددهم في تبني مشروع القرار الخاص بإسرائيل· ثم حدث أثناء مناقشة عامة في الجلسة الثانية للمؤتمر أن الدكتور "محمود فوزي" وزير الخارجية المصرية في ذلك الوقت أعطى خلال شرحه تصويرا جديدا تماما للصراع العربي الإسرائيلي قام فيه بتشبيه الدولة الصهيونية في فلسطين بالدولة العنصرية في جنوب أفريقيا، كلاهما تجربة في الاستعمار الاستيطاني: البيض في جنوب أفريقيا، ويهود أوروبا في الشرق الأوسط!
وكان "سيكوتوري" أول من لمح اللقطة وسارع بتثبيتها في إطار صورة· وتردد "نكروما" يفكر فيما سمع، ثم إذا به يقر بالشبه بين تجربة جنوب أفريقيا وتجربة فلسطين· وأعيدت صياغة مشروع القرار المصري بطلب تأييد قمة "كازابلانكا" على أساس هذا التصوير الجديد، ووافق الكل وصدر البيان الختامي للمؤتمر·
ودعاني الأمير "الحسن" الى مقابلته بعد إعلان البيان الختامي للمؤتمر مظهرا إعجابه بالتكييف الجديد للصراع العربي الإسرائيلي، ومع ذلك فقد كان رأيه أن تلك الصيغ السياسية تصلح للحصول على أصوات أفريقيا في المحافل الدولية، وبالتالي تنفع في كسب وقت - لكن ضرورات الواقع تحتاج الى ما هو أبعد من صيغ ذكية وهي بلافعل ذكية "قالها الأمير "الحسن" والإعجاب يشيع في نبرات صوته!"·
(2)
وبعد ما أصبح "الحسن" ملكا على المغرب "3 مارس 1961" تجدد لقاؤنا في القاهرة التي جاءها لزيارة رسمية في بداية سنة 1964 - وكان ذلك لقاء غير عادي لأن الملك بادرني بعد دقائق لم يبرد فيها بعد فنجان قهوة - بقوله:
"عرفت أنك قابلت المهدي "يقصد "المهدي بن بركة" وكان وقتها معارضا يرأس التجمع الوطني للقوى الشعبية في المغرب" وسمعت أنك قابلته مرات وأنه أصبح صديقك - لا اعتراض لي على صداقتك له ولكني أريدك أن تعرف أن "المهدي" متآمر، وكان وراء أكثر من محاولة لاغتيالي حتى أثناء ولايتي للعهد - وأنا متأكد مما أقول"·
وسكت الملك لحظة ثم استطرد :"شيء مؤسف فقد كنت تلميذه وتلقيت عليه دروسا في الرياضة وطلبي منك على أي حال أن تحاذر فيما سوف تسمعه منه، هو رجل متكلم، وله قدرة على الاقناع لكنه ليس صادقا"·
كانت معلومات الملك صحيحة فيما يتعلق بتعرفي على "المهدى بن بركة" وكان الملك فوق ذلك محقا - من وجهة نظره - في إحساسه بأن "المهدي" لن يذكره بالخير مع أحد وبالفعل فإن بعض ما سمعته من "المهدي بن بركة" عن الملك "الحسن" كان كثيرا يدعو إلى القلق!
كان "المهدي بن بركة" شديد الإلحاح على صلات قائمة بين الملك "الحسن" وبين إسرائيل وحين راجعته عما إذا كان يتحدث عن صلات للملك باليهود - بدا "المهدي بن بركة" قاطعا في إصراره على أن صلات الملك باليهود وبإسرائيل·· بالحكومة الاسرائيلية·
وطبقا لرواية "المهدي بن بركة" وهي الآن ـ وبشهادة التطورات اللاحقة - متسقة في إجمالها بصرف النظر عن التفاصيل" - فإن "الحسن" بدأ صلاته باليهود منذ زمن طويل وذلك أمر عادي وطبيعي - لكنه فيما بعد أقام صلات بإسرائيل في أوائل سنة 1955 وهو في مدغشقر منفيا مع والده·
وطبقا لرواية "المهدي بن بركة" أيضا فإن "الحسن" ولي العهد الطموح أحسن عرشه وأبعد إلى جزيرة نائية وسط المحيط لا يعرف كيف يتعامل مع ظروف عالم مختلف عما ألفه ومتغير بأطرافه الدوليين مع ظهور القوة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية·
وكان ظن الأمير أن والده قامر بعرشه وخسر عندما سار أو ساير العناصر الوطنية في وطنه وفي المغرب العربي عموما دون أن يستطيع إيجاد نصير يملك نفوذا قادرا على الفرنسيين!
وكان "الحسن" وهو وقتها في الخامسة والعشرين "عز الشباب" يعرف أهمية الجالية اليهودية في المغرب ويقدر مدى غناها ونفوذها سواء بين يهود الولايات المتحدة أو يهود إسرائيل "وفيهم مغاربة هاجروا مبكرا"·
وفي "الحسن" يشعر فوق ذلك أنه لعبة الصراع بين الاستعمار الفرنسي القديم والقوة الأمريكية الجديدة - فإن يهود المغرب سوف يلعبون دورا مهما وهذا الدور سوف يكون رهانا مسبقا - ويبعد نظر - على أن محاولة الهيمنة الأمريكية سوف تكسب الصراع في شمال أفريقيا·
ويظهر أنه في الوقت الذي كان "الحسن" يحاول الاتصال بعناصر مؤثرة بين يهود المغرب فإن بعض هذه العناصر كانت تحاول إقناع الولايات المتحدة بأن الرهان الفرنسي على السلطان "محمد بن عرفة" الذي نصبته فرنسا على عرش المغرب رهان خائب وسوف يؤدي إلى زيادة الهياج الشعبي في البلد "بما تطالهم عواقبه" وأن الأولى هو عودة "محمد الخامس" إلى العرش بعد ترتيب الأمور معه··
وفيما رواه لي "المهدي بن بركة" وقتها وسجلته في أوراقي احساسا بأهميته ــ فإن الأمير "الحسن" توصل إلى صفقه ملخصها:
1 - يعود والده إلى العرش مرة أخرى ويتم ترحيل "محمد بن عرفة" من قصر السلطنة إلى خارج المغرب·
2 - لا يقوم السلطان "محمد الخامس" بأية عمليات انتقامية ضد زعماء قبائل الأطلس الذين أيدوا فرنسا ضده عندما قررت خلعه عن العرش ثم سبقوا إلى اسقاط بيعتهم له" وفي مقدمتهم القائد القبلي الأقوى في جبال الأطلس "التهامي الجلاوي" باشا مراكش·
3 - تجري ترتيبات وفق جدول زمني لتسهيل سفر أعداد كبيرة من يهود المغرب إلى اسرائيل وتعهد كل الأطراف أن لا تثار دعايات حول هذه العملية سواء أثناء قيامها أو بعد انتهائها وبالفعل فإنه في عشر سنوات وصل عدد المهاجرين من يهود المغرب إلى إسرائيل ما يقارب ثلاثمائة ألف مهاجر - وقد وصلوا تباعا وفي صمت " وفيما يتعلق باليهود الذين يبقون في المغرب فإن السلطان يضمن لهم حماية كاملة شاملة لأمنهم ومصالحهم، إل ىجانب السماح لهم بصلات غير مقيدة مع أهلهم الذين يختارون الهجرة إلى اسرائيل وبالفعل بقيت في المغرب وحتى الان جالية يهودية يتراوح تعدادها ما بين مائة ومائة وعشرين ألفا وهم يمارسون دور قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية بالغة الأثر في المغرب·
4 - تتعهد كل المؤسسات اليهودية (وبينها الحكومية الإسرائيلية بالطبع) بأن تعمل كل ما في وسعها وأن تتعاون أمنياً للحفاظ على سلامة العرش في المغرب·
وطبقاً لـ "المهدي بن بركة" فإنه منذ ذلك الوقت بدأت علاقة "الحسن" بإسرائيل، وسواء عرف والده السلطان "محمد الخامس" بالصفقة واعتبرها مع اليهود أو شك في أنها مع إسرائيل - فإن "الحسن" كان المسؤول عنها·
وكان "الحسن" واثقاً من قدرته على تنفيذ جانبه من التعهدات إذا تحققت عودة والده إلى العرش· واقترح بعض اليهود (لم يسمهم "بن بركة") أنه لتمكين الأمير "الحسن" من تنفيذ تعهداته فإنه من الوارد إبلاغ السلطان باستحسان تعيين ابنه الأكبر ولياً لعهده وقائداً عاماً لقواته المسلحة - لكن "الحسن" رفض وضع شروط لصالحه على والده السلطان - وطلب أن يترك له ضمان تنفيذ الاتفاق على مسؤولية·
وهنا يقول "المهدي بين بركة" وكنا معاً في حديث طويل ات يوم جمعة من ديسمبر سنة 1961 في بيت صغير وسط ريف مصر···
"لاحظ عدة أشياء:
- إن محمد الخامس عاد إلى عرشه في الغرب بعد مفاوضات مُعقدة بأكثر مما كنا نعرف، وكان ذلك في نوفمبر سنة 1955 (وسط توتر شديد في الشرق الأوسط)·
- إن فرنسا قبلت الوساطات في شأن عودة محمد الخامس في وقت تزايد فيه تأييد مصر للثورة الجزائرية (وتزايد فيه أيضاً استعداد فرنسا للتعاون مع إسرائيل في عملية ضد مصر تصرفها عن دعم الثورة الجزائرية)·
- وأن الاتفاق تم بسرعة على إعادة السلطان لعرشه في أعقاب صفقة الأسلحة المصرية مع الاتحاد السوفييتي عن طريق تشيكوسلوفاكيا في سبتمبر سنة 1955 (وذلك أدخل إسرائيل مباشرة على الخط)·
- وأن الحسن أصبح ولي عهد المملكة رسمياً بإعلان صدر في أبريل سنة 1956، ولحق بالإعلان مرسوم وقعه محمد الخامس بتعيين ولي عهده قائداً عاماً للقوات المسلحة الملكية المغربية (والشرق الأوسط داخل إلى أجواء أزمة وعلى وشك أن يسمع قرار الحكومة الأمريكية بسحب عرضها بالمساعدة في تمويل السد العالي، ومعه وعد بريطانيا ووعد البنك الدولي أيضاً)"·
والشاهد أن "المهدي بن بركة" ذهب إلى أبعد من ذلك في اتهاماته للملك "الحسن ووصل إلى حد القول بأن الأمير "الحسن" أشرف على "موت" أبيه! ودليله على ذلك أن الملك "محمد الخامس" مات أثناء جراحة بسيطة لاستئصال اللوز، جرت في غرفة غير معقمة في القصر الملكي، ولم يقم بها أخصائي معروف، ولم تكن بالقرب من الغرفة التي جرت فيها العملية استعدادات لحالة طوارئ، ولثلاثة أيام قبلها لم يسمح لزائر حتى من الأسرة أن يرى الملك، وفي غرفة العمليات لفظ الرجل آخر أنفاسه ولم يتمكن أحد من إسعافه·
ويقول "المهدي بن بركة" مصراً: "الفرنسيون يعرفون كل الحقائق وهذا أكثر ما يزعج الحسن من ديجول· الحسن عاشق للحياة في باريس لكنه يكره "الإليزيه" (قصر الرئاسة) ــــ لأنه يعرف "أنهم هناك" يعرفون "كل شيء""·
وأتذكر أنني أبديت شكاً في إمكانية تصديق "المهدي" (رحمه الله) ــــ وقد انفعل لما أحسه وقال:
"أنا أعرفه أكثر منك· كان تلميذي لسنوات وكنت أدرس له الرياضة، لكنه كان مهتماً أكثر بقراءة وحفظ كتاب "الأمير" (كتاب "ماكيافيللي" الشهير)·
في استراحة بين الدروس قال لي مرة: "ما كيافيللي له حق في أن الأمير يجب أن يكون له دهاء ثعلب (يتجنب به كل الشراك) وبطش أسد (يفترس به كل الذئاب)"·
في ذلك اللقاء (القاهرة - 1964) مع الملك "الحسن"، وهو شبه معاتب على أنني تعرفت إلى "المهدي بن بركة" واستمعت إليه، مع احتمال أنني صدقته - لم أشر إلى شيء مما قاله "بن بركة"، لكني أعترف الآن أن بعضه على الأقل كان يحوم في خواطري وأنا أستمع إليه، وقد وجه حديثه - بعد "بن بركة" - إلى أزمة تحويل مياه الأردن التي قد وصلت بالتوتر إلى حافة الهاوية أيامها بين سوريا وإسرائيل·
* الكتب وجهات نظر - العدد العاشر نوفمبر 1999