يوم عربي لتأمّل التاريخ!
ركان الصفدي
(1)
سيمر اليوم الأول من عام 2000 كأي يوم عادي، بعد أن انشغلت البشرية بهذا الرقم الساحر، ولوعدنا إلى الوراء، إلى بضع عشرات من السنين، لوجدنا أن هذا اليوم كان يعني الكثير، فقد كان أشبه باليوم الذي لن نصل إليه· كان بعيدا جدا، وكانت البشرية تسند إليه جميع الخوارق المستقبلية··· يبدو أن العقل البشري مغرم بالنهايات، ومن منا لا يتأثر لتغير ما اعتاد عليه، فحين كنا في السبعينيات، أحسسنا أننا أبناء الرقم (7) وفي الثمانينيات كان الرقم (8) إطارا خفيا لأحلامنا وأفكارنا، وكذلك الرقم (9) في التسعينيات· كان كل رقم يمثل نقلة نوعية في حياتنا أفرادا ومجتمعات، ولعل الإنسان مبرمج وفق هذه العقود التي هي بعدد أصابع اليدين، والآن نقف على حافة أصفار ثلاثة·· ترى بماذا سنملؤها؟!
(2)
كانت الثقافة العربية في العقود الأولى تؤسس لليبرالية في مواجهة التخلف الاجتماعي والسياسي، مع نكهة تحررية ثورية، وفي العقود التالية كانت ثقافة وطن، إذ غلب الهم القومي الهم الذاتي، ثم تلتها ثقافة المواطن، حين اهتم المثقفون والأدباء بالإنسان العربي في وضعيته الاجتماعية - السياسية، وخصوصا قضية الحرية، وكان كل ذلك متوازيا مع المد الأيديولوجي، الليبرالية ثم القومية ثم الماركسية· ولكن بعد حرب الخليج الثانية وسقوط المعسكر الاشتراكي وبدء المفاوضات السلمية بين الأعاريب والصهاينة، ترنح العقل العربي، وتهاوت الشعارات والأيديولوجيا، ولم يستطع التيار الإسلامي أن يقدم مشروعه الثقافي البديل، مما جعل جسد الثقافة العربية المنخور بالهزائم ممرا لرياح الفوضى والكوزموبوليتية بصيغتها الجديدة "العولمة"، ولكن من حسن الحظ أن التراكم الذي حققته الثقافة العربية في هذا القرن جعل منها فينيقا لا يموت، وإن كان جريحا·
(3)
تكاد تكون القضية الأكبر التي شغلت الفكر العربي في العقد الأخير هي قضية "الديمقراطية"، ولا سيما أن عقرب الزمن العربي يمشي بسرعة السلحفاة أو الحلزون، والأنظمة العربية لا تزال تعلق ميدالية الديمقراطية بصدورها كما يعلق قادتنا النياشين والأوسمة اللامعة على الرغم من أنهم لم ينتصروا في حرب واحدة منذ معركة حطين· ولكن الديمقراطية تخلصت من كونها شعارا لتصبح حاجة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية··· والحاجة أم الاختراع·
(4)
سيكون الأول من عام 2000 يوما عاديا، وسيفقد الهالة التي طوقناه بها من قبل وسينقشع عنه غموضه اللذيذ، وتتبدد الهواجس والأحلام··· سيكون يوما عاديا عندنا - نحن العرب - لأنه لن يكون نقلة نوعية بين ألفية وأخرى، فنحن لم نحقق شعارا واحدا من شعاراتنا التي رفعناها، ولا حلما واحدا مما حلمنا به··· نحن الذين خرجنا من جلباب التاريخ حاملين فوانيسنا في ليالي التيه الكوني، فضعنا على الدروب، ولم نجد مقيلا لتعبنا التاريخي وعذابنا الأزلي··· رفعنا راية الوحدة العربية فتوحدت أوروبا ذات القوميات المختلفة، ورفعنا شعار الاشتراكية فسقطت في بلادها، ونادينا بالتضامن العربي فخضنا حروب "بسوس" جديدة، وما زلنا نتأهب لداحس والغبراء·· نادينا بتحرير فلسطين فاصطففنا جميعا نرسف في ذلنا التاريخي أمام مجلس الأمن نطالب بعودة الأراضي المحتلة عام 1967!
فليحتفل العالم جميعا بالألفية، وعلينا أن ننزوي في ركن قصي من التاريخ نبكّت ضميرنا الملوث منذ أكثر من ألف سنة!
(5)
لم يبدأ تاريخ البشرية في العام الأول من الميلاد، كما لن ينتهي في العام 2000 منه، إذ إن البشرية الموجودة منذ آلاف السنين بل الملايين لم تكن تنتبه الى الزمن كما يبدو، ولو أنها انتبهت إليه لأرخت لمسيرتها باكتشاف النار مثلا، أو باكتشاف الكتابة، وهما حدثان غيرا تاريخ الإنسان على الأرض، وكانا أهم محطتين انطلق منهما قطار الحضارة··· ولكل شعب تقويمه الخاص تقريبا، وهو يرتبط بالحاجات المادية له، ولو عدنا الى مجتمعاتنا الصغيرة قبل عصر العلم والتطور لوجدنا أن الناس كانوا يؤرخون لحياتهم بأحداث محلية ذات دلالة خاصة وأهمية معينة، كأن يؤرخوا بغزوة أو حرب أو حملة عسكرية أو فيضان وطوفان أو قحط أو كارثة طبيعية·· هل كان الناس يدركون بفطرتهم آلية الفناء التي يقوم بها الزمن حتى ربطوا به كوارثهم ومصايبهم؟ ألم يسندوا الشر الى "الدهر"، فقال قائلهم الخالد المتنبي: "رماني الدهر بالأرزاء"؟
(6)
بعيدا عن الإحساس التراجيدي بالزمن، نرى أن اليوم الأول من عام 2000 فرصة ومناسبة للتأمل والاعتبار، فليكن يوما عربيا للتأمل التاريخي، ولندفن جميعا من المحيط الى الخليج رؤوسنا في كتب التاريخ احتفالا بهذا اليوم، كي لا نظل نغرز رؤوسنا في رمال الواقع، نحن نعامات القرن العشرين الآفل، ولعلنا حين نرفع رؤوسنا في هذا الطقس التطهري نحدق الى الشمس معا···