· لم يتحدث عن التصوف ولكنه عبر عن فكرته من منظور صوفي
· المهدي موجود في كل نفس بشرية، والوحي هبط بـ "اقرأ"·
كتب المحرر الثقافي:
ألقى الأديب والباحث خالد سعود الزيد محاضرة في رابطة الأدباء بعنوان "التصوف نظرية وتطبيقا" الأربعاء الماضي، وقد حضر هذه الأمسية جمهور كبير من المثقفين· وقدم للمحاضرة الأمين العام لرابطة الأدباء عبدالله خلف بكلمة قال فيها إن التصوف الإسلامي تجربة من أخصب التجارب النفسية والوجدانية التي أمدت أدبنا العربي، شعره ونثره، بمادة خصبة، وأغنت جوانبه بذلك اللون الممتع الذي يشرق بصفاء النفس الإنسانية، حينما تحطم أغلال الجسد، وتتحرر من عبودية المادة، وتتسامى الى عالمها الأمثل الذي يشرق بنور الحق والطهر والجمال··· وفي تعريفه المحاضر قال إن خالد سعود الزيد ظاهرة أدبية متقدمة في مكتبتنا الأدبية، ومرجعية للبحث العلمي والأدبي، ورمز وطني نفتخر به· وسرد بعد ذلك قائمة أعمال خالد سعود الزيد الأدبية والنقدية·
عين البصيرة
أما الأديب خالد سعود الزيد فقد قرأ مادة محاضرته مفتتحا إياها ببيت شعري للشريف الرضي، يجعل القلب نافذة للإطلالة على الوجود، إنها عين البصيرة التي يرى بها الصوفي الأشياء· وانطلق من بحث بني إسرائيل عن دين أبيها "إبراهيم" وقد تهدم معناه، تبحث عن الحقيقة بعد أن فرطت في هذه الحنيفية السمحاء، ثم جاءهم موسى عليه السلام غير أنهم خذلوه، وقامت فرقة منهم، وهم الأسينيون، بمتابعة البحث عن هذه الحقيقة وجاءهم عيسى عليه السلام ولكن لم يلبثوا أن حوروا دينه وقال إن المسلمين ينتظرون يسوع كما ينتظره أصحابه·
ومر الزيد بقصة أبرهة الحبشي وبحث قلة من العرب عن دين أبيها إبراهيم الذي بقي منه رمز يدل عليه، البيت العتيق، وبرز منهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه·
وجاء محمد وبعث بالحنيفية دين أبيه إبراهيم، وانتشر الإسلام في الأرض ولكن الناس اختلفوا فيما بينهم وتقاتلوا، وكما قال المعرى:
جلوا صارما وتلوا باطلا
فقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم
وتلفتت قلة من الناس وصاروا يبحثون عن الحقيقة، عن الحنيفية دين محمد، لقد وجدوها بزهدهم في هذه الدنيا·
تيار الزهد
وكانت صرخة الحسن البصري إيذانا بهذه الطائفة من الناس حين قال: لقد ادخروا المال خوفا من نكبات الزمان، وجور السلطان، وما علموا بأن سلطان رب الأرباب أكبر· ثم تشكل للزهد تيار ومنهج في القرن الثاني الهجري، وتميزت فيه جماعات وطرائق، وبعد القرنين السابع والثامن الهجريين صار التصوف شكلا لا مضمونا·
هبط الوحي بـ "اقرأ"
واستشهد الزيد بابن عربي حول انتظار الناس خروج المهدي في آخر الزمان ووعدهم على اتباعه، وقال: لقد جاءتهم البينة فلم يتبيونها، لقد ظنوها شخصا يستطيعون قتله والتخلص منه، لكن هذه البينة جاءت اليوم فكرا، إن عيسى يمثل الروح، وإن المهدي موجود في كل نفس بشرية· وما في جبة الكون غير الله كما يقول المتصوفة، وهبط جبريل بكلمة "اقرأ"·
ورطة الجمهور
وفي الحقيقة، لم يشأ الباحث، على ما يبدو، أن يقدم تأريخا ولا توثيقا ولا تحليلا لظاهرة التصوف وأسئلته وقضاياها، وهي كثيرة جدا، مما جعله يبتعد عن عنوان المحاضرة ابتعادا شديدا، غير أنه أراد إيصال رسالة معرفية، فيها الكثير من التلميح أكثر مما فيها من التصريح، وهو ما فاجأ الحضور، إذ إن معظمهم غادر الأمسية متسائلا عن هذه "الورطة" التي وقع فيها· والحق أن الزيد لم يقدم شيئا عن التصوف، ولكنه تحدث عن فكرته من منظور صوفي، ولعل في تتبعه لخيط الحقيقة "الحنيفية" منذ إبراهيم وحتى الآن إشارة الى أن الناس غالبا ما يطمسون هذه الحقيقة بالحجب والزيف والمظاهر، أما كنه الحقيقة فهو معرفي كشفي ولا تقوى العصور على إطفاء نورها···· لم يقل الزيد شيئا، ولكنه ألمح الى أشياء كثيرة وكبيرة!