كشفت الشرطة الإيطالية أن المافيا الصقليّة زعزعت أسواق الأسهم العالمية عندما غسلت مئات ملايين الدولارات في عمليات غير ملحوظة عبر شبكة الإنترنت·
وفي استغلال غير قانوني للتجارة الإلكترونية، ضخت المافيا مبالغ كبيرة في السايبر سبيس لتظهر بصورة أسهم وحصص في الشركات، وكان ارتفاع أسعار الأسهم وحتى العملة الأوروبية الموحدة عائدين إلى براعة المافيا في التجارة والأعمال المصرفية الإلكترونية·
واستنادا إلى تقرير مرفوع إلى الحكومة الإيطالية تسربت محتوياته إلى الصحافة، استطاعت عصابات في بلدان أخرى أن تخدع المحققين بانضمامها إلى دوائر إجرامية وليدة ابتكرت تقنيات لاستغلال حرية الإنترنت·
وقد وضع المحققون في باليرمو "صقلية" أياديهم على عملية غش قيمتها 330 مليون جنيه استرليني يعتقد أنها جزء من دورة عالمية لغسل الأموال القذرة وجعلها أموالا شرعية، استنادا إلى التقرير الذي نشرته صحيفة "ميلانو فينانزا"·
وهذه الأموال تم تحويلها بين شركة أمريكية مقيمة في نيوزيلندا وجزر كايمان وحسابات في اسرائيل وأسبانيا· ثم أودعت في سويسرا ونقلت بالأيدي إلى بنوك رومانيا والصين وكرواتيا وروسيا وليبيريا، وقال المدعي العام في باليرمو بيترو غراسو إن السلطات تقف مكتوفة الأيدي عاجزة عن كسر هذه التكتيكات إلا إذا استطاعت توسيع صلاحياتها· وأضاف "التحقيقات أظهرت وجود أسواق مالية غير خاضعة للسيطرة أو الحدود مفتوحة لكل من يحوز القدرة المالية حتى يتاجر لأي سبب بالأسهم والأموال"·
وقد وافق الخبراء في قضايا المافيا أن التكنولوجيا الجديدة تساعد العصابات في ملء خزائنها وفي تفادي المخاطر· وقال البروفيسور ماريو سنتورينو من جامعة مسينا في صقلية إن "الإنترنت سلاح قوي، فهي تزيل الحاجة إلى الوسيط، وليس هناك أي حاجة للعثور على المصرفيين الفاسدين"·
وقال أماتو لامبرتي من "مرصد كامورا" إن عصابات المافيا الأخرى في الأراضي الإيطالية الأم تتعلم بسرعة، وإن مهماتها صارت أسهل لأن هناك وسائل تجعلها خفية·
وقال الضابط السابق المختص في مكافحة غسل الأموال في "سكوتلانديارد" روان بوثورت - ديفيس إن بريطانيا كانت قطبا جاذبا في السابق للأموال الإجرامية وموقعا أساسيا لغسل الأموال· وأضاف: "المشكلة في الأموال الكبيرة الآتية إلى النظم المالية أنها تؤدي إلى زعزعة الأسواق المالية"·
وأوضح بوثورت - ديفيس الذي يرأس الآن قسم مكافحة الغش في شركة "Unisys" العملاقة للكمبيوتر أن جنوب أوروبا كان منطقة خصبة تصدر منها أموال العصابات·
وفي تكراره لتحذير أصدره للمرة الأولى في مؤتمر لمكافحة الغش انعقد في لشبونة عام 1997 قال الضابط البريطاني السابق إن تقلبات العملة الأوروبية الموحدة كانت عائدة جزئيا إلى ضخ كميات كبيرة من أموال العصابات والأموال المهربة من الضرائب في البورصات الأوروبية· وقال: "أنا شبه متأكد من أن الصعوبات التي واجهتها اليورو لم تكن عائدة كلها إلى منافسة العملات الأخرى"· وأضاف أن العصابات أخذت تسارع منذ إعلان العملة الموحدة في يناير الماضي إلى استبدال النقود الورقية التي تحوزها، وأن البنوك المقيمة في أوروبا كانت ترحب بغباء تلبية طلبات المستثمرين الجدد في الانتقال إلى اليورو وهي لم تكن تطرح كثيرا من الأسئلة عن مصادر الأموال·
وقد أدت التجارة عبر الإنترنت بالتعامل بالعملات والأسهم والسلع والأوراق المالية، إلى إضافة بعد جديد لمشكلة الأموال القذرة، والمؤسسات البريطانية التي تلهث وراء اللحاق بالشركات الأمريكية العاملة بالتجارة الالكترونية أطلقت عروضا عبر الإنترنت وأقامت صلات عالمية·
من الناحية الرسمية يتوجب على الشركات أن تطبق سياسة "اعرف زبونك" لكن استطلاعا أجرته شركة "Unisys" أظهر أن الشركات البريطانية لم تطبق هذا المعيار في التجارة الإلكترونية ـ وهذا ما يصعب معرفة المالكين الحقيقيين لهذا الشيء أو ذاك واستنادا إلى الأستاذ أيان انجل من "لندن سكول أوف ايكونوميكس" يتجه الموقف إلى صعوبة أكبر مع عمليات الدفع الإلكترونية، وقال: العملة غير الملموسة "الرمزية" هي أفضل ما يظهر في السيولة، فهي تساعد في التملص من رقابة السياسيين"·
وقالت وزارة المال البريطانية إن لندن تطبق أصعب القوانين في ما يخص غسل الأموال في العالم وإن جميع الناس والمؤسسات يتوجب عليهم أن يوضحوا تفاصيل التحويلات المشكوك فيها سواء كانت أموالا نقدية أو أسهما أو استثمارات أخرى بما في ذلك الانتيكا والسيارات·
"الغارديان"