رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 رمضان-11 شوال 1410هـ - 5-18يناير2000
العدد 1410

الهندسة الوراثية تكافح الجفاف والنقص الغذائي

تزداد ندرة المياه باضطراد، فالمخزونات الجوفية تستنفد بأعلى من سرعة تعبئتها بقدر يجعل ضخ الآبار يهدد إنتاج الغذاء، ومستويات المياه الجوفية تنخفض 700 مليمتر كل سنة في باكستان· وبحلول السنة 2050 سيكون هناك أربعة مليارات شخص يعيشون في بلدان تعاني مشكلات مياه·

وإذا لم يستطع البشر إنتاج مزيد من المياه، فهل يستطيعون إنتاج محاصيل أشد مقاومة للجفاف؟ والبروفسور جوليان شرودر من جامعة كاليفورنيا يبحث في هذه الإمكانية·

تحتوي النباتات مسامَّ مجهرية على سطوح أوراقها تسمح لها بالتنفس وامتصاص ثاني أوكسيد الكربون وضخ الأوكسجين إلى الجو بواسطة التحليل الضوئي· وهذه المسام تسمح بتبخير الماء منها، وهناك أزواج خاصة من الخلايا الواقية تضبط فتحات هذه المسام حتى تمنع الذبول وتضبط أيضاً التوازن بين أقصى امتصاص لثاني أوكسيد الكربون وأدنى تبخر للمياه·

عندما يندر وجود المياه، يطلق حمض الهرمون الأبسيسي النباتي شلالاً من الكيميائيات التي تقفل المسام وتخفض تبخر المياه· وفي المؤتمر الأخير للتكنولوجيا الحيوية الزراعية في لندن، صرح شرودر أن فريقه تعرف على جينات محددة تستجيب هذا الهرمون· فحركة الأمونات، والجزئيات الصغيرة المشحونة تؤثر عند عبورها جيئة وذهاباً الأقنية الكائنة في أغشية الخلايا الواقعية في مقدار المياه داخل الخلايا فتجعلها تتضخم أو تتقلص· وهذا الحمض الهرموني ينشط الأقنية الأيونية في الأغشية فيؤدي إلى إغلاق المسام·

وهذه الجينة "ERAl" تنتج بروتيناً يعمل بصفته كابحاً يدوياً داخل الممر المؤدي إلى إغلاق المسام· والنباتات المتحولة التي تنقصها هذه الجينة تكون شديدة الحساسية لحمض الهرمون الأبسيسي لذلك تغلق مسامها بسرعة أكبر· وقد رويت النباتات المتحولة وراثياً والنباتات الطبيعية لمدة 21 يوماً ثم تركت 12 يوماً بلا مياه·

وسرعان ما ذبلت النباتات الطبيعية· غير أن النباتات التي تنقصها هذه الجينة بقيت خضراء ونضرة وذات أوراق غضة· وانخفض معدل تدفق المياه من التربة عبر النباتات إلى الهواء لما كانت فتحات مسامها أضيق· وهكذا يؤدي الهندسة الوراثية للنباتات إلى آبار عميقة في كيفية استفادتها من المياه وفي رفع الإنتاجية في البيئة المضروبة بالجفاف·

ويخفض اجهاد التربة الإنتاجية الزراعية أيضاً· ففي التربة الحمضية، يوجد الألومنيوم، الذي يكون عادة ملتصقاً بقوة في رواسب معدنية، بصورة أيونات تسمم جذور النباتات فتؤدي إلى تعويق النمو وإنتاج الثمار· أما التهجين العادي للنباتات الحساسة بالنباتات المقاومة في هذه الظروف السامة فهو عملية طويلة· أما الهندسة الوراثية فتسمح بنقل "ردة فعل طبيعية على الاجهاد البيئي" إلى عدد كبير من النباتات بأفضل مما تفعل طرق التهجين التقليدية·

والتربة الحمضية تشكل نحو 40 في المئة من الأراضي القابلة للزراعة في العالم وهذه مشكلة كبيرة في وسط أمريكا وجنوبها فبعض النباتات يتحمل التربة الحمضية الغنية بالألمنيوم بإفراز أحماض عضوية مثل السيترات لإلصاق هذا المعدن برواسب معدنية أخرى في التربة خارج الجذور ومنعه من دخول الخلايا·

وقد طور الدكتور هيريرا - ايستريلا من إدارة الهندسة الوراثية في ايرابوتاتو (المكسيك) تبغا متحولاً جينياً يفرز بغزارة أحماضاً عضوية ويتحمل المستويات السامة الطبيعية للألومنيوم· وهذه النباتات تستطيع امتصاص الفوسفات بطاقة أعظم من تربة تحتوي كميات قليلة من هذه المواد المغذية· والآن يجري الباحثون تجارب على الأرز والذرة والبابايا·

وتقدم النباتات التي تفرز السيترات فوائد للبلدان النامية لأن الأراضي غير المناسبة للزراعة يمكن استعمالها لإنتاج محاصيل لا تحتاج كثيرا من المواد المغذية مثل الأسمدة الفوسفورية·

يضرب سوء التغذية نحو 800 مليون شخص في العالم وفيه يعتبر نقص الفيتامين "A" والحديد مصدر أعظم المخاوف: فنقص الحديد الغذائي يصيب نحو 24 في المئة من سكان العالم في حين يصيب فقر الدم (للسبب نفسه) 60 في المئة من نساء العالم· وهناك مئات ملايين الأطفال يعانون نقص الفيتامين "A" وهو السبب الأهم للعمى في البلدان النامية· وهؤلاء يواجهون خطر الإسهال وأمراض الجهاز التنفسي، وغالباً ما يكون مرض الحصبة قاتلاً لهم·

ويعاني سكان البلدان التي تعتمد الأرز مادة غذائية رئيسية نقص الفيتامين "A" والحديد لما كان الأرز لا يحتوي أصلاً غير معدل ضئيل من الحديد إنما يحتوي كميات كبيرة من مركبات تسمى الفايتات وهي تمنع امتصاص الحديد في الجسم·

يرأس البروفيسور أينغو بوتريكوس فريقاً في المعهد السويسري الفيدرالي للتكنولوجيا وضع نصب عينيه التصدي لهذه المشكلة العالمية بواسطة الهندسة الوراثية للأرز حتى يحتوي مستويات عالية من الفيتامين "A" والحديد· وقد أدخل الباحثون جينات من النرجس البري في الأرز حتى ينتج جزيئات يدعى B-Caro Fene وهذا الجزيء يحوله الجسم إلى فيتامين "A"· وهذا الأرز الذهبي اللوز ينهي مشكلة نقص الفيتامين "A" إذا تناول الإنسان منه 300 غرام في اليوم·

ويكون نقص الفيتامين "A" مصاحباً لتوافر الحديد في الغذاء، ولذلك قرر الباحثون تهجين نباتات الأرز المعدلة وراثياً مع بارز يحتوي جينات لإنتاج مستويات عالية من الحديد·

هذه الأبحاث تمولها أموال حكومية ومؤسسة روكفلر لا الصناعة· وعلاوة على ذلك، ستكون المواد متوافرة مجاناً للاستعمالات ذات الأغراض غير التجارية في البلدان النامية· وقد تحقق تعاون مع منتجي الأرز في البلدان الرئيسية المنتجة له في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية· والخطوة التالية هي تهجين هذه السلالات بعضها مع البعض الآخر حتى يحصل المزارعون على أفضل أنواع الأرز محلياً·

تنطوي المحاصيل ذات المحتوى الغذائي المحسن على مساهمة عظيمة في الصحة والازدهار للبلدان النامية·

إن عدد الناس الذين تستطيع الأرض أن تغذيهم يعتمد على عدة عوالم، لكننا لا نستطيع تغذية سكان اليوم بزراعة الأمس· والمحاصيل المهندسة وراثياً التي تتصف بميزات تلبي مقتضيات البيئة في ما يخص مقاومة الجفاف والملوحة والسموم المعدنية يمكنها أن تجعل الأراضي الهامشية صالحة للاستعمال الزراعي وأن تعزز الاقتصادات المحلية ومعنويات المزارعين·

ومعدل ازدياد الإنتاج الغذائي لا يمكنه مجاراة نمو السكان، والأراضي المتوافرة الآن للزراعة تتقلص مع تآكل التربة والجفاف· والزراعة تواجه خيارات صعبة وهي تكافح لامدادنا بما يكفي من غذاء متوازن ولا طعام بشر قد يبلغ عددهم 11 مليار نسمة في منتصف القرن المقبل·

الغارديان

طباعة  

أوروبا تستقل عن أمريكا عسكرياً وتبني وحدتها الدفاعية المشتركة
 
التجارة الإلكترونية: أفضل سلاح لعصابات المافيا وغسل الأموال