رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20رمضان 1420هـ -22-28ديسمبر1999
العدد 1408

تعقيب الأستاذ السيد يسين

·         أين الثقافة العربية في مواجهة النموذج الحضاري الجديد؟

·        المشروع الغربي الذي يقوم على العقلانية والفردية والوضعية في التفكير العيم سقط نتيجة قصوره في الوفاء بالحاجات الإنسانية

·         علينا أن ندرس النظم العربية الراهنة إزاء الإنترنت

·         سقوط الأنساق الفكرية المغلقة... وبروز الوعيين الكوني والعالمي بالبيئة·· ظهور قيم اجتماعية حديثة·· الاهتمام بالقيمة الروحية·· وبروز أنماط جديدة أهم سمات "ما بعد الحداثة"

·        الفجوة اليوم في ظل العولمة والمعلومات أصبحت بين من يعرفون ومن لا يعرفون

·         لم يتطرق الباحث أومليل إلى الانفصام العميق بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير في المجتمع العربي

·        أومليل بنى تحليله على أن الثقافة تمر بأزمة وإن لم يتعمق في مظاهرها وأسبابها الحقيقية السؤال الأهم: كيف نعيد صياغة العقل العربي في ضوء بزوغ مجتمع المعلومات العالمي ونموذج "مابعد الحداثة"؟

 

في ورقة بحثية تتسم بالرصانة وعمق التحليل، استطاع الدكتور علي أومليل أن يطوف بنا حول عدد من المشكلات الأساسية التي تواجه الثقافة العربية في الوقت الراهن، وبطريقة تتجاوز الحديث عن البنية في ذاتها، الى الوظائف التي تقوم بها، والتحديات التي تواجهها في عالم متغير·

ومع ذلك يمكن القول إنه في مسحه السريع لبنية الثقافة العربية، لم يول مسألتين مهمتين ما تستحقانه من اهتمام عميق، الأولى تتعلق بتفكك بنية الثقافة العربية ذاتها، ونعني على وجه التحديد الانفصام الواضح بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير من ناحية، وتشتت الإدراك العربي بين أنصار الماضي في المرجعية والاتجاه، ودعاة المستقبل بكل ما يعنيه ذلك من معنى ودلالات·

والمسألة الثانية الأهم هي الأزمة التي تمر بها الثقافة العربية ذاتها وتشخيص هذه الأزمة، والتي هي في رأي بعض الباحثين ليست مجرد أزمة وإنما هي انهيار للثقافة العربية القديمة، وبوادر بزوغ ثقافة عربية أخرى مختلفة في التوجهات، والتي يحملها فاعلون ثقافيون من جيل جديد، يختلف اختلافات جوهرية عن أجيال المثقفين القدامى·

وتتوزع ملاحظاتنا على اجتهاد الدكتور أومليل في فقرتين: الأولى تحلل نقديا القضايا الأساسية التي أثارها، والثانية تتعرض لما لم يفكر فيه الباحث·

 

أولا: تحليل نقدي للقضايا الأساسية المثارة

 

يبدأ الدكتور أومليل بداية صحيحة وموفقة تماما، حين يفرق بين الحديث عن الثقافة العربية قبل ثورة الاتصال والحديث عنها بعدها، وخصوصا ونحن نعيش في عصر العولمة بموجاتها المتدفقة السياسية والاقتصادية والثقافية·

وقد اختزل الباحث خصائص العولمة في تنميط الاستهلاك، بما في ذلك - كما يقول - "تنميط البضاعة الثقافية"، بحيث أصبحت ثقافات الأمم المنتمية الى العالم النامي "واقعة تحت ضغط الثقافة الغربية المعلومة فتحاول رد الفعل عن نفسها باسم الهوية"·

وفي تقديرنا أن اختزال العولمة ومن بينها ثورة الاتصال في هذه السمات التي أشار إليها الباحث، فيه تبسيط لظاهرة العولمة والثورة الاتصالية، وهو بذلك لا يستطيع الاقتراب الصحيح من جوهر التحول الكبير الذي يحدث في المجتمع العالمي اليوم، وهذا التحول الكبير الذي نتحدث عنه يتمثل أساسا في ظاهرتين متلازمتين:

الأولى هي نشوء نمط جديد من المجتمعات هو ما يطلق عليه "مجتمع المعلومات العالمي"·

والثانية هي بزوغ نموذج حضاري جديد تختلف قيمه واتجاهاته، وأهم من ذلك رؤيته للعالم عن النموذج الحضاري القديم·

 

مجتمع المعلومات العالمي

 

ومجتمع المعلومات العالمي يأتي بعد مراحل مر فيها التاريخ الإنساني، وتميزت كل مرحلة بنوع من أنواع التكنولوجيا يتفق معها، ويمكن القول إن سمات مجتمع المعلومات تستمد أساسا من سمات تكنولوجيا المعلومات ذاتها، والتي يمكن إجمالها في ثلاث:

1 - أن المعلومات غير قابلة للاستهلاك أو التحول أو التفتت، لأنها تراكمية بحسب التعريف، وأكثر الوسائل فاعلية لتجميعها وتوزيعها، تقوم على أساس المشاركة في عملية التجميع،والاستخدام العام والمشترك لها بواسطة المواطنين·

2 - أن قيمة المعلومات هي استبعاد عدم التأكد، وتنمية قدرة الإنسانية على اختيار أكثر القرارات فعالية·

3 - أن سر الوقع الاجتماعي العميق لتكنولوجيا المعلومات أنها تقوم على أساس التركيز على العمل الذهني "أو ما يطلق عليه أتمتة الذكاء"، وتعميق العمل الذهني "من خلال إبداع المعرفة، وحل المشكلات، وتنمية الفرص المتعددة أمام الإنسان"، والتجديد في صياغة النسق الاجتماعي·

ويضيق المجال عن التفصيل في سمات مجتمع المعلومات العالمي، ولكن أهم ما ينبغي الإشارة إليه أنه ستكون له آثار سياسية، تتمثل في ممارسة مختلفة للديمقراطية، بحيث لا تقوم أساسا على مبدأ التمثيل والذي هو محل انتقاد شديد في الوقت الراهن، بحيث تقترب الممارسة كثيرا من نموذج الديمقراطية المباشرة، ما دام مجتمع المعلومات يسمح باستطلاع آراء المواطنين مباشرة من خلال وسائل الاتصال الالكترونية، وهو من ناحية ثانية ستكون له آثار عميقة على إنتاج المعرفة وتداولها وتراكمها، مما يفتح الباب واسعا وعريضا أمام الابتكار والإبداع، بصورة لم تشهدها الإنسانية من قبل·

وإذا كان مجتمع المعلومات العالمي يجد رمزه اليوم في شبكة الإنترنت بما تحتويه من أدوات فعالة كونية للاتصال، مثل البريد الالكتروني، والانضمام لجماعات النقاش، بالإضافة الى الاطلاع المباشر على الوثائق المتوافرة على الشبكة، والتي تقدر بثمانية ملايين وثيقة، فإن علينا أن ندرس سلوك النظم العربية الراهنة إزاء الإنترنت· فنجد أن بعض النظم العربية منعت استخدامها تماما، والأخرى تحاول وضع قيود وحدود على استخدام المواطنين لها، مما يشير الى مسلك النظم العربية إزاء بزوغ وتشكل مجتمع المعلومات العالمي، وهي إشارات لا تبشر بالخبر، لأن مجتمع المعلومات العالمي سيصبح هو بذاته نموذج المجتمع العصري في القرن الحادي والعشرين، والذي سيفرض أدواته وأساليبه على باقي المجتمعات، أيا كانت توجهاتها السياسية· (يكفي أن نشير الى أن التجارة الالكترونية - في بعض التقديرات ستصل 5 ملايين دولار عام 2000!)

 

النموذج الحضاري الجديد

 

هناك إجماع بين الباحثين على أن النموذج الحضاري الذي صاحبنا طوال القرن العشرين، والذي يمكن أن يطلق عليه نموذج الحداثة "وهو المشروع الغربي الذي يقوم على العقلانية والفردية والوضعية في التفكير العلمي والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، قد سقط نتيجة قصوره في الوفاء بالحاجات الإنسانية، وفشله في ميادين متعددة لسوء استخدام العقلانية والتركيز على الفردية·

والنموذج الحضاري الجديد الذي يحاول أن يتجاوز النموذج لاحضاري للحداثة، والذي يطلق عليه "ما بعد الحداثة" يقوم أساسا علي تفكيك البنى الشمولية فكرية كانت أو اجتماعية، والتي كانت تحصر تفكير البشر في حدود جامدة ضيقة، أو تحصر حركتهم من خلال الشمولية، سواء كان ذلك في شكل مجتمعات يسودها الاستبداد كالمجتمع السوفييتي السابق، أو في صورة مجتمعات جماهيرية كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاول صياغة العقل الجمعي من خلال الهيمنة على نظام التعليم والإعلام الجماهيري·

وأهم سمات النموذج الحضاري الجديد:

- سقوط الأنساق الفكرية المغلقة والتحول الى الأنساق الفكرية المفتوحة، حيث تتعدد البدائل والخيارات أمام الناس·

- بروز الوعي الكوني وتعميق الثورة الاتصالية·

- بروز الوعي العالمي بالبيئة·

- ظهور قيم اجتماعية جديدة، مثل الانتقال من التركيز على القيم المادية الى التركيز على البيئة المستدامة·

- الاهتمام بالقيم الروحية والتي تأخذ أشكالا شتى، ليست بالضرورة تطبيقا لقواعد الأديان المعروفة·

- بروز أنماط جديدة من أساليب الحياة قابلة للدوام، لا تكتفي بماديات الحياة وإنما تعني أيضا بمعنى الحياة·

في ضوء ذلك كله، من المهم إثارة السؤال: أين الثقافة العربية في مواجهة النموذج الحضاري الجديد؟

إذا جاز لنا التعميم، لقلنا أن النظم الشمولية العربية التي تقوم شرعيتها على أساس ثورة مزعومة، أو تلك التي تقوم شرعيتها على أساس قراءة مشوهة وغير موضوعية للدين الإسلامي، لن يكون لها موضع في القرن الحادي والعشرين، والذي سيسوده بعد حقب معدودة، النموذج الحضاري الجديد بكل مكوناته الأساسية التي ألمحنا إليها، ومن هنا يحق التساؤل عن قدرة الثقافة العربية، بما فيها الثقافة السياسية، على التجدد للتفاعل مع التحول العالمي الكبير، ومن هنا تجيء أهمية إشارات الدكتور علي أومليل لتلك التيارات في الثقافة العربية التي ترفض فكرة الحرية نظرية وتطبيقا·

وفي معالجته للتحدي الأساسي الذي تواجهه الثقافة العربية يصيب الباحث تماما في تقريره من أهمية إنجاز تراكمين متكاملين: التراكم الاقتصادي لإرساء الديمقراطية على قاعدة اقتصادية، والتراكم السياسي الديمقراطي، لكي تصبح الديمقراطية هي بنية النظام الاجتماعي والسياسي·

وفي إشاراته الى الإنجاز النظري الذي حققه فيلسوف هارفارد جون رولز في كتابه الشهير "نظرية عن العدل" وعي بصير بأهمية إدخال رولز لبعد العدالة الاجتماعية في مبدأي العدل لديه وهما: الحرية السياسية والعدل الاجتماعي، غير أن رولز تجاوزه الزمن اليوم! ذلك أنه كان يتحدث عن مجتمع ما قبل العولمة، حيث كانت الفجوة تتعلق أساسا بين من يملكون ومن لا يملكون·

لقد أصبحت الفجوة اليوم - في ظل العولمة ومجتمع المعلومات - هي بين من يعرفون ومن لا يعرفون، وهكذا بزغت مفاهيم جديدة غير مسبوقة مثل "الفقر المعلومي" و"الفقر المعرفي"، مما يدعونا الى ضرورة إعادة صياغة مبدأ العدالة الاجتماعية بالكامل، ليصبح بالإضافة الى ضرورة إعادة توزيع الدخل، الحق في الحصول على المعلومات، وكفالة الحق في الحصول على المعرفة·

ويثير الدكتور أومليل مسألة مهمة، كانت موضع مناظرات عقيمة في الفكر العربي المعاصر: هل ينبغي أن نطبق الحداثة الغربية، أم أننا نستطيع أن نبتدع حداثتنا الخاصة، بالاستناد - كما يقال دائما - الى تراثنا وأصالتنا؟

وقد حسم مفكر إسلامي مصري معروف هذا الجدل وهو الدكتور محمد سليم العوا، وهو بصدد مناقشة الخلاف حول الشورى وهل هي نظام مستقل تماما عن الديمقراطية الغربية كما ذهب الى ذلك أستاذنا الدكتور توفيق الشاوي في كتابه الجامع عن "الشورى والاستشارة"، حين قرر بكل حسم، الشورى مرادفة للديمقراطية الغربية حسما للجدل العقيم، وفي ضوء ذلك يمكننا التأكيد على أن الحداثة الغربية التي تتحول الآن الى ما بعد الحداثة هي النموذج الحضاري العصري الأساسي الذي يصلح كمرجعية لنا لتحقيق التقدم، بشرط أن نقرأه بعيون نقدية، قادرة على التمييز بين السلبيات والإيجابيات، حتى نصوغ نموذجا حضاريا قادرا على الالتحام بتراثنا المحلي·

وحين ينتهي الباحث الى طرح السؤال، كيف السبيل الى تجديد بنية الثقافة العربية الراهنة؟ لا يجد مناصا من الحلم بقيام سلطة سياسية مستنيرة، تقوم على توافق بين الفاعلين الاقتصاديين والنشطاء السياسيين والمنتجين الثقافيين، وقادرة على إدراك منطق التحويلات في عالم اليوم، تلافيا لتهميش المجتمع العربي، لو لم يلحق بركب التقدم الراهن·

وهو لم يبتعد عن الحقيقة حين مارس نقده للعولمة بأنها قد تؤدي الى تشكيل أقلية تمتلك المعرفة المتقدمة، وأكثرية تغلب عليها الأمية أو تتعلم تعليما غير نافع في عالم اليوم، ونقول له إن هذه ليست حتمية من حتميات العولمة، بقدر ما هي نتيجة حتمية لتقاعس النخبة السياسية العربية، عن اتخاذ القرار الاستراتيجي بضرورة تعليم الأمة العربية، والقضاء على العار الحضاري الخاص بارتفاع نسبة الأميين بين الشعب العربي، وضرورة تطوير نظام التعليم التقليدي، حتى يصبح تعليما عصريا يتفق مع مجتمع المعلومات العالمي والنموذج الحضاري الجديد

 

ثانيا: القضايا التي لم يفكر فيها الباحث

 

هل تعيش الثقافة العربية في أزمة؟ وإن كان هذا صحيحا فما هي علاماتها؟ أم أن الثقافة القديمة تمر بمرحلة انهيار كامل وتتحول الى نموذج ثقافي جديد له رؤيته المختلفة للعالم والتي يتبناها مثقفون عرب جدد؟

قد يكون من الإجحاف بالباحث القول إنه لم يفكر في أزمة الثقافة العربية إطلاقا، فقد بنى تحليله على أساس أن الثقافة العربية تمر بأزمة، وإن كان لم يتعمق - في تقديرنا - مظاهرها وأسبابها الحقيقية·

وقد سبق لنا أن تعرضنا للموضوع بالتفصيل في ندوة "مستقبل الثقافة العربية" التي نظمتها من قبل مجلة "عالم الفكر" في الكويت، في بحث عنوانه "الفكر العربي والزمن: أين نحن من نهضة مطلع القرن"؟

وقد أجملنا نظريتنا في تحليل أزمة الثقافة العربية في تزامن ثلاثة أزمات معا: أزمة شرعية النظم السياسية العربية، وأزمة الهوية، وأزمة العقلانية العملية·

غير أننا عنينا بالعرض النقدي لاجتهاد نشره الأستاذ محيي الدين اللاذقاني عن انهيار النظام الثقافي العربي القديم والذي وصل الى منتهاه - كما يرى - بقيام حرب الخليج والغزو العراقي للكويت·

أزمة أم انهيار؟ كان ذلك هو محور مناقشتنا التي لا يتسع المقام لعرض خطوطها العريضة·

أما المسألة الثانية والتي لم يفكر فيها د· علي أومليل فهي الانفصام العميق بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير في المجتمع العربي، بكل الآثار السلبية لهذا الانفصام· المؤشرات التي تؤكد صحة الملاحظة متعددة، ولكن الأهم من كل ذلك هو السؤال الذي أثرناه أكثر من مرة: من الذي يشكل العقل الشعبي العربي؟ وكيف نعيد صياغة العقل العربي في ضوء بزوغ مجتمع المعلومات العالمي، وظهور النموذج الحضاري الجديد؟

طباعة  

من أوراق ندوة الثقافة وقضايا الحياة العربية الراهنة في مهرجان القرين الثقافي السادس
إشكالية البنية الثقافية العربية