· لم أكن حين كتبت الملك "حسين" أتخذ موقفاً جديداً من سياساته، لكنه موقف ظل ثابتاً وظاهراً ومعلناً في حياة الملك·· وبرغم هذا فإن المك لم يتوقف عن لقاءاته معي، ولا عن حوارات طويلة بيننا في عمان ولندن··· وكان بذلك أذكى ألف مرة من هؤلاء الذين ادعوا الغيرة على ذكراه بعد رحيله، مع أن الوقائع كانت معروفة لهم، بل إن بينهم من رآها وشارك فيها بنصيب
· كانت المناسبة التي استوجبت المساجلة - علنية وصريحة - بين الملك "الحسن" وبيني أن الملك قرر في بداية 1993 أن ينشر مذكراته تحت عنوان "ذاكرة ملك"·· وكان الداعي إلى المساجلة أن الملك "الحسن" روى في مذكراته واقعة عني ووجدت من الضروري أن أرد عليها بـ "ذاكرة صحفي" في مواجهة "ذاكرة ملك"
· قال الملك: أريد أن أسألك ماذا كنت تعرف عن محاولات الانقلاب التي دبرها أوفقير ضدي، سواء بمحاولة قتلي بواسطة الجنرال مذبوح، ثم بعد ذلك عندما حاول ضرب طائرتي بالنار·· قلت ودهشتي تزداد: جلالة الملك·· إن صيغة سؤالك تحمل إيحاء بأنه كان لي علم مسبق بهذه المحاولات ضدك···
· قلت للملك الحسن: إننا جميعاً في مصر كنا نعرف أن أوفقير هو رجل المخابرات المركزية الأمريكية في المغرب العربي كله··· ولم يكن بيننا وبينه حب موجود أو مفقود··· وكنا دائماً نشك فيه ونتهمه! فهل تتصور أن أحداً كان يمكن أن يخطر بخياله أن أوفقير مهيأ لأي عمل وطني أو قومي، وذلك على فرض أن انقلابه عليك يمكن أن يعتبر عملاً وطنياً أو قومياً؟
عن الملك حسين·· مجرد صفحة مترجمة عن أصل
"1"
بداية فإن "شخصية الملك الحسن" ملك المغرب الراحل - هي موضوعي اليوم - والذي يدعوني إليه أنني اقتربت قبل ذلك من "شخصية الملك حسين" وكتبت عنه - قبل سبعة شهور - مقالات في هذه المجلة - آثار جدلا، وما زال!
والواقع أن هناك صلات بين الرجلين: "الحسن" و"الحسين" وهي صلات عريضة وعميقة بأكثر من مصادفة أنني كتبت عن أحدهما - وإذن وبالتداعي الآلي فمن الضروري أن أكتب عن الآخر!
والصلات العريضة والعميقة بين الرجلين تستمد أسبابها من عناصر متعددة:
أولها: مقولة النسب، ومع احتياج المقولة للفحص والدرس - فإن الأخذ بها سواء بدواعي التصديق التاريخي أو بمطالب الشرعية السياسية يخلق عند أصحابها نوعا من مظنة العصمة الموروثة تعفيهم من أية قيود أو عقود تلزم غيرهم من الناس·
وعلى سبيل المثال فإنه في حين كانت مقولة الملك "حسين" هي "آل البيت" فإن مقولة الملك "الحسن" كانت "إمارة المؤمنين" وكلتا المقولتين جرت وراءها - ولو بالإيحاء - هذا النوع من مظنة العصمة، والمشكلة فيه أنه يغري أصحابه بالحياة في مناطق مختلفة في ذات الوقت، وهي مناطق بعضها ظاهرة أمام الناس مقيد بتكاليف لها ضوابطها، والآخر خفي يملكه أصحابه وحدهم بـ "مظنة العصمة" وهم أحرار فيه لا يقدمون لغيرهم حسابا عنه·
وكانت تلك بالفعل أبرز الظواهر في سياسة كل من "البيت الهاشمي" في الأردن "والبيت العلوي" في المغرب
وهذه كلها تسميات تقريبية واصطلاحية لأن الجمعي فروع من "هاشم"·
وثانيها: أنه نتيجة لذلك فإن الاختيارات السياسية للملكين كانت متقاربة مع اختلاف في المنهج - فإذا كان رأس السلطة يعتبر نفسه فوق الحساب العام في بده ويعتبر نفسه مختلفا عن غيره من الحكام حوله - إذن فهو يحتاج إلى سند يجده من خارج البلد ومن خارج الإقليم، وهذا السند لا يكون بطبائع الأشياء إلا من قوى مهتمة بالبلد وبالإقليم - ولأهدافها الخاصة بالطبع·
وثالثها: أنه كانت بين الملكين علاقة من نوع مركب قريب وبعيد في نفس الوقت ألوف ونافر في ذات اللحظة، وربما أن التسابق على النسب له دخل، فذلك النسب معبأ بشحنات من التزاحم والتنافس تراكمت مع العهود والقرون وربما أن العقدة ترجع إلى اختلاف التربية السياسية التي تقوم عليها السلطة في بلد كل منهما وهذا فارق شاسع يختلف تأثيره من وديان وصحارى الشام إلى مشارف هضاب الأندلس وربما أن الحساسية ترجع إلى التفاوت في ثراء الممالك وحجمها وهو واقع يمكن أن يلعب دوره في تقديره كل من الرجلين للنصيب الذي آل إليه من ميراث النسب!
وكان الملك "حسين" في العادة ينادي الملك "الحسن" بلقب "يا ابن العم" في حين كان الملك "الحسن" يناديه باسمه الأول "حسين"!
ورابعها: أن عهد كل من الملكين الهاشمي والعلوي توافق مع ظروف محيطة به عاصفة وعنيفة وهي ظروف مدت تأثيراتها إلى الداخل وكان ذلك حال الملك "حسين" تجاه بؤرة النار الفلسطينية التي أصابت الهلال الخصيب بحريق وكان ذلك هو حال الملك "الحسن" وعلى حدوده ثورة المليون شهيد وبعد الثورة شلال الدم الذي تدفق أحزانا في الجزائر·
وخامسها - وذلك صنع المفارقات - أن الرجلين على اسم واحد أولهما "الحسن" بقواعد اللغة و"الحسن" و"الحسين" اسمان مترابطان في تاريخ إسلامي طويل فيه الملاحم وفيه المآسي وفيه الُتقية وفيه الشهادة!
وسادسها: أن صلة بين الرجلين بالتوافق في توقيت الرحيل أضافت نفسها رابطا بينهما فالفارق بين رحيل أولهما ولحاق الثاني به شهور قليلة من آخر سنة في هذا القرن العشرين وهي سنة 1999·
وهكذا فإن ترابط الصلات بين الرجلين ليس مجرد تداع آلي وإنما هو اتصال السياق بين التاريخ والظروف والناس!
لكني قبل أن أجتاز العتبات إلى ساحة موضوع اليوم "عن الملك الحسن" استأذن في إبداء ملاحظة عن الحياة والموت مجملها "أننا لا نعرف كيف نتعامل مع الحياة - ولذلك فنحن أيضا لا نعرف كيف نتعامل مع الموت"·
في الحياة فإننا مع الناس واحد من ثلاثة مواقف: نحن بعضهم ونترفق بهم ونكره غيرهم ونقسو عليهم ونخشى آخرين فيكون موقنا الخوف يداري ويداهن
ومع الموت شيء من نفس النوع وهكذا فإن وداع بعض الراحلين طوفان دموع تسبح فوقه النعوش، والبعض الآخر وداعهم دعاء بالرحمة بالغ القسوة يجري - ولو دون عمد - على مبدأ العفو عند المقدرة ونداؤه أن "اذكروا محاسن موتاكم" ثم يجىء النوع الثالث من الوداع وهو أشبه ما يكون بالنفس الأخير يتكثف بخارا ثم تنسحب وراءه الصور متلاشية إلى النسيان!
وفي هذه المواقف فإننا لا نتعامل مع الحياة كتيار متجدد متدفق أجيالا بعد أجيال منذ الأزل ولا نتعامل مع الموت كحالة طبيعية في تحول وتغير الحياة إلى الأبد·
وفي كل الأحوال فنحن لا نتعامل مع البشر كبشر، ولا نتعامل بمفهوم أن كل إنسان تجربة وكل تجربة عمر وكل عمر زمن وكل إنسان وكل تجربة وكل عمر وكل زمن شكل وخواص وقسمات والكل في النهاية محكومة بطبائعه ومجموم في نفس اللحظة بضروراته ومودي ذلك أن كل حياة إنسانية هي لحظة تاريخية معينة فيها ما فيها ولها ما لها وعليها ما عليها·
وعندما كتبت عن "شخصية الملك حسين" فقد حاولت تطبيق هذا المنهج الذي أعتقد فيه عندما يفكر بشر في بشر وحين يقوم إنسان بالنظر إلى إنسان·
وأحسب أنني أعطيت للملك "حسين" ماله حين توقفت طويلا أمام أحكام الجغرافيا والتاريخ وقد أحاطت به إلى درجة الحصار وتوقفت طويلا أمام غير ذلك من اعتبارات حكمت خياراته، ومنها طبائع الهاشميين الجدد في القرن العشرين وصداقاتهم وتحالفاتهم ومنها ظروف المنطقة من الخمسينات إلى التسعينات ومنها أن المملكة الأردنية الهاشمية تقع على تماس مباشر مع خط الإنفلاق البركاني الحرج أمام إسرائيل وذلك موقع وموضع له محاذيره وله مخاطره·
وفي الوقت نفسه فقد ذكرت ما على الملك "حسين" وتوقفت أمام مشاهد ذهبت فيها سواء بتصوراته أو بطموحاته إلى أبعد مما فرضته عليه الظروف وأشرت صراحة إلى رأي تولد الاقتناع به عند كثيرين ملخصه أن الملك الذي أحس بوقر المقادير عليه زادها كثيرا في استغلال هذه المقادير فقد ألقى عليها كل حساباته أمام الناس وأمام نفسه تفسيرا وتبريرا ومضى في ذلك متجاوزا خطوطا حمراء كانت شبه مقدسة ولعل تجاوزه للخطوط الحمراء هنا كان نموذجا مؤكدا على مظنة العصمة التي يمكن أن يعطيها النسب!
ولم أكن حين كتبت عن الملك "حسين" اتخذ موقفا جديدا من سياساته ولا أعرض رأيا تنزل فجأة بعد غيابه لكنه موقف ورأي كلاهما ظل ثابتا وظاهرا ومعلنا في حياة الملك وسلطانه رغم علاقة قوية - ودافئة في بعض الأحيان - معه خصوصا عندما كنت أحس أن ضروراته تملي عليه بأكثر مما تسوقه اختياراته على تعدد أساليبها·
والحاصل أن الملك "حسين" نفسه كان أول من يعرف هذا الموقف والرأي وقد وصلت بهما في صفحات من كتاب "الانفجار سنة 1967" إلى حد قارب اتهامه بالتواطؤ في وقائع يونيو من تلك السنة - مستندا إلى مجموعة من الوثائق نشرت صورها واستخلصت دلالتها أو حاولت!
وبرغم هذا فإن الملك لم يتوقف عن لقاءاته معي ولا عن حوارات طويلة تواصلت بيننا في عمان وفي لندن وكان بذلك أذكى ألف مرة من هؤلاء الذين ادعوا الغيرة على ذكراه بعد رحيله مع أن الوقائع من أولها إلى آخرها كانت معروفة لهم بل إن بينهم من رآها رؤية العين أو شارك فيها بنصيب!
ومن الغريب أن بعضهم اثر أن يتصرف بالتفرقة بين الخبر وبين ناقل الخبر - فهو لا ينكر الواقعة ولكنه يكره أن يتعامل مع نتائجها ومعانيها وبالتالي فإن الخبر نفسه ليس كفرا ولكن ناقل الخبر مثواه النار!
وربما الأغرب أن البعض كان رأيه أن ما نسبت إلى الملك من الوقائع صحيح ولكن "هذا ليس وقته" وذلك منطق يحتاج إلى مناقشة ذلك أنني فيما رويت هن "شخصية الملك حسين" لم أزد غير واقعة واحدة جديدة أضفتها إلى مانشرته وكررته من قبل في حياته وأثرته مباشرة معه خلال حواراتنا المتواصلة - وتلك هي الواقعة التي أوردها "بنيامين برادلي" رئيس التحرير الأسطوري لجريدة "الواشنطن بوست" والتي اشتملت على معلومات أبلغها إليه محرر "الواشنطن بوست" الأشهر "بوب ووداورد"" وهو الصحفي المحقق لفضيحة "ووترجيت" التي أطاحت برئاسة "ريتشارد نيكسون" وأخرجته من البيت الأبيض - وكان مؤدى الواقعة ما عرفه "ووداورد" من أن رئيس دولة عربية - ظهر أنه الملك "حسين" - يعمل لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية منذ بداية سنة 1957 ويتقاضى راتبا سنويا قدره مليون دولار - إلى جانب مليون دولار أخرى رصدتها الوكالة لمصاريف إضافية لحسابه وباسمه·
ولقد تطورت الواقعة فيما رواه "بن برادلي" فاشتلمت أيضا على حديث دار حولها مع الرئيس الأمريكي سنة 1977 - وهو وقتها "جيمي كارتر" واشتملت أيضا على خطاب بالورق الرسمي للبيت الأبيض بتوقيع الرئيس يؤكد الواقعة ويضيف إلى صحتها قلقه "كارتر" من نشرها لتأثيرها على مصالح الولايات المتحدة وصداقاتها في المنطقة·
وهكذا فإن أي غضب أو عتب على الواقعة كان لابد أن يوجه إلى "بن برادلي" أو إلى الرئيس الأميركي الأسبق "جيمي كارتر" لكن مقولة أن "هذا ليس وقته" اكتفت بما نقلته عن "برادلي" و"كارتر" وتوقفت أي أنها لم تصل إلى الاثنين والشك فيهما ليس واردا، ولا إلى ماكتبا وهما شهود عليها ثم إن كليهما "حتى الآن سنة 1999" حي وحصته جيدة وذاكرته سليمة·
لكن الظاهر أن مقولة "هذا ليس وقته" تريد من الناس حبس مواقفهم وآرائهم إلى أجل غير محدد - تكون فيه السياسة قد خرجت من نطاق الذاكرة إلى نطاق السجلات وذلك يتصادم مع حقيقة أن السياسة تاريخ سائل يواصل جريانه وأن السجلات محفوظات منسية يحتاج البحث عنها إلى حفائر جيولوجية سواء كانت أوراقا نائمة في أدراج حديدية أو إشارات محبوسة في صناديق إلكترونية!
وإذا كانت الكتابة في السياسة هي كتابة في التاريخ الجاري ووقائعه، فإن كل لحظة "هي وقته" وكلما كانت اللحظة قريبة من الواقعة التي تدور الكتابة عنها كلما كان ذلك "وقته"·
ولقد كان على القائلين بأن "هذا ليس وقته" - أن يتذكروا ويذكروا غيرهم بأن "هنا ليس مكانه" لأنه حين تتحول الجنازات إلى مناسبات لترويح السياسات - إذن فإن مشكلة المكان تسحب وراءها مشكلة الزمان ذلك لأن استغلال الموت لصالح السياسة على هذا النحو تجاوز وفي نفس الوقت فإن السكوت تفريط وإلا يصبح السكوت رخصة للولايات المتحدة ورخصة لاسرائيل وراءها بالحق في كتابة تاريخ الأمة وصياغة وعيها وتحديد المثل الأعلى لإلهامها بما في ذلك تنصيب الأبطال والشهداء والقديسين والملائكة·
ومن المفارقات أن بعد نشر مقالي عن "شخصية الملك حسين" ظهرت شهادات أصلية محققة وموثقة آثر البعض إغفالها والسكوت عنها وكان الصمت هنا نوع من الاستهانة أو الإهانة للعقل وللوعي!
وهنا أشير إلى شهادتين كلتاهما محققة وموثقة وكل شهادة منهما فيها أكثر مما قلت·· وأخطر!
"2"
الشهادة الأولى من "بوب وودوارد" نفسه وقد نشرها في أحدث كتبه - بعد شهور من وفاة الملك "حسين" - وعنوانه "الظل" Shadow الذي صدر في مايو سنة 1999 - وهو الآن ومن يومها على رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في الولات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا·
وعلى صفحات كتاب "الظل" ومن الصفحة 44 وحتى الصفحة 52 عرض "بوب وودوارد" تفاصيل واقعة علاقة الملك "حسين" بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية - كما يلي:
في شهر فبراير سنة 1997 وبعد أسابيع قليلة من أداء "جيمي كارتر" لليمين الدستورية - رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية - علمت من مصدر واسع الاطلاع في وكالة المخابرات المركزية أنه هناك دفعات مالية كبرة - مليون دولار سنوات - تدفع للملك حسين من وكالة المخابرات إلى جانب تكاليف أخرى"·
تتصل بحياة الملك الشخصية ولم أجد داعيا ولا نفعا في ترجمة فقراتها لأن التفاصيل السياسية وحدها شاغلي هنا·
ويستطرد "وودوارد":
كانت القصة الصحفية فيما رأيته كبيرة فهذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الإدارة الجديدة "إدارة جيمي كارتر" فضيحة سياسية مبكرة تعترض تعهداتها الباكرة والمتكررة عن إدارة منفتحة وبغير أكاذيب "وبالذات بعد التجربة المرة لفضيحة ووترجيت"·
واتصلت بالبيت الأبيض ولدهشتي الكبيرة فإن الرئيس كارتر وافق على أن يقابل بن برادلي رئيس تحرير الواشنطن بوست وأنا برفقته يوم الأربعاء 16 فبراير "1977" في مكتبة بالبيض الأبيض·
ودخلنا إلى المكتب البيضاوي ومعنا "جودي باول" الذي اختاره كارتر مستشارا صحفيا له·
وعند باب المكتب وجدنا الرئيس "كارتر" واقفا في انتظارنا مرتديا حلة رمادية مخططة بخطوط بيضاء عريضة وكان يبتسم وبدا سعيدا بهذا اليوم الثامن والعشرين من رئاسته·
وشرح له بن برادلي ورغبتنا في نشر القصة الخاصة بالملك حسين واستمع الينا كارتر بصبر وبرقة كما لو أنه في مواجهة ناخبين يهمه الحصول على أصواتهم·
ثم جاء الدور على كارتر ليرد بعد أن فرغ بن برادلي من عرض وجهة نظر الواشنطن بوست وأخرجت دفتر مذكرات من جيبي مستعدا لتدوين النقط المهمة في رد الرئيس ولكن كارتر التفت إلىّ وقال لي "ما سوف أقوله ليس للنشر" وقلت "حسنا سيدي الرئيس ولكني أريد أن أسجل ما نقول فقد نتفق في النهاية على نشر شيء منه أو نحتفظ به ليوم من الأيام" وقال كارتر "إنني أريد أن أكون أمينا وصادقا" وركز نظره على دفتر مذكراتي كما لو أنه مادة قابلة للعدوى أو حاجز يعطل الحديث بصدق وأمانة وأقفلت الدفتر وراح كارتر يتابع حركتي وأنا أضع الدفتر في جيب الجاكيت الزرقاء التي ارتديتها خصيصا لهذه المقابلة مع رئيس الولايات المتحدة·
وخف الإحساس بجو من التوتر سري في المكتب البيضاوي لعدة لحظات واستأنف كارتر حديثه بصوت رصين واضح العبارة فقال:"إن هذا الأمر كان يحدث طوال العشرين سنة الماضية أقصد مدفوعات وكالة المخابرات المركزية للملك حسين وأريد أن أقول لكم إن مثل هذه الأشياء تتعارض مع سياساتي ولكني لا أستطيع أن ألغي ما حدث في الماضي حتى ولو كنت غير مسؤول عنه"·
ويستطرد "بوب وودوارد" في روايته فيقول إنه "عندما سمع ذلك من رئيس الولايات المتحدة بنفض يده من الملك حسين"·
وكان كارتر ما زال يتحدث موجها كلامه إلى رئيس تحرير الواشنطن بوست وإلىّ "لكني أريدكم أن تعرفوا أن هناك عنصرا مهما في هذا الموضوع لابد من أخذه في الاعتبار وهو المفتاح لتسوية سلمية في الشرق الأوسط وأنا أحتاج إلى حسين لأن أول أهداف سياساتي الخارجية هو سلام في الشرق الأوسط إن هذه العملية "المدفوعات السنوية للملك حسين من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية" بدأت سنة 1957 وكانت أكبر من ذلك بكثير في ذلك الوقت والحقيقة أن الوكالة دفعت للملك أيضا مبالغ إضافية خصوصا لحراسته وحراسة أسرته لأن وكالة المخابرات المركزية لم تكن تريد أن تكون مسؤولة مباشرة عن سلامة الجميع فقد يقتضي الأمر إطلاق النار على فلسطيني يحاول إصابة أو خطف أحد أفراد الأسرة ونحن لا نريد أن يكون أحد من رجالنا مسؤولا عن مثل ذلك إذا وقع"·
ثم مضى الرئيس بعد ذلك فقال لنا "على أن ما يهمكم أن عرفوه هو أنني فور تأكدي من الواقعة عندما عرفت بسؤالكم عنها أصدرت الأمر بوقف الدفع فورا وذلك ما أريد أن أعيد تأكيده مرة أخرى"·
ويقول بوب ووداورد "ونظرت إلى بن برادلي وكان هو ينظر إليّ، وكنت مستريحا وكان هو راضيا لأن خبرا كبيرا وقع في يد الواشنطن بوست وتأكدت لنا صحته من أعلى مستوى وتوجه بن برادلي بسؤال إلى الرئيس صاغه بطريقة مهذبة قائلا: ولكن يا سيدي الرئيس ألا يمكن اعتبار هذا المدفوعات رشوة"؟ ورد كارتر "لا أستطيع أن أناقض ذلك" ثم أضاف"لكني أريدكم أن تعرفوا أن وزير الخارجية سايروس فانس سوف يصل إلى عمان في ظرف يومين للعمل على دفع مسيرة السلام في الشرق الأوسط وإذا قامت الواشنطن بوست بنشر هذه القصة فإن أصداءها سوف تغطي على كل شيء قبل لقاء فانس مع الملك حسين، وأنا لا أريد ذلك"·
ويستطرد بوب وودوارد فيقول: "إنني سألت الرئيس عما إذا كان سعيدا بما رآه من تصرفات وكالة المخابرات المركزية"؟ ورد الرئيس بقوله "إنني أوقفت تصرفات أخرى مماثلة" وحين سألناه عنها رفض أن يجيب ولكنه عاد يؤكد لنا "أنه يحاول بناء علاقات مباشرة مع عدد من زعماء الشرق الأوسط ومع أنه لم يقابل الملك حسين بعد فإن نشر أسرار علاقات الملك بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الشهر الأول من رئاسته الجديدة "رئاسة كارتر" سوف يكون عملا مؤذيا وسوف قنع رؤساء دول آخرين بعدم الثقة في الولايات المتحدة لأن بعضهم سوف يظن أننا قصدنا تسريب هذه الأخبار وعنهم لسبب أو لآخر، ونحن نريد منهم أن يثقوا فينا لأن سنة 1977 لابد أن تشهد تقدما نحو السلام وإلا فإن الأمور سوف تزداد تعقيدا"·
ويستطرد بوب ووداورد: "ولقد بدا لنا عند هذه النقطة من اللقاء أن الرئيس كارتر تنبه إلى أنه لم يحصل منا - ممثلين للواشنطن بوست - على وعد صريح بالامتناع عن النشر فعاد يقول "أريدكم أن تصدقوني عندما أؤكد لكم أن تسوية لأزمة الشرق الأوسط تتقدم غيرها بين الأولويات العليا في رئاستي" ولما لاحظ الرئيس صمت بين برادلي طرح حلا وسطا تصوره كافيا فقال "ما رأيكم لو اقترحت عليكم نشر القصة دون ذكر اسم الملك حسين" وقطب بن برادلي ملامح وجهه وكذلك فعلت أنا وكانت تلك إشارة إلى فتور حماستنا لاقتراح الرئيس·
وقال كارتر إنه يفهم دوافعنا المهنية لكنه يريد أن يجد حلا يصون في نفس الوقت مصالح الولايات المتحدة وهنا قال عبارته الشهيرة التي رواها بن برادلي من قبل "في كتابه الذي صدر قبل خمس سنوات بعنوان: "حياة طيلة" هذا بلدكم كا هو بلدي" وأبدينا موافقتنا على "أنه بلدنا كما هو بلده" ولكنه أحس أننا لم نتعهد بشيء ولعله أراد أن يجعل الصفقة مقبولة أكثر فقال لرئيس تحرير الواشنطن بوست "إنني آمل أن تجيء لمقابلتي في أي وقت تريد إذا خطر لك أن تسألني عن شيء" ولم يبتلع بن برادلي الطعم فورا وإنما قال للرئيس إنه سيبحث الأمر مع مجلس تحرير الواشنطن بوست وعلى أي حال فهو يتعهد بأن يخطر الرئيس قبل النشر بأربع وعشرين ساعة إذا ما قررت الواشنطن بوست أن تتحمل المسؤولية وتنشر القصة"·
ويستطرد بوب ووداورد:
وفي اليوم نفسه بعد الظهر طلب مني بن برادلي أن أتصل بجودي بأول المستشار الصحفي للرئيس وأن أتصل بجودي وأن أخطره بأن الواشنطن بوست قررت أن تنشر وأنه طبقا لتعهده للرئيس يخطره الآن - قبلها بـ 24 ساعة وفعلت وكان واضحا أن المستشار الصحفي للرئيس متضايق من الرسالة التي نقلتها إليه وتمتم قائلا "إنها سوف تكون مفاجأة غير سارة لسايروس فانس "المسكين" عندما يخطو من الطائرة إلى أرض المطار في عمان" ثم مضى باول في حديثه معي وكأنه يحاول أن يشدني إلى وجهة نظر البيت الأبيض "إنكم سوف تسببون بهذا الشكل حرجا شخصيا للرئيس فبعض مستشاريه اعتبروا مقابلته لكم من الأصل والأساس خطأ وقع فيه وبين هؤلاء زبجنيو برجنسكي مستشاره للأمن القومي الذي وصل إلى حد اتهام الرئيس "بأنه سمح لنفسه أن يضعف أمامكم في رغبة منه لاكتساب مودتكم وكان عليه أن يكون أكثر حزما معكم" وقد قال بر جنسكي للرئيس "إن نشر القصة على هذا النحو سوف يكون إشارة تحذير إلى كل المصادر الأمريكية بأن ترتيباتهم السرية مع الوكالة ليست آمنة"·
وحين أبديت لجودي باول أن الأمر يخرج عن سلطتي في الواشنطن بوست أبدى له تأمله الشديد مضيفا أن "الموضوع معقد بأكثر مما تظنون"·
وبعد قليل عاودت الاتصال بجودي باول أسأله لمجرد التحوط للنتائج عما يمكن أن يكون عليه تعليق البيت الأبيض على نشر الخبر في الواشنطن بوست ورد باول بحدة قائلا "بماذا تريدون أن نعلق على القصة؟ إننا في كل الأحوال لن·· عليكم"·
ويستطرد بوب ووداورد فيقول:
وصباح يوم الجمعة 18 فبراير 1997 نشرت الواشنطن بوست القصة تحت عنوان بعرض الصفحة الأولى كلها وتصادف ذلك بالفعل - دون قصد منا - مع الوقت نفسه الذي حطت فيه طائرة وزير الخارجية سايروس فانس بادئا رحلته لدفع مسيرة السلام وفي الوقت نفسه في واشنطن كان جودي باول المستشار الصحفي للرئيس كارتر يقف عن المنصف التي يجيب منها على الأسئلة في قاعة الصحافة بالبيت الأبيض وكان السؤال الأول الذي وجه له عن خبر الواشنطن بوست وعندما رد باول بالعبارة التقليدية لا تعليق No Comment انفجرت القاعة بالضحك ذلك أن كارتر الذي وعد بإدارة مفتوحة وصادقة مهما كانت الظروف بدأ يكذب في الشهر الأول من إدارته وقد سئل عن هذه النقطة بالفعل وقال له السائل: "أليس هذا الرد الذي سمعناه منك فورا متعارضا مع ما وعدتم به"؟
ويستطرد بوب وودوارد:
وصباح اليوم التالي جاءني رئيس تحرير الواشنطن بوست يحمل في يده خطابا موجها إليه "على أساس شخصي" من رئيس الولايات المتحدة بتاريخ 19 فبراير "1977" وسألني بن برادلي "ماذا يتوقعون منا أن نفعل ؟ واقترحت عليه ألا نفعل شيئا وقال :إننا لا نستطيع أن نتجاهل خطابا من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتهمنا فيه بعدم المسؤوليةوحاولت أن أهدىء أعصابه فقلت "إنهم على أي حال لم·· علينا"ورد بسرعة: "إنهم فعلوا أسوأ لأنهم·· علينا"·
وكان نص رسالة كارتر على الورق الرسمي لمكتبه وتوقيعه بخط يده كما يلي:
"إلى بن برادلي
أعتقد أن نشركم لقصة المخابرات المركزية الأمريكية بينما وزير الخارجية "سايروس فانس" يقوم بمهمة في الشرق الأوسط الآن - وهذه المهمة على وشك أن تحمله إلى الأردن - هو عمل غير مسؤول·
إنني أكتب إليك هذه الرسالة كتعليق من قارىء وليس من رئيس الولايات المتحدة·
جيمي كارتر
ويوم 25 فبرير 1977 نقلت وكالة الأسوشياتد برس من مكتبها في الكونجرس أن الرئيس كارتر روى أمام اللجنة الرئيسية لمجلس الشيوخ تفاصيل ما دار بينه وبين بن برادلي وأنا فقد سألوه عن الموضوع ورأت اللجنة تسجيل إجابته في مذكرة خاصة نقل فيها عن الرئيس قوله "إن الملك حسين كان أهم مصدر للمعلومات لنا في الشرق الأوسط" وأشارت المذكرة الخاصة إلى قول الرئيس إنه "حاول إثناء الواشنطن بوست عن نشر الخبر ولكن المسؤولين فيها تصرفوا بغير تقدير للمسؤولية"·
دور الملك الحسن وسياساته
ويجيء الدور الآن على الشهادة الثانية التي آثر الكل إغفالها بالسكوت استهانة أو إهانة للعقل، وترد هذه الشهادة في الكتاب الذي تعرض بطريقة موثقة للتاريخ السري للموساد بعنوان "جواسيس جدعون" وقد صدر هو الآخر بعد وفاة الملك "حسين" بعدة أسابيع·
ذلك أن على صفحتي 58و59 من هذا الكتاب أورد مؤلفه "جوردن توماس" وهو من أبرز الخبراء في تاريخ الأجهزة السرية في الغرب - حصرا بالمنجزات المهمة التي حققها جهاز الموساد على عهد مديره الأشهر "إيسرهاريل" وقد وردت على النحو التالي:
1 - إدخال سياسة الاغتيال المنظم لأعداء إسرائيل·
2 - إنشاء علاقات - حتى بالاختراق - مع جهاز المخابرات السوفيتي الـ KCB·
3 - إعطاء أولوية أولى لتنظيم الهجرة السرية ليهود أوروبا الشرقية إلى إسرائيل قبل أن يسمح بها رسميا ثم تتحول إلى نزوح جماعي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي"·
4 - اتقان فنون استعمال المرأة والجنس والابتزاز في خدمة أعمال المخابرات·
5 - وهنا ما يتصل بالملك "حسين" تنظيم اختراق القصر الملكي في عمان والدوائر المحيطة به لكن هذه المحاولة توقفت فيما بعد عندما أصبح الحاكم الهاشمي مسؤولا رئيسيا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في المنطقة·
وذلك هو نص العبارة التي استخدمها "ايسر هاريل" رئيس الموساد السابق فيما تحدث به مؤلف كتاب "جواسيس جدعون" ويمكن منها استنتاج أنه في الفترة الأولى من حكم الملك حسين" أي ما بين توليه العرش 1952 عقب اغتيال جده الملك "عبد الله" وما بين صلته المنظمة مع وكالة المخابرات المركزية "1957" لم تكن هناك اتصالات على مستوى نشط ومتواصل بين القصر الملكي على سفح جبل عمان وبين قيادة الموساد في شارع الملك شاؤول في تل أبيب وكان ذلك التعثر إلى درجة الانقطاع أحيانا هو الداعي إلى محاولا "إيسر هاريل" لاختراق القصر الملكي فلما وقع سنة 1957 إنشاء وترتيب العلاقات بين القصر الملكي على جبل عمان وبين مقر المخابرات المركزية في ضاحية لانجلي بالقرب من واشنطن توقفت محاولات الموساد لاختراق محيط الملك "حسين" وصولا إليه لأن نظرية الأواني المستطرقة راحت تؤدي دورها بكفاءة"
ذاكرة ملك·· وذاكرة صحفي
لقد كانت المفكرة الأولى في هذه الملفات الملكية ملحقا أضيف إلى حديث سبق عن "شخصية الملك حسين"
والآن فإن المفكرة الثانية في هذه الملفات الملكية مدخل يمهد لحديث جديد عن "شخصية الملك الحسن"
وربما أن هذا التمهيد مطلوب لأن المفكرة الثانية من هذه الملفات الملكية" كانت مساجلة علنية منشورة جرت بين الملك "الحسن" وبيني وقد ظهرت على صفحات جريدة الأهرام في العدد الصادر صباح 25 فبراير 1993 وكان الملك "الحسن" وقتها في كامل صحته وأوج سلطته جالسا على عرش المغرب مشاركا رئيسيا وبدور قيادي في توجيه مصائر أزمة الشرق الأوسط·
والحاصل أن الاسباب التي تجعل هذا التمهيد مطلوبا يمكن تلخيصها بسرعة وبدون تجاوز ـ في أن هذه المساجلة جرت في زمانها ومكانها ووقعت في العلن وأمام الناس ثم إنها وأوضحت بغير خفاء أن هناك خلافات واسعة في وجهات النظر وفي رؤية الوقائع وربما أهم من ذلك أن هذه المساجلة أظهرت شكوكا كامنة تولدت في النفوس لها مبرراتها برغم علاقات من الود واضحة تعبر عنها تصرفات لا يوجد لدى الأطراف ما يجبرهم عليها الا مشاعر طيبة تغالب الشك ويغلبها الشك في نهاية المطاف·
وكانت المناسبة التي استوجبت المساجلة ـ علنية وصريحة - بين الملك "الحسن" وبيني أن الملك قرر في بداية سنة 1993 أن ينشر مذكراته وبالفعل ظهرت المذكرات باللغة الفرنسية تحت عنوان "Lamemoire d un Roi" وترجمته "ذاكرة ملك" وكان هذا بالضبط هو العنوان الذي صدرت به - فعلا - طبعة عربية من هذه المذكرات نشرتها صحف كثيرة في العالم العربي فصولا مستفيضة وكان الداعي إلى المساجلة بعد مناسبتها أن الملك "الحسن" روى في مذكراته واقعة عني، ووجدت ضروريا أن أرد عليها بـ "ذاكرة صحفي" في مواجهة "ذاكرة ملك"·
وكان نص ما ورد في "ذاكرة صحفي" وهذه هي المفكرة رقم 2 من هذه "الملفات الملكية" كما يلي:
(الأهرام: 25 فبراير 1993)
"ذاكرة صحفي" و"ذاكرة ملك"
صباح اليوم ـ الخميس 25 فبراير - يصدر في باريس كتاب للملك الحسن الثاني ملك المغرب بعنوان "ذاكرة ملك" وفيه يروي الملك قصة حياته وتجربته الحافلة ولابد أن الكتاب مهم فالملوك عادة لا يكتبون مذكراتهم إلا إذا كان لديهم ما يرون ضرورة لقوله خصوصا إذا كانوا جلوسا على عروشهم ملوكا متوجين وظلالا لله على الأرض و"أمراء للمؤمنين"
وأظن أن الكتاب إلى جانب أهميته للكافة كانت له عندي أهمية خاصة لأن الملك تفضل فروى عني في صفحاته واقعة وجدت مناسبا أن أقدم عنها رواية أخرى تعرض الوقائع كما تبدت لي ومن منظوري بالطبع ولعلي لا أتجاوز إذا قلت أنني في العادة لا أبادر بنفي أو تأكيد لرواية تنظر عني فأنا لا أستطيع متابعة كل الروايات من ناحية ومن ناحية أخرى فاعتقادي الراسخ أن الأمور تصحح نفسها في النهاية هذا فضلا عن أن الرواية عن فلان وعن فلان هي فن عربي قديم تسابق فيه الرواه ونفذوا من التاريخ إلى الاسطورة وإلى الخرافة في بعض الأحيان وليس لأحد أن يعترض الفنون أويطبق عليها مقاييس تتعسف مع القصص وتفقدها مباهج الخيال!
لكنه حين تكون الرواية لملك ويكون الملك من وزن الحسن الثاني فإن الموقف لابد أن يختلف ولو حتى من باب الأدب لمقامه وهو أدب حقيقي وصادق فالرجل بغير جدال من أذكى الحكام العرب في العصر الحديث ومن أكثرهم ثقافة وأظهرهم تحضرا، إن الملك الحسن يروي عنى في كتابه ـ صفحة 93،94 - عدة أمور:
1 - إنني ساندت انقلابا ضده قام به قائد جيشه الجنرال محمد أو فقير وقد كان الملك يفقد حياته - فضلا عن عرشه - في هذا الانقلاب لولا معجزة من السماء·
2 - إن مساندتي لهذا الانقلاب جاءت عن طريق علمي المسبق بتدبيره وتعاطفي مع القائمين به·
3 - إن الدليل على ذلك كان طريقة تغطية "الأهرام" الصحفية لهذا الانقلاب فقد كانت تحرير تغطية "الأهرام" وكنت أتشرف برئاسة تحريره أيامها - تغطية عارف من قبل ببواطن الأمور وليست مجرد تغطية صحفية عادية·
4 - إنه عاتبني بنفسه ذات مرة على هذا الموقف وأنني قدمت له شرحا رجوته أن يبقيه سرا وأنه احتفظ بهذا السر لم يبح به حتى الآن وفي كتابه "ذاكرة ملك" فإن أشار إلى هذا السر ولم يسهب حفاظا على مبدأ أن "المجالس أمانات"·
هذا باختصار مجمل ما رواه الملك·
ولابد أن أعترف أنني فوجئت بهذه الرواية فقد كان ظني وانطباعي أن هناك سوء فهم تولد عند الملك من ظروف وملابسات لكن سوء الفهم تلاشى وزال عندما تفضل الملك - كريما - في لقاء بيننا فصارحني بشكوكه وهواجسه وسمع مني الحقيقة كاملة بلاسر ولا لغز وقد قلت كل ما عندي كله أمام شهود بينهم السيد أحمد عثمان وهو صهر الملك ورئيس وزرائه في ذلك الوقت وأمام السيد أحمد بن سودة وقد كان رئيس ديوان الملك ولا يزال أحد مستشاريه المقربين وأمام مولاي عبد الحفيظ رئيس التشريفات الملكية وأيضا أمام صديقي وزميلي الأستاذ جميل مطر وكان يرافقني في تلك الرحلة إلى المغرب العربي في شهر يناير 1975·
ولقد اكتشفت الآن فقط وبعد سنوات طويلة أنني على عكس ظني وانطباعي لم أنجح في إزالة شكوك الملك وهواجسه بدليل أنه عاد إليه من جديد في كتابه "ذاكرة ملك" وإذن فإن ما كان ذات يوم عتابا أو مصارحة قد وجد طريقه إلى العلن داخل العالم العربي وخارجه فكتاب الملك ينشر بالعربية والفرنسية في الوقت نفسه وحلقات منه وجدت طريقها منذ أسابيع إلى الصحف والإذاعات التي أولته اهتماما يتناسب مع حقيقة أن القائل "ملك"·
وربما استأذنت الملك في أن أستعير عنوان كتابه مع تغيير كلمة واحدة ، وذلك بأن أعرض منظوري للموضوع وبدلا من عنوان "ذاكرة ملك" فإنني أستعمل عنوان "ذاكرة صحفي" هذا مع الإشارة إلى أنني لا أتذكر من الذاكرة وإنما من واقع أوراق مكتوبة كانت كتابتها في حينها ولم تجىء استعادة أو استرجاعا للوقائع بعد مرور السنين·
في يناير سنة 1975 كما ألمحت من قبل كنت في زيارة للمغرب وعلى موعد مع الملك الحسن الثاني ووصلت إلى مطار الرباط قادما من باريس ووجدت مندوبا من التشريفات الملكية ينتظرني برسالة مؤداها أن موعدي مع جلالة الملك سوف يكون غدا مساء في فاس "وليس في الرباط أو الدار البيضاء كما حدث في لقاءات سابقة" وأن جلالته أمر أن تسافر بي إحدى طائرات السرب الملكي إلى هناك مباشرة" وكذلك كان ومشيت ومعي الأستاذ جميل مطر خطوات من الطائرة الفرنسية التي جئنا - مع غيرنا من الركاب - عليها من باريس إلى الطائرة الملكية تذهب بنا - وحدنا - إلى فاس·
وصباح اليوم التالي أخطرت أنني ضيف عشاء على مائدة الملك· وفي المساء كنت على باب قصره في فاس وبعد دقائق كنت في حضرته وكان في صحبة الملك من ذكرت أسماءهم من قبل : رئيس الوزراء ورئيس الديوان ورئيس التشريفات ومن جانبي كان معي الأستاذ جميل مطر وكان بكفاءته ودقته يكتب محضرا لوقائع اللقاء بينما الحديث جار والحوار متصل·
وبعد مقدمة من عبارات رقيقة ـ وأنا أكتب الآن وأمامي محضرالحديث المكتوب - فضلا عن انطباعات كتبتها بخطي بعد المقابلة - قال الملك·
عرفت أنك قضيت هذا الصباح في فاس القديمة هل هذه أول مرة تزور فيها فاس؟
قلت:
- نعم والحقيقة أنني قضيت معظم الوقت في جامع - أو جامعة القرويين - وقد عشت لحظة مؤثرة عندما تفضل أمين المخطوطات في مكتبة الجامع فأراني مخطوطة لمقدمة ابن خلدون وقد هزني تواضع ذلك العالم المعلم العظيم عندما وجدته في آخر صفحة من المخطوطة يصادق على ما كتبه النساخ المحترف الذي تلقى منه كتابه - ويرسم بخط يده عبارة "الحمد لله ما نسب إلي صحيح" ثم يوقع بختمه :"عبدالرحمن بن خلدون"
وأبدى الملك رأيا مختلفا في مقدمة ابن خلدون بينما تحمست من جانبي له وقادنا ذلك إلى حديث طويل في تاريخ الأندلس من فتحها إلى سقوطها وإلى عصر ملوك الطوائف وأشهد أن الملك كان متجليا في حديثه عن عبر ذلك التاريخ وحكايات أمرائه ووزرائه وشعرائه·
إن الحديث تداعى بعد ذلك إلى أحوال العالم العربي الراهية والأوضاع السائدة فيه والاحتمالات والنتائج وكان الملك مطلعا في حديثه وعارفا·
وبعد ساعة وعشر دقائق بالضبط جاء من يدعونا إلى العشاء فقام الملك وقمنا معه عبر ابهاء طويلة وقف على جانب منها رجال يهللون تحية له صائحين "عز لمولانا السلطان" كما كانت هناك على جانب آخر نساء يزغردن في تهليل لم أستطع تمييز ألفاظه فيما عدا أنها كانت بالفعل جلجلات سعادة وفرح·
وكان حديث العشاء على أطراف الفن والأدب والتاريخ وقد سرت إلينا من بعيد أصداء موشحات أندلسية امتزجت مع عبق العطور الملكية فملأت قاعة العشاء بجو مثير للخيال وكأن ليالي المجد في قرطبة عادت حية نابضة نشوى بالترف والجمال·
بعد العشاء غسلنا أيدينا بماء الورد يصبه خدم الملك من أباريق ذهبية وعدنا لاستئناف الحديث لكننا لم نرجع إلى القاعة التي بدأناها فيها وإنما قادنا الملك على سلم رخامي بديع إلى بناء أضافه حديثا إلى القصر العريق في فاس وكانت قمته قاعة واسعة تعلوها قبة مرتفعة من الرخام أيضا تتدلى منها أضخم ما رأيت في حياتي من الثريات المصنوعة من أنقى أنواع البللور وكان طراز القاعة بالطبع أندلسيا يتداخل فيه الرخام مع القيشاني وتتصل فيه النقوش البديعة مع خطوط الذهب شعرا ونثرا ما بين القبة والجدران·
وأبديت ملاحظة على حجم الثريا إلى درجة التخوف من احتمال سقوط سقف القبة لثقلها وقال الملك "إنها بالفعل أكبر "نجفة" من نوعها في العالم حسب علمه وأنها صنعت في ألمانيا خصيصا لهذه القاعة التي يحب الجلوس فيها لأحاديث ما بعد العشاء وأقداح الشاي المغربي الأخضر ذهبية مطعمة تدور معطرة على سمار الليل·
واستأنفنا الحديث من حيث تركناه الفن ومن الفن إلى الشعر "ورجوت الملك أن يأذن لي في تسجيل قصائد من الشعر يحفظها ـ بصوته وأذن" ومن الشعر إلى السياسة وراح الملك يتحدث عن تجربته في الملك وكان بين ما قاله أنه تلقى أول درس عملي في الملك في أول يوم من ولايته وكان ذلك أثناء جنازة والده الملك محمد الخامس كان موكب الجنازة مهيبا تفاعل فيه حزن الشعب مع جلال الملك فصنع مشهدا مهولا يندر مثيله وفجأة وبقرب الملك صاح شيخ من المشيعين قائلا "الجنازة يرحمكم الله لرجل"
وقال الملك الحسن لنفسه - طبقا لروايته - هامسا في أعماقه "نعم الجنازة يرحمكم الله لرجل" ثم أضاف لنفسه أيضا "إن هذا درس له فمهما كانت مشاعر الناس وأحزانهم أو أفراحهم ومهما كانت أبهة الملك والملك فإن الختام في النهاية جنازة وجنازة لرجل وهذا ما يتبقى من أي حياة الرجل الإنسان ما يفعله الإنسان والأثر الذي يتركه بعد أن يستوفي عمره ويحل موعد الرحيل"
وتوقف الملك وكان مشهد جنازة والده قد ذكره بشيء يريد أن يقوله ثم عاد يواصل حديثه قائلا:
ربما سمعت أو أنك سوف تسمع ملاحظات عن الضريح الذي قمت ببنائه لأبي بعض الناس يتحدثون عن التكاليف·
إن لي هدفا آخر غير تكريم أبي إنني وأنا أفكر في إقامة ضريح يليق بجهاده وجدت أنها فرصة لإعادة بعث الفنون المغربية من جديد في أعمال البناء وأعمال الرخام وأعمال الحفر على الخشب والرسم والنقش وصنع القيشاني الملون تلك فنون ازدهرت يوما ثم عدا عليها الزمان فكادت تندثر ولقد طلبت أن يبحثوا عن كل الباقين من العمال ممن آلت اليهم خبرة الماضي وتقاليده وطلبت أن يشاركوا جميعا في بناء ضريح أبي ولكني لم أشأ أن تكون مشاركة هؤلاء الرجال الذين يحملون في أعماقهم وعلى أطراف أصابعهم أسرار الفن المغربي ـ مجرد المشاركة بالعمل اليدوي - وإنما أردت أن يتحول كل واحد منهم إلى مدرسة·· يجمع حوله طائفة من المستعدين للتلقي عنه ليكون من ذلك إعادة بعث لفنون المغرب وحضارته"·
وانتقل الملك بعد ذلك في يسر من مشهد الجنازة يرحمكم الله لرجل وهو الدرس الأول في مهنة الملك حسب تعبير الملك إلى تجارب طويل مع الحوادث والرجال وراح الملك يطوف بتجاربه ويستعرض خبراته وفجأة سكت الملك ثم بدا أنه يفكر ثم بدا عليه شيء من التردد ثم بدا أنه حزم أمره على شيء فقال:
أريد أن أكون صريحا معك فلنوقف هذا الحديث الآن لسؤال يدور في خاطري من لحظة لقائنا ولقد كتمته مجاملة لك ولكني أشعر أنني لن أكون أمينا معك إذا لم أصارحك بخواطري"·
* الكتب وجهات نظر - العدد التاسع أكتوبر 1999