رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء21-27رمضان1420هـ -29ديسمبر1999-4يناير2000
العدد 1409

الغلو في الدين

التعصب للجماعة وجعلها مصدراً للحق

 

إن اجتماع طائفة من المسلمين تتعاون وتتآزر في الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعد أكبر عون لتحقيق الأهداف من دلالة الناس إلى الخير، وتبيين طريق الرشد لهم، إلى غير ذلك·· كما يساعد هذا الاجتماع على تحقيق القوة والمتعة للطائفة الداعية إلى الله عز وجل·

وهذا ما قد فقهه رسل الله عليهم الصلاة والسلام فها هو موسى عليه السلام يسأل ربه - بعد أن كلفه بتبليغ الرسالة - النصير والمؤازر: "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري  وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا"·

ولوط عليه السلام أدرك أهمية الجماعة للداعية إلى الله في نصرته، ومؤازرته، والدفاع عنه، فيتمنى لما تسلط عليه أعداء دعوته أن له فئة ينصرونه فيقول "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد"·

وكذلك عيسى عليه السلام يبحث عن أنصار من البشر، يكونون عونا له على تحقيق أهداف دعوته، فيقول للحواريين "من أنصاري إلى الله" وما هجرة محمد "صلى الله عليه وسلم" إلى المدينة إلا بحثا عن الأنصار، الذين يؤيدون هذا الدين وأهله ويكونون عونا على نشره ودعوة الناس إليه·

ولكن هذا الاجتماع ليس إلا وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، فينظر في حال الطائفة المجتمعة "فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أو الباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله" ولا يجوز التعصب على مقتضى اسم هذه الطائفة أو تلك والانتساب إليها انتسابا مفضيا إلى المعصية، ذلك أن الانتساب يختلف حكمه فمنه:

1 - انتساب حسن محمود، كانتساب بعض الصحابة إلى المهاجرين أو الأنصار أو القراء ونحوهم·

2 - انتساب مباح كانتساب الرجل إلى قبيلة أو بلد·

3 - انتساب مكروه أو محرم، وهو ما يفضي إلى بدعة أو معصية ومع أن الانتساب إلى المهاجرين والأنصار حسن محمود فإن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنكر على من انتسب إلى هاتين الطائفتين تعصبا وتحزبا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فخرج رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "ما هذا؟ أدعوى الجاهلية؟" قالوا: لا يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، فقال: "لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره" قال شيخ الإسلام: لما دعا كل منهما طائفته منتصرا بها، أنكر النبي "صلى الله عليه وسلم" ذلك وسماها "دعوى الجاهلية" حتى قيل له:"إن الداعي بهما إنما هم غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر يمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبين النبي "صلى الله عليه وسلم" أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل الجاهلية، فأما نصرها من غير عدوان: فحسن واجب أو مستحب" وقال:"فإذا كان هذا التداعي في هذه الأسماء" وهذا الانتساب الذي يحبه الله ورسوله فكيف بالتعصب مطلقا والتداعي للنسب والإضافات التي هي مباحة أو مكروهة"·

ومما ورد في التحذير من التعصب، ما رواه أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه قال:"من قاتل تحت راية عمية يغضب تعبية، أو يدعو إلى عصبية أو ينصر فقتل فقتلته جاهلية"·

وعن جبير بن مطعم أن رسول الله"صلى الله عليه وسلم" قال:"ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية" وقد يكون مستند المتعصب لطائفة اعتقاده أنها على الحق، وهذا الاعتقاد ليس باعتقاد سائغ شرعا، إذ مناط الحق الكتاب والسنة وليست الفرقة المعينة ومن جعل الحق مع طائفته مطلقا فهو من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، وأصبح من الذين وصفهم الله عزو وجل بأنهم "كل حزب بما لديهم فرحون" فكل حزب بمن فرقوا دينهم فرح بما يظن نفسه عليه من الحق، والحق ليس إلا في الكتاب والسنة· يقول شيخ الإسلام واصفا هذه الحالة المرضية في عصره: "تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة أو المتعبدة لايراهم شيئا، ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئا بل يرى أن المتمسك بها منقطع عن الله، وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا وإنما الصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل" والأقوال إذا نسبت لشخص أو لطائفة، والطوائف نفسها إذا نسبت إلى متبعوها فإنما يكون ذلك على سبيل التعريف والبيان ويجب أن لا يقع بسبب ذلك مدح ولا ذم ولا موالاة ولا معاداة، فإنه إنما يقع ذلك على الأسماء المذكورة في القرآن الكريم كالمسلم والكافر والمؤمن المنافق والبر والفاجر والصادق والكاذب، والمصلح والمفسد، وأمثال ذلك، وأما امتحان الناس بأسماء طوائف معينة، والتفريق بين الأمة بما لم يأمر به الله ورسوله، والموالاة والمعاداة على أساس هذه الأسماء بالظن والهوى فهو مما برأ الله عز وجل منه رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وهذا التفريق الذي حصل في الأمة: علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، فمتى ما ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب"·

وفي الحياة المعاصرة مظاهر من هذا التعصب والتحزب فكل يدعي أن طائفته هم الذين على حق وأن من سواهم على الباطل يقول أحد قياديي جماعة شكري:"نحن جماعة الحق، ومن عدانا فليس بمسلم"·

كما أن هذا التعصب ملاحظ من الممارسة العملية المشاهدة لمسلمين غير قليلين والمكتبة الإسلامية زاخرة بكثير من الردود التي يبدو من  غلافها نصرة الرجل لطائفته ورده على غيرها من الطوائف والجماعات·

 

مصدر الحق

 

لما تبين أن الجماعة الخاصة ليست إلا وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله عز  وجل، فإنه لا يجوز للمسلم أن يكون طريقه لقبول الحق ما جاءت به الطائفة التي ينتمي إليها فإن مما ابتلي به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين أو الدعوة، من المتفقهة أو المتصوفة، أو الدعاة أو المنتمين إلى معظّم عندهم في الدين - غير النبي "صلى الله عليه وسلم" - أنهم لا يقبلون من الدين إلا ما جاءت به طائفتهم وهذا يخالف ما جاء به الدين أصلا، فإن من أصول التوحيد: الإيمان بما جاء به رسولنا محمد "صلى الله عليه وسلم" مما أنزله الله وطاعته ومحبته وتوقيره والتسليم لحكمه، يقول الله عز وجل:"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون"· ويقول "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون" ويقول:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا"·

ومع وجوب طاعة الأنبياء فإن من مقتضيات التوحيد عدم اتخاذ هؤلاء النبيين أربابا من دون الله: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون والكتاب وبما كنتم تدرسون"·

فالملائكة، والنبيون، بل والصالحون والمعظمون في الدين يستحقون المحبة والولاء ، والتكريم والثناء مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم فالإسلام أوجب اتباع الحق مطلقا والعلماء إنمايتبعون لأنهم مبلغون عن رسول "صلى الله عليه وسلم" المبلغ عن الله لا من جهة كونهم منتصبين للحكم مطلقا فالحق مصدره الكتاب والسنة، والعلماء باعتبارهم مبينين لحكم الله عز وجل، لا بالاعتبار المطلق·

ومن لم يقبل الحق إلا إذا جاءه من الطائفة التي ينتمي إليها فقد شابه اليهود الذين ذكر الله واقعهم بقوله:"وإذا قيل آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بماء وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم"·

بعد أن قال "وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"··

* الغلو في الدين - عبد الرحمن اللويحق

طباعة  

من الفقه الجعفري
 
من فقه الصيام "3"
 
أخطاء المصلين
 
مصارف الزكاة
 
اعداد: مظفر عبدالله فوزية أبل
 
من ذكرياتي
ماجدة الراشد تستذكر ليلة النصف من شعبان وأمسيات رمضان وأيام العيد وتقاليد الزواج في دولة الإمارات
"حق الليلة" يشبه "القرقيعان"·· والفارق أن الأول نحتفل به في ليلة نصف شعبان·· والثاني تحتفلون به في منتصف رمضان

 
هلا رمضان
 
فتاوى هاتفية