رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء21-27رمضان1420هـ -29ديسمبر1999-4يناير2000
العدد 1409

مجلة "تايم" اختارت مئة من أبرز رجال القرن
نجح في نيل الاستقلال وأخفق في وقف الصراع الطائفي
المهاتما غاندي: كيف تُسقط الأيادي العزلاء قوة الإمبراطوريات الاستعمارية؟

·         بعد خيبة أمله في الاستقبال البارد لفلسفة اللاعنف عام 1934، استقال غاندي من حزب المؤتمر وبعد إدانته الآثار السلبية للتصنيع، عزم غاندي على إطلاق "برنامج وطني بناء" لتشجيع الصناعات القروية مثل الغزل والنسيج وزيادة التعليم وتحسين الظروف الصحية وإزالة ثقافة التشرد وكان يغزل بانتظام على نوله اليدوي في الاجتماعات العامة ويرتدي الملابس المحيكة بالأيدي فقط·

·         عام 1894، وجد المهاتما غاندي قضيته عندما كان في الخامسة والعشرين، فعندما كان يعمل محاميا في مؤسسة هندية في دوربان "جنوب أفريقيا" ألقي خارج مقصورة للدرجة الأولى للقطار ومنعوه من حجز غرفة في فندق بسبب لونه وهذه التجربة كانت مرة لكن برغم تجاهله الأحداث الراهنة وهول التحدث علانية أطلق غاندي حملة على الأعمال التعسفية واقنع فرع حزب المؤتمر الهندي في ناتال بإطلاق حملة تعليمية وبالامتناع عن التعاون مع السلطات·

·         في عام 1914 غادر غاندي جنوب أفريقيا إلى الهند بعد 21 عاما من تنظيم أعمال العصيان المدني ضد التعسف بحق الهنود· وعلى ذلك علق رجل الدولة الجنوب أفريقي الجنرال يان سموتس قائلا: القديس غادر سواحلنا وأتمنى أن يكون ذلك إلى الأبد· "لكن حال عودته هاجم غاندي الذي يظهر في الصورة مع زوجته كاستوريا الحكم الاستعماري البريطاني·

     ونظم حملات مقاومة سلبية وساعد حزب المؤتمر في التحول من حزب للنخبة إلى حزب للجماهير يقوم على فلسفة اللاعنف غير المشروطة، وهذا ما جعله يحمل لقب "المهاتما" أو "الروح العظيمة"·

·         مقتل غاندي في 30 يناير من عام 1948 برصاص متطرف هندوسي كانت علامة على انتهاء حقبة· فبالنسبة إلى آلاف الناس الذين حضروا جنازته كما في هذه الصورة كانت المهمة الملحة هي المحافظة على الهند دولة حديثة علمانية·

·         في الستين من عمره، قاد غاندي إحدى أكبر التظاهرات في حياته: فقد قطع 240 ميلا إلى البحر من موطنه على نهر سابارماتي من أجل جمع الملح في تحدٍ لقانون الملح البريطاني، وهذه المسيرة التي بدأت بـ 79 مؤيدا اجتذبت مئات المؤيدين واطلقت موجة من النزعة الوطنية الهندية، ثم اعتقلت السلطات البريطانية غاندي و 60 ألفا من أتباعه عندما انتهت المسيرة بأعمال عنف لكن العصيان المدني ترك آثاره، فبعد سنة استدعي غاندي إلى لندن لإجراء محادثات بشأن وضع الهند باعتباره ممثلا وحيدا لحزب المؤتمر·

 

في عصر الامبراطوريات والجبروت العسكري، أثبت مهندس غاندي "1869 -1948" أن العزّل يمتلكون القوة وأن قوة السلاح لا تغلب قوة الروح أبداً·

يحتل المهاتما "الروح العظيمة" غاندي الجزء الأفضل في عقولنا حيث تقوم المثل العالية: فهو تجسيد لحقوق الإنسان وعقيدة اللاعنف، لكن مهندس كرمشاند غاندي هو شخصية معقدة غريبة الأطوار يصعب أن يعرفها معظمنا، ومن قبيل الموضة الآن في نهاية هذا القرن أن نعمد إلى استعمال الإنسان في تمزيق البطل وفي عرض الجوانب غير السوية على حساب الانجازات التي كانت أعظم من سنين العمر، وليس هناك أي تنقيب في الأساطير يمكن أن يسلب غاندي قوته المعنوية أو يقلل الأهمية البارزة لذلك الجسد النحيل·

بوعي أم من دون وعي كانت أي جماعة أو شعب ذي قضية يطبق ما يبشر به المهاتما غاندي فقد كان هناك ستون فتى وفتاة من أترابي أتباعا له عندما ذهبنا إلى الجنوب لقضاء " صيف الحرية" في الدعوة إلى الحقوق المدنية وعندما تظاهرنا في شوارع الولايات المتحدة لوقف الحرب في فيتنام، وكان التزامنا العاطفي المشحون ونشاطنا اللاعنفي ورغبتنا في قبول العقاب على تمردنا السلمي دورسا تعلمناها منه· وقد تعلمها مارتن لوثر كينغ: ومثله فعل نلسون مانديلا وليش فاليسا واونغ سان سوتشي "الزعيمة المعارضة في بورما" والصينيون المجهولون الذين تحدوا الدبابات عام 1989 ومسيرات البيئيين في سياتل قبل بضعة أسابيع·

ربما كان تعبير "أبو الأمة" الذي يطلقه الكثير من الهنود عليه يثير الكثير من التعقيد في بلاده، لا سيما لجهة ما إذا كان زعماؤها أوفياء لأفكارها، لكن هذا ما لا يتوجب على الأجانب، فالبنسبة إلى بقيتنا، تقدم شخصية غاندي مجموعة من المثل البسيطة غير المعقدة التي نحاكي اليوم، إنها حرية الفرد، الحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والمعارضة غير العنيفة، والمقاومة السلبية ، والتسامح الديني، وقد فتحت أعماله وروحه عقل القرن العشرين على أفكار صارت منارة أخلاقية في جميع الحقب·

 

التاريخ مجرداً من الخرافة

 

بعد نصف قرن على وفاة غاندي، لا يعرف معظمنا غير القليل عن تاريخ غاندي الحقيقي أو كيف استوطن المهاتما عقولنا، فقد مجدته مئات السير الذاتية غير النقدية، وسخر منه "رئيس الوزراء البريطاني الراحل" ونستون تشرشل باعتباره ذلك الفقير نصف العاري الذي يجيش العواطف، وقد عرفه أبناء جيله باعتباره محرضا سياسيا راديكاليا، في حين أن معاصرينا لا يرون فيه غير رجل قديس ذي أفكار رومانسية عن حياة طاهرة ترقى إلى ما قبل عصر الصناعة، وليس هناك أي منزلة وسطى بين المنزلتين، لكن القديس تجسد في السياسي وكان كل من الجانبين يغذي الآخر، وكان نضاله من أجل حقوق أمة يعادل نضاله من أجل الخلاص الفردي·

لم يكن غاندي بلحمه ودمه أي قديس ويكفي أن نمعن النظر في صورته التي لا يظهر فيها غير رجل نحيل انحنى ظهره واسمرت جمجمته وكان عاريا إلاّ من وشاح أبيض تغطي عينيه نظارتان تدليتا فوق أنفه ويده تمسك عصا من قصب الباقبو· فهل كان هذا الرجل واحدا من أعظم ثوريي القرن العشرين؟ وبرغم أن كلمته كانت تسحر ملايين الناس بنبرتها الصوفية، فقد كانت ملابسه أفضل زي للثوري الذي كانه، جامعا أسلحة الصلاة واللاعنف التي هي أعظم قوة من السلاح الناري·

يصعب أن يعيش الإنسان مع القديسيين وعادات غاندي كانت غريبة الأطوار· فأيام الاثنين كانت "أيام الصمت" حين كان يرفض التكلم، وباعتباره نباتيا في غذائه فقد غامر بتناول وجبات غريبة كادت تقتله مرارا·

 

قوة المثال

 

كان غاندي يستحم بالمياه لكن يستعمل الرماد بدلا من الصابون، ثم يحلق ذقنه بيده مستعملا شفرة غير محمية لأن الشفرات الجديدة كانت غالية في تلك الأيام، وكان ينظف بنفسه البراز الذي يتركه المحيطون به، فقد كانت النظافة في نظره شيئا ساميا·

لكن هوسه بالنظافة لم يكن مجرد هوى غريب، فقد حاول أن يعلم القرويين الهنود أن غائط البشر والحيوانات هي سبب معظم أوبئة الأرض· في كل مساء كان غاندي يقضي ساعة أو ساعتين في تشغيل نوله اليدوي الصغير ويقول "أنا أدير مصير الهند" وكان النسيج الحاصل يستعمل لإكساء أتباعه، لكنه  كان يضرب مثالا بذلك من أجل اقناع الهنود بأن الأنوال المنزلية تتيح الاستغناء عن المنتجات الأجنبية لكن الفكرة الأساسية وراء تشغيل النول هي تمجيد العمل اليدوي واستعادة احترام النفس التي فقدها الهنود بفعل العهد الاستعماري·

هذا الرجل لم يكن يعي مأثرته في تحوله موضوعا لـ 90 مجلدا أو أكثر كانت تلزم لتسجيل كلماته فكل ما كان غاندي يقول أو يفعل كان يسجله جيوش من السكرتيريين· وهناك مزيج غريب من المعتقدات كان يشكل قلب الدعوة الغاندية والتاريخ يضحك من تحريضه على نمط الحياة الغربي والرأسمالية والمتع المادية، فهو لم يكف عن الدعوة إلى أمة تدير ظهرها للتكنولوجيا حتى تحقق الازدهار من خلال الاكتفاء  الذاتي للريف، لكن المهاتما غاندي نفسه لم يستطع وقف التقدم، غير أن كثيرين يقامسمونه اليوم رفض التشويه الذي ألحقته المكننة المادية بالروح البشرية·

 

الانتصار للروح على حساب الجسد

 

ثمة قضية محورية وخلافية في أن سيرة غاندي الذاتية وهي عشقة للعزوبة، ففي الثالثة عشرة تزوج بقران مهيئاً سلفاً له وسرعان ما هام غراما بزوجته كاستوريا وفي السادسة عشرة ترك والده الذي كان يحتضر  حتى يمارس الجنس معها، وقد توفي والده في تلك الليلة فلم يغفر غاندي لنفسه قط ذلك "العار المزدوج"، بعد ذلك اخذ يهمل زوجته بل يهينها في معظم أيام حياته ولم يدرك إلا بعد مماته إنها كانت "كيانا حياتيا"· وعندما اقتنع في السادسة والثلاثين أن الجنس هو سبب جميع الرذائل وأن الإنسان يجب أن يسمو عليه تراجع عن ممارسته وباعتباره إنسانا يتطلع إلى حياة روحية خالصة كان يجب عليه أن يمارس "البراهما شاريا" أو البتولية باعتبار ذلك طريقة للسيطرة على النفس ولتكريس جميع الطاقات للخدمة العامة وقضى غاندي سنين وهو يختبر سيطرته على ذاته بأن ينام إلى جانب نساء شابات لم يبال حتما بأي ضرر نفسي يلحق بهن·

وهو كان يتوقع أن ينشأ أبناؤه الأربعة على انكار الذات مثله·

كان غاندي ينشد التقرب من الله لا التشدد الهندوسي ولذلك  كانت صلواته مزيدا من التراتيل الهندوسية والانشاد البوذي حتى أنه كان يقرأ القرآن الكريم وبعض الآيات من الانجيل، وكانت هذه الطريقة تعكس تسامحه الديني العظيم وهذا أعظم لكن أقل مفاهيمه احتراما من جانب الهنود فهو كان يقول إن الله حق لكنه لم يستطع اقناع الطوائف الهندية المتحاربة بقبول أفكاره·

وكان يستقي أفكاره من السيد المسيح عليه السلام ومن بوذا وسقراط وأمه، وهو قال في وقت لاحق أنه تأثر روحيا بميل طبع والدته نحو الطهارة·

عندما كان غاندي يدرس القانون في انكلترا حتى يغدو محاميا كان أول ما قرأ هو التوراة ثم "البها غافاد غيثا" أي الشعر الديني الهندوسي الذي صار "قاموسه الروحي" وكل ذلك يمثل في نظر غاندي دعوة للروح إلى أن تخوض معركة الحق، وقد علمته القراءات الدينية أن يتعالى فوق الرغبات الشخصية لا بالانسحاب من العالم المادي إنما بتكريس نفسه لخدمة مواطنيه وفي كتاب "العهد الجديد" وجد غاندي بذور المقاومة السلبية في كلام السيد المسيح عليه السلام أمام تلامذته على جيل الزيتون·

 

مبدأ المحبة واللاعنف

 

هذه العقائد تضافرت فاجتمعت في مبدأين حكما حياته العامة وهما "الساتيا غراها" أي قوة الحقيقة والحب ومثال "أهيسما" الهندوسي أي اللاعنف، وهو مارس هذين المبدأين أولا في جنوب أفريقيا حيث ذهب ليمارس المحاماة فذاق مرارة التمييز العنصري·

وعندما رفض ألقي من قطار فقضى ليلة صقيعية في إحدى المحطات، وفي اليوم التالي أهانه سائقو الحافلات، لكن هذه التجربة فولذت تصميمه على النضال من أجل العدالة الاجتماعية·

 

تجربة جنوب أفريقيا

 

عندما قررت حكومة جنوب أفريقيا أن تسجل بصمات جميع الهنود قرر غاندي مواجهتها بالمقاومة السلبية أي ضمان الحقوق السياسية بتحمل المعاناة الشخصية وبواسطة قوة الحقيقة والمحبة، وقال آنذاك إن الهنود يحركون الإنسانية من دون أن يريقوا نقطة دم واحدة وهو أخفق في احداث تغييرات سياسية والهنود لم يكسبوا أكثر من احترام أنفسهم لكن غاندي أدرك عندئذ أن هناك مجالا لتطبيق شامل لمعتقداته فحتى خصمه السياسي الجنوبي أفريقي الأبيض يان سموتس كتب أن "هذا الرجل أعاد إيقاظنا"·

كانت جنوب أفريقيا أشبه بتمرين لقضية غاندي العظيمة أي استقلال الهند ومن يوم عودته إليها وهو في الخامسة والأربعين قال إنه كرس نفسه لتحقيق الحكم الذاتي أي أكثر من الاستقلال ذلك أن الشعار كان يعني في نظره نوعا طوباويا من الحرية الوطنية والاعتماد على النفس والعدالة الاجتماعية، واذا كان كثيرون لم يتأثروا بمبدأيه عن الحقيقة والمحبة واللاعنف فإنهم اتبعوه لأنه جعل البريطانيين يرتجفون·

وهو قال ذات مرة "العمل هو مجالي، ما يهمني ليس ما أقول إنما ما أفعل، وسرعان ما صار زعيما غير منازع لحركة الاستقلال فلم يجرؤ أحد على منافسته وأدت قوة معتقداته إلى تحويل حزب "المؤتمر الوطني" من مجرد حزب للنخبة إلى حزب للجماهير ، وهو جعل من نوله المنزلي رابطة وصل بين النخبة وجماهير العامة الأمية، عندما ارتدى الجميع الوشاحات البيض وبرغم التاريخ الدموي للهند في الصراع الطائفي فقد نجح غاندي في تعبئة الجميع في التظاهرات السلمية التي تسخر من الامبراطورية البريطانية·

 

زعيم لا يستسلم

 

في السنوات  الـ 33 التالية قاد غاندي ثلاث حملات لزعزعة القوة العسكرية والمعنوية لحاكم الهند فمن عام 1919 إلى عام 1922   تزعم حركة اضربات غير عنفية واسعة النطاق ثم حملة سلمية لوقف التعاون مع المستعمرين داعيا الهنود إلى مقاطعة كل ما هو بريطاني مثل المدارس والمحاكم والبضائع وحتى اللغة الانكليزية· وهو كان يعتقد أن اللاتعاون سيحقق الاستقلال في غضون سنة· لكنه انتهى بدلا من ذلك بأعمال شغب دموية وجه فيها البريطانيون بنادقهم نحو المتظاهرين في أمريتسار فقتلوا 400 شخص· ووصف غاندي سوء تقديره للعنف الكامن في قلب المجتمع الهندي بأنه خطأ يعادل بحجمه جبال الهيمالايا· وبرغم ذلك، كان القرويون يتمسّحون به وينادونه بـ "المهاتما"· وبحلول عام 1922 دخل 30 ألفا من اتباعه السجون فأعلن غاندي العصيان المدني· وعندئذ أفقد البريطانيون حركته زخمها بإلقاء الزعيم نفسه في السجن·

لكن غاندي لم يكن قط ذلك الرجل الذي يستسلم ففي 12 مارس من عام 1930 وجه أبرع ضربة له الى الحكم البريطاني عندما تحدى قانونا يمنع الهنود من إنتاج الملح بأنفسهم، ثم توجه بنفسه الى الساحل لإنتاج الملح فاقتفى خطاه الهنود في جميع السواحل مصممين على العمل الى حين إلغاء القانون· وانتشر العصيان المدني الى حين اعتقال غاندي· وسرعان ما ألقى المستعمرون 60 ألفا من اتباعه في السجون فلحق العار ببريطانيا وهي تواجه رجلا أعزل واتباعا لا يقاومون· وبرغم أن غاندي لم ينتخب لأي منصب ولم يمثل أي حكومة، سرعان ما اضطر نائب الملك في الهند الى التفاوض معه·

 

امتحان الحرب الثانية

 

وجاءت الحرب العالمية الثانية حتى تأخذ المهاتما غاندي على حين غرة· وهو لم يصدق دعاية أدولف هتلر· لكنه استمطر غضب اليهود عندما نصحهم باتباع طريق اللاعنف· ولم يكن غاندي يريد هزيمة بريطانيا، لكنه وجد في الحرب فرصة سياسية· وفي أواخر العام 1940 وافق على تنظيم حملة متواضعة للعصيان المدني الفردي كان يريدها رمزية فحسب·

لكن زعماء سياسيين آخرين ضغطوا عليه من أجل توسيع النضال اللاعنفي ضد نائب الملك في الهند الذي كان موقعه مهددا بفعل خطر الاجتياح الياباني· وبعد تردد، ساند غاندي خطة "اتركوا الهند" داعيا لندن الى منح الهند استقلالها حتى "قبل الفجر إذا أمكن" وهكذا أوقفته السلطات مع زعماء حزب المؤتمر وسرعان ما تحولت تظاهرات عنيفة الى أعمال شغب وثورات· وهكذا هاجمت الجموع جميع رموز السلطة البريطانية وأدت الفوضى الى قطع اتصالات البريطانيين بجيوشهم على الجبهات· وردت الحكومة البريطانية على ذلك بقسوة فقتل نحو ألف هندي قبل إخماد العصيان· ثم أطلق سراح غاندي في الخامس من مايو من عام 1944· وهكذا قضى 2338 يوما من سنواته الـ 74 في السجون·

 

أخيرا: انتصار وهزيمة متلازمان

 

بحلول نهاية الحرب، كانت بريطانيا مستعدة للتخلي عن الهند، لكن لحظة الانتصار العظيم لغاندي في 15 أغسطس من عام 1947 كانت لحظة الهزيمة أيضا· فقد فازت الهند بالحرية لكن عندما منحها البريطانيون الاستقلال فقد خلقوا في اليوم نفسه دولة باكستان المسلمة· وهكذا تلقت عقيدته غير الطائفية ضربة عظيمة فعكف على الصيام والصلاة·

في السابعة والسبعين، أعلن غاندي قانطا أن مهمته في هذه الدنيا يبدو أنها انتهت· فهل الهند فازت بالحرية عبر سنوات طويلة من العصيان المدني والروحي أم عبر الأعمال العنيفة لحملة "اتركوا الهند"؟ ثم حل الحقد الطائفي مكان الاستياء من بريطانيا· وقد جعلته أعمال القتل الطائفي قبل التقسيم محتوما، فطغت المذابح على دعوات غاندي الى التسامح والثقة· ولم تستطع جميع الزيارات التي قام بها للقرى وقف المسلمين والهندوس عن تبادل سفك الدماء· ولم تستطع جميع جلسات صيامه أن تقنع الهنود بأن يعيشوا جنبا الى جنب بسلام وانسجام دائمين· وهو ألقى اللوم على نفسه عندما رفض الهنود طريق اللاعنف التي اتخذها نهجا لحياته·

وجعلت عملية الاغتيال من غاندي شهيد طريق اللاعنف فالهندوسي المتعصب الذي أطلق عليه ثلاث رصاصات من مسافة قصيرة جدا في 30 يناير من عام 1948 كان يلومه على تركه المسلمين يقتطعون جزءا مما يعتبره أمة هندوسية ولأنه "غاندي" لم يكره المسلمين· وكان غاندي قد كتب قبل فترة قصيرة من مقتله جملة يصف فيها مأساته عندما قال أن كل شخص يحب تعليق صورتي لكن أحدا لا يريد اتباع نصيحتي"·

وهو كان مخطئا ومصيبا في آن· فالاهتمام بغاندي اللحم والدم كان قد تلاشى· فرؤيته الرومانسية عن مجتمع بسيط تبدو محبوكة فكريا· لكن فلسفته الشخصية فقدت معانيها لدى الأجيال اللاحقة· والسياسات الدولية لا تفرد اليوم مجالا واسعا لنزعته السلمية المطلقة وتسامحه اللطيف·

برغم ذلك، يبقى غاندي رجلا عظيما نادرا اكتسب احتراما دوليا، وشخصية انتقلت من التاريخ حتى تصير رمزا· وما زالت الرسالة الجوهرية لشخصيته المتسامية باقية حتى اليوم· فقد أدى مفهومه عن اللاعنف الى تحرير أمة والى تسريع نهاية الحكم الاستعماري في كثير من مناطق العالم· وكانت مسيراته وجلسات صيامه تلهم المقموعين في كل مكان، ومثل ملايين الهنود الذين ساروا قرب نعشه يحاولون التبرك به على الطريقة الهندوسية، سعى ملايين الناس الى الحرية والعدالة تحت مشعله· وهو ما زال يشع الآن وكأنه ضمير العالم· وهكذا سار القديس والسياسي في شخصيته يدا بيد معلنين قوة المحبة والسلام والحرية·

طباعة  

مجلة "تايم" اختارت مئة من أبرز رجال القرن
أنشتاين نابغة الفيزياء والقرن العشرين وداعية السلام ومثال انسان في القرن الـ 21

 
في مؤتمر صحفي عقدته في واشنطن
أولبرايت: المحادثات السورية - الإسرائيلية "بالغة الجدية" و"بناءة"