رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء21-27رمضان1420هـ -29ديسمبر1999-4يناير2000
العدد 1409

عالمية الأدب العربي الحديث

كتب: نزار فلوح:

لماذا نفتح اليوم ملف عالمية الأدب العربي الحديث؟ ما مسوغات ذلك وما مناسبته؟ هل ارتقى الأدب العربي الحديث الى مصاف الآداب الأجنبية المتطورة التي توسم بالعالمية؟ وهل يمتلك العرب فهما دقيقا لعالمية الأدب؟ وهل أفضى ذلك الفهم الى تصورات عملية لما يمكن عمله من أجل إيصال الأدب العربي الحديث الى العالمية؟

هذه التساؤلات الحيوية المهمة وغيرها كانت موضع مناقشة وبحث في المحاضرة التي ألقاها الدكتور عبده عبود - أستاذ الأدب المقارن في جامعة البعث - أمام جمهور المركز الثقافي العربي في دمشق·· وحول دوافع إثارة موضوع عالمية الأدب العربي الحديث ومسوغاتها أوضح الأستاذ المحاضر أن هذه القضية مطروحة ومثارة فعلا على جدول أعمال النقد الأدبي العربي ولا سيما الصحافي منه منذ وقت طويل حين كان الرأي العام الأدبي العربي ينتقد تأخر منح جائزة نوبل لأديب عربي، فقد رشحت الصحافة الثقافية العربية أسماء كثيرة لنيل هذه الجائزة من أمثال توفيق الحكيم وطه حسين وميخائيل نعيمة، وعندما حصل الأديب العربي نجيب محفوظ على "نوبل" عام (1988) عُدّ ذلك أول اعتراف بعالمية الأدب العربي الحديث، رغم الموقف الخلافي من هذه الجائزة، وما يثار حولها من انتقادات في الأوساط الثقافية العربية··· يضاف الى ذلك عدة مناسبات تكريمية عالمية حظي بها أدباء عرب في محافل دولية كتكريم الشاعر محمود درويش والروائي المغربي الطاهر بن جلون في فرنسا··

إذن، ثمة تعطش عربي شديد الى الحصول على اعتراف عالمي برقي الأدبي العربي الحديث وتطوره وهذا أمر مفهوم بالنسبة لأمة لها تاريخ طويل من الاعتداد بأدبها ولغتها·· فتحقيق العالمية يصبح هنا مسألة "إثبات وجود" على المستوى الخارجي، وربما يفسر هذا اهتمام الصحافة العربية المستمر بترجمات الأعمال الأدبية العربية الى اللغات الأجنبية، ويبدو الحديث عن العالمية هنا بوصفها عقدة نقص عربية أكثر مما هي مشروع ارتقاء وتجاوز ومثاقفة·

وبخصوص مفهوم العالمية عرض الدكتور عبود عدة تعريفات وتصورات لهذا المفهوم عمل على بلورتها وتحديدها نخبة من الباحثين في حقل الأدب المقارن الذي يبحث في الظواهر الأدبية التي تتجاوز الحدود اللغوية والثقافية للآداب القومية، فالدكتور محمد غنيمي هلال منطلقا من نظرية التأثر والتأثير التقليدية - عَرّف عالمية الأدب بأنها: "خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها الى أدب لغة أو لغات أخرى، إما للتأثير في الآداب الأخرى، وإما نشدانا لما يغني ويكمل ويساير الركب العالمي···"ويرسم د· هلال صورة شديدة الانسجام لعلاقة الأدب العربي الحديث بالآداب الأخرى، إنها "صورة بناء شامخ يشكل الأدب العربي الحديث إحدى لبناته"، وهذه العلاقة كما يرى المحاضر مثالية "خالية من التناقض وهو أمر يدعو الى الارتياب، فالعلاقات الأدبية الدولية لا تخلو من التناقض والصراع، لأنها علاقات بين أطراف غير متكافئة···"·

يربط بعضهم ومنهم الدكتور فؤاد مرعي بين درجة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع وبين قدرته على بلوغ العالمية في الإبداع الأدبي، فالمجتمع المتخلف اقتصاديا واجتماعيا ينتج بالضرورة أدبا متخلفا، وارتقاء الأدب العربي الى العالمية مرهون بتطور المجتمع العربي، لكن هذه الحتمية برأي المحاضر ليست صحيحة دوما، بدليل وجود آداب عالمية معاصرة ينتمي مبدعوها الى مجتمعات ما تزال مصنفة ضمن دائرة البلدان الفقيرة المتخلفة "ماركيز وأدب أمريكا اللاتينية"· فهل يصح أن نستخلص أن أدبنا العربي الحديث محكوم عليه بالارتكاس في موازاة الارتكاس المجتمعي العربي؟ يطرح د· عبود السؤال لينفيه "فالمقولات التي تربط تطور الأب بتطور المجتمع ربطا ميكانيكيا لم تعد مقبولة، لأن الواقع الأدبي حافل بالأمثلة التي تدحضها"·

يُعرّف الدكتور حسام الخطيب عالمية الأدب - وهو أحد أبرز المهتمين بها - بأنها: "ارتقاء أدب ما، كليا أو جزئيا، الى مستوى الاعتراف العالمي بعظمته وفائدته، خارج حدود لغته أو منطقته، والإقبال على ترجمته وتعرفه ودراسته، بحيث يصبح عاملا فاعلا في تشكيل المناخ الأدبي العالمي لمرحلة من المراحل، أو على مدى العصور···"، وهذا التعريف جامع في رأي المحاضر لأنه ينطوي على كل العناصر التي تصنع عالمية الأدب من ارتقاء، واعتراف عالمي وترجمة ودراسة، وتأثير في الوضع الأدبي العالمي، إلا أن هذه العالمية لن تتحقق لأي أدب جيد بصورة تلقائية، بل بعد أن يمر عبر مراكز البث والتصنيع العالمية الكبرى "عواصم الثقافة العالمية"، وبعد توافر الأسباب التقنية، ووسائل الاتصال الثقافي اللازمة لبلوغ ساحة العالمية من خلال الترجمة الى جانب بعض الأقنية النوعية "كالصحافة الثقافية، والجوائز الوطنية والإقليمية ووسائل الاتصال الثقافي المختلفة····"· ويستخلص المحاضر أن للعالمية في رأي د· الخطيب مقومين هما: جودة الأعمال الأدبية فنيا وفكريا، وتوسيطها ترجمة ونشرا ونقدا، فهل يمتلك الأدب العربي الحديث هذين المقومين؟!···

بعد أن استعرض د· عبود ما كتبه النقاد العرب حول مسألة عالمية الأدب العربي الحديث انتهى الى الاستنتاجات التالية:

1 - عدم وجود مفهوم واضح وموحد لعالمية الأدب في أذهان النقاد العرب، فهناك اختلاف في أبعاد التصور النظري لمفهوم العالمية من ناقد الى آخر، وهذا الاختلاف ينطوي على كثير من البلبلة والفوضى النظرية، مما يؤثر سلبا في تطور موضوع عالمية الأدب العربي الحديث·

2 - الافتقار الى وجود أبحاث تطبيقية أو ميدانية تقدم مؤشرات الى ما وصل إليه الأدب العربي الحديث في مضمار العالمية، وذلك لعدم وجود معيار تحدد عالمية الأدب في ضوئه، فالمفهوم أصلا ما يزال الالتباس والاختلاط يشوبانه·

3 - ضعف التصور حول الوسائل والسبل التي ينبغي اتباعها لتمكين الأدب العربي الحديث من أن يتبوأ مكانا لائقا في الساحة الأدبية العالمية·

ولعل هذه الاستنتاجات التي لا يبدو أي منها في صالح عالمية الأدب العربي تعيدنا الى نقطة البداية، داعية الى ضرورة وضع تصور متماسك ومتكامل وموحد لعالمية الأدب العربي الحديث وفق أساس نظري يعتمد نظرية التلقي الأدبي التي تستوعب الأبعاد الثلاثة للعمل الأدبي: البعد الإنتاجي، والبعد التوسيطي، والبعد الاستقبالي، وهذه الأبعاد الثلاثة تتطلب لتحقيقها جهودا إضافية جادة تقوم على دراسة ما تلقاه الأدب العربي الحديث من مؤثرات أجنبية، وما أعطى الآداب الأجنبية من مؤثرات، إضافة الى دراسة الجوانب المتعلقة بترجمة الأدب العربي الحديث الى اللغات الأجنبية، وكيفية استقباله كميا ونوعيا···

يخلص د· عبود الى أن تقديم إجابة دقيقة حول عالمية الأدب العربي وكيفية تحقيقها هو ضرورة ثقافية عربية كبرى، فهل ننجح في أن نضمن لأدبنا الحديث مكانا مناسبا في هذا العالم المعولم؟!

طباعة  

أفق
 
التنميط الجنسي في المجتمع وفي أدب الأطفال
الانحياز ضد المرأة تاريخي..والجنسانية والعنصرية توأمان

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في محاضرته "التصوف نظرية وتطبيقاً" برابطة الأدباء
خالد سعود الزيد لم يقل شيئاً ولكنه ألمح إلى أشياء كثيرة

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس