· الرابطة الدينية شكلت رابطة جماعية وحصنا للدفاع عن الهوية الوطنية في البلدان الإسلامية
· التجادل في الديمقراطية هل هي حلال أم حرام أرجع الفكر السياسي إلى الوراء
· الديمقراطية لن تترسخ إلا نضال ديمقراطي طويل وشاق
· النمو الاقتصادي لا ينبغي انفصاله عن التنمية الديمقراطية
· أصحاب المذهب النفعي يرون أن حرية الفرد واختياراته هي أساس نظام المجتمع
· تحديث الثقافة العربية كفيل بتكوين رأس المال الإنساني حتى نستطيع المنافسة في عالم سريع التطور
· ثقافات الأمم المنتمية إلى العالم النامي أصبحت واقعة تحت ضغط الثقافة الغربية المعولمة
· الحرية انتقلت إلى الفكر الغربي السياسي المعاصر منذ حركة الإصلاح الحديثة
· حرية الفكر خرجت من أحضان حركة الدفاع عن الحرية الدينية في أوروبا
· في عالم ثورة الاتصالات لابد من تعايش الثقافات كشرط من شروط استقرار العالم
· إن هناك خللاً صارخاً في إنتاج ونشر المنتج الثقافي في عالم اليوم وحدة الثقافة غير كافية لبناء كيان عربي متكامل الارتباط سياسياً واقتصادياً واجتماعياً
أ· د· علي أومليل:
إن أي حديث عن الثقافة الآن لا يمكن أن يكون هو نفس الحديث عنها منذ عقود قليلة، أي قبل ثورة تكنولوجيا الاتصال، وانتصار اقتصاد السوق، واتجاه العالم نحو العولمة بخصائصها التي منها تنميط الاستهلاك، بما في ذلك تنميط البضاعة الثقافية· ونتيجة لذلك، أصبحت ثقافات الأمم المنتمية الى العالم النامي واقعة تحت ضغط الثقافة الغربية المعولمة، فتحاول رد الفعل بالدفاع عن نفسها باسم الهوية، وقد تفلح في ذلك وقد لا تفلح، لأن العولمة تلقي الى الهامش بمجتمعات وثقافات، وتعمل على تفتيتها، فيكون هناك عولمة من جهة، عولمة المجتمعات المتقدمة المتحكمة في مراكزها وشبكات مصالحها وتواصلها، ومن جهة أخرى تفتيت ثقافي وديني طائفي وعرقي·
هناك الآن خطاب سائد لدى الكثيرين من الكتاب والمحللين الغربيين، وهو أن نجاح أو فشل البلدان غير الغربية متوقف على نجاحها أو فشلها في شيئين: بناء اقتصاد سوق منافس، وإنجاح التجربة الديمقراطية الليبرالية وأن بناءهما سار جنبا الى جنب في تجربة الغرب الحديث، وأن هناك قيما ومبادئ أساسية مكنت من تغيير في العقليات، وخلق سلوكيات فردية، ومجتمعية جديدة، مثل الحرية، والفردانية، والعقلانية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، فتأسست الرأسمالية، والدولة الديمقراطية الحديثة، فالرأسمالية وحدت السوق الوطنية، وخلقت الاقتصاد على مستوى العالم، وضبطت الوقت لتنظيم وتكثيف الإنتاج، وعقلنت المقاولة وعممت هذه العقلانية في السلوك والعلاقات، وتنظيم الأسرة، والمجتمع، ونظام الدولة والديمقراطية قامت على النظام التمثيلي، وتكافؤ الفرص، والحريات الشخصية والعامة، وحق المشاركة، وتداول السلطة·
الغرب الحديث - يؤكدون إذن - استثنائي في التاريخ، لكنه الاستثناء الذي أصبح يفرض نفسه كقاعدة بمعنى أنه لم تتحقق خارج الغرب التنميتان معا، الاقتصادية، والسياسية الديمقراطية، والأساس في ذلك كله هو طبيعة قيمته الثقافية، وفي مقدمتها قيمة الحرية· والقائلون بالاستثنائية الغربية، ولو أنهم يرجعون الى أصوله اليونانية، إلا أنهم يرون أن الحرية بمفهومها الحديث قد تحددت مع الغرب الحديث، ذلك أن حق المشاركة في شؤون المدينة اليونانية كان حكرا على الأفراد الأحرار دون العبيد والنساء والأجانب عن المدينة· وقد تبلورت الحرية مع نشأة الغرب الحديث - كقيمة أخلاقية، ومبدأ للسلوك والمسؤولية، وإطار للعلاقات المجتمعية، وفي العلاقة القانونية بين الفرد والدولة بضبطه القانون - وذلك على مستويات متضافرة: مستوى الجماعات المهنية التي عملت على التحرر من الالتزامات الجبائية وغيرها تجاه السلطة، ومستوى الحرية الدينية التي ناضل من أجلها أصحاب مذهب الاحتجاج للاعتراف لهم بحرية إعلان عقيدتهم وممارسة شعائرها والتحرر من سلطة الوساطة الكنيسية، وقد شمل هذا المفهوم حرية الفكر عموما كمبدأ للإبداع الأدبي والإنتاج الفكري والبحث العلمي والفلسفي، وأيضا مستوى الحرية السياسية ضدا على الحكم المطلق، وذلك بإقرار حرية الفرد كأساس للتعاقد على النظام السياسي، وهكذا أصبحت كلمة الحرية كما كتب تورغو سنة 1770: "تكوّن في حد ذاتها عقيدة سياسية لجماهير من الناس"·
كيف انتقلت هذه الفكرة خارج المجال الغربي؟
ينبغي أن نسلم بأن مفهوم الحرية في تراثنا حصل الاهتمام به في مجالين: مجال فقهي في الأحكام المتعلقة بكل من العبد والحر· فالحرية تتقابل العبودية· ومجال كلامي، حيث كان جدل المتكلمين يدور حول نسبة الأفعال الإنسانية: هل الإنسان خالق أفعاله كما ذهبت المعتزلة، أو هي كسب كما قال الأشاعرة، أم أن الأفعال كلها قدر من الله ولا تنسب الى الإنسان أصلا كما ذهب الجبرية· لم يتسع إذن هذا النقاش الكلامي لينقل الحرية الى مجال الحرية الشخصية أو الى المستوى السياسي، فلم يكن من قبيل المفكر فيه حتى عند المعتزلة الحديث عن الحرية كحق طبيعي للفرد وإثبات هذا الحق قانونا بكل ضمانات الحرية الشخصية، كما لم يكن من المفكر فيه عندهم التصور المدني والسياسي للحرية، أي ما يتعلق بالحريات العامة· ومع ذلك فحتى لو صح أن الغرب هو مبتكر الحرية كمفهوم وكحريات شخصية وعامة فإن هذا لا يعني استحالة تأصيلها خارج مجال الغرب·
من هنا نجد أن فكرة الحرية قد انتقلت الى الفكر العربي المعاصر، والى الفكر السياسي بالذات منذ حركة الإصلاح الحديثة· وقد انتقلت الفكرة عبر وساطة الحرية الإصلاحية العثمانية، إذ لا ينبغي أن ننسى أن المثقفين العرب - حين كانت أغلبية البلدان العربية ولايات عثمانية - كانوا وثيقي الاتصال بحركة الأفكار والإصلاح العثمانية· وقد استعمل شعار الحرية، مثل شعارات أخرى حملتها الثورة الفرنسية في الدعاية ضدا على الدولة العثمانية من أجل استقلال أقطار أوروبية كانت تابعة للامبراطورية العثمانية خاصة في منطقة البلقان· وعلى الرغم من ذلك، فقد تبنت الحركة الإصلاحية العثمانية، وبالتالي الحركة الإصلاحية العربية، فكرة الحرية في مواجهة ما اعتبره الإصلاحيون السبب الرئيسي لتأخر الشرق، أي النظام الاستبدادي (العثماني)·
لم تجد الحرية اعتراضا من طرف الإصلاحيين العرب والمسلمين، بمن فيهم السلفيون، مثل ما هو حاصل الآن عند الذين يطلق عليهم "الأصوليون" والذين يرفضونها بزعم أنها تفضي الى الإباحية والإلحادي، لماذا؟ التفسير هو أن الذي جعل فكرة الحرية تروج في كتابات وخطب الإصلاحيين هو أنها استعملت في مناهضة الاحتلال الأجنبي، ولذلك وقع ترادف بين الحرية والاستقلال· فحين كان يرفع شعار الحرية في بلد مستعمر، فقد كان يعني قبل كل شيء الاستقلال الوطني من ربقة الاستعمار وأيضا فإن الحركات الوطنية طالبت بإقرار حق الأهالي في الحريات الشخصية والعامة كمطلب للاعتراف القانوني والفعلي بحرية نشطاء الحركة الوطنية· فحرية الرأي، وحرمة المسكن، وضمان سرية المراسلات، هي حريات شخصية، إلا أنها قبل كل شيء كانت ضرورية لحماية النشاط الوطني· فمطالبة قادة الحركة الوطنية في الأقطار العربية الإدارة الاستعمارية بضمان الحريات الشخصية والعامة كان من أجل أن تعترف لهم هذه الأخيرة بالحق في إنشاء التنظيمات الوطنية، السياسية والنقابية والثقافية والرياضية·
الانتقاء المصلحي للحريات
لهذه الأسباب نفهم لماذا كانت فكرة الحرية مقبولة، بل وضرورية، إبان الفترة الاستعمارية، ومن هنا حصل نوع من الانتقاد المصلحي للحريات· فحرية الفكر مثلا التي كانت تعني الوطنيين كانت هي حرية التعبير وحرية الصحافة وانتقاد الإدارة الاستعمارية، ونشر الأفكار الوطنية، ولم تكن مطروحة آنذاك ولا كانت ضرورية مجالات أخرى لحرية الفكر، مثل العقيدة الدينية، ولم يكن من الممكن أن يكون الأمر غير ذلك، فالدين له شأن آخر في البلد الواقع تحت الاستعمار يختلف عن التجربة الدينية في أوروبا حيث كانت المسألة الدينية موضوع صراع فكري وسياسي، فخرجت حرية الفكر من أحضان حركة الدفاع عن الحرية الدينية· أما في البلدان الإسلامية، فقد شكلت الرابطة الدينية رابطة جماعية وحضنا للدفاع عن الهوية الوطنية· هكذا إذن حصل نوع من الانتقائية في الاهتمام بالحريات، فتركز الاهتمام والمطالبة ببعضها وأهمل بعضها الآخر، فتصدر الاهتمام بالحريات العامة على الحريات الشخصية، وحتى حين حصل الاهتمام بهذه الأخيرة فلأجل دورها في تعزيز العمل الوطني وليس لقيمتها الذاتية، كما سبق أن ذكرنا بالنسبة لحرية الفكر وحرية المسكن وسرية المراسلة·
من هنا نفهم لماذا كانت فكرة الحرية مقبولة لدى مفكري السلفية المحدثة، فحاولوا تأصيلها إسلاميا· فالحرية عند علال الفاسي ليست معطى طبيعيا كما ذهب الى ذلك أصحاب فلسفة الحقوق الطبيعية التي شكلت المرجعية الكلاسيكية لمفهوم ومبادئ حقوق الإنسان· فالحرية لدى هذا المفكر المغربي "جعل قانوني وليست حقا طبيعيا··· الإنسان لم يخلق حرا وإنما خلق ليكون حرا"· بل نجد حتى أبا الأعلى المودودي والترابي ينوهان بفكرة الحرية فهي عند الأول "إخلاص لعبودية الله" وكلما زاد الإنسان إخلاصا في العبودية زاد تحررا من كل مخلوق في الطبيعة· والمودوي يذهب أبعد فيقول بحق غير المسلمين في الدولة الإسلامية في حرية التعبير حتى في انتقاد الدين الإسلامي"·
تحريم الحرية
ولا بد أن يستغرب قارئ هذه الأقوال وأن يتساءل عن مآلها في التنظيمات السياسية والإسلامية التي أنشأوها أو نسبت الى أفكارهم·
وهناك كتاب إسلاميون يحرمون الحرية تحريما· فنجد أحدهم يقطع بأن "الحرية تحمل من الشر ما لا يخفى" وأنه "تحت ذريعة هذا التسيب نودي باحترام ما يسمى بالرأي الآخر أو المخالف"، والذي لا يقصد منه سوى "احترام الفكر"· فالديمقراطية عنده كفر، إذ لا يشك في أن "جناح الكفر المرفرف الآن هو الديمقراطية" وأن "الديمقراطية الحقيقية يقتلها الإسلام·
ونجد كاتبا آخر يعرض ما يعرفه عن الديمقراطية وقواعدها "وهي معرفة سطحية كالتي نجدها عادة عن هؤلاء الذين يرفضونها باسم الإسلام أو ما يعتقدون أنه كذلك"، فيرفض مفاهيم سيادة الشعب، وآلية الانتخاب، وحكم الأغلبية، ومفهوم الإرادة العامة··· الخ· والغريب أن هذين الكاتبين لا يردان بعنف على الديمقراطيين، أو أنصار الحداثة السياسية وحسب، بل على كتاب إسلاميين لا يرون رأيهم· فمؤلف كتاب نقض النظام الديمقراطي يرد على من قال إن الديمقراطية هي الشورى الإسلامية أمثال مصطفى الشكعة وأحمد كمال أبو المجد وشيخ الأزهر الأسبق المراغي وغيرهم· وحين يقول الشيخ القرضاوي: "إن علينا أن نقتبس من أساليب الديمقراطية ما لا بد منه لتحقيق العدل"، فإن كاتبا إسلاميا آخر يتصدى له قائلا: "من يلزم المسلم باقتباس الكفر والظلم وإهانة الإنسان"· ثم يردف: "الى أي شيء نفتقر نحن المسلمين في المجال السياسي والحكم والتشريع وهذا كتاب الله وسنة رسوله ([) بين أيدينا"؟ فحين يقول "بين أيدينا" فمن يعني؟ ذلك أن الشيخ القرضاوي وغيره هم أيضا يرجعون الى الكتاب والسنة، بمعنى أن الكتاب المقدس الواحد له قراءات، والدليل على ذلك اختلاف الإسلاميين أنفسهم كما هو واضح الآن· وهذا الكاتب يرد أيضا على الشيخ عبدالسلام ياسين· وهو رئيس جماعة سياسية - دينية يعتبرونها في المغرب متطرفة· وقد ألف كتابا عن الديمقراطية هاجمها فيه بدعوى أنها مادية ملحدة· فها نحن إذن نرى طائفة من الإسلاميين لا يكفرون فقط من يقولون عنهم علمانيين، بل يكفرون بعضهم بعضا·
كم تراجع الفكر السياسي عند بعض الناس عندنا وهم يتجادلون في الديمقراطية هل هي حلال أم حرام؟ هذا في الوقت الذي تعرف فيه المسألة الديمقراطية نقاشا خصبا جدد التفكير حولها نتيجة للتطورات الكبرى التي شهدها العالم في الفترة الأخيرة· فلنعرض لبعض قضاياها التي يدور حولها الآن النقاش·
لقد جرى التسليم بأن الديمقراطية تقابل الاستبداد مقابلة تعارض· وقد كان الأمر كذلك منذ نشأة الفكر الديمقراطي· لكن هذا لم يمنع الديمقراطية من أن تنحرف هي نفسها أحيانا الى نوع من الاستبداد· سواء كان استبداد الأغلبية، أو استبداد جماهير منساقة بدعاية أو عقائد غير ديمقراطية، أو أن يصعد الى الحكم باسمها أو بنفس آليتها الانتخابية ديكتاتور يختزل الشعب في شخصه، هذه مسألة نوقشت في الفكر الغربي منذ القرن الماضي خاصة من لدن مفكرين انتقدوا نظرية جان جاك روسو في الإدارة العامة· فالبداية عند روسو هي الفرد وحريته الطبيعية· يتنازل عنها باختياره - أو هكذا نظريا - لبناء تعاقد اجتماعي ببناء إرادة عامة· ورأوا أن الفرد في نهاية الأمر تضيع حريته وفردانيته لأن هذه الإرادة العامة قد يحكم اسمها حاكم طاغية أو نظام مستبد، فحين يقول روسو: "إن كل واحد منا يضع وضعا مشتركا ذاته وقدرته تحت القيادة الأسمى للإرادة العامة·· "فإننا نجد اعتراضات على أفكاره من قبل كتاب انتقدوا، ومنذ القرن الماضي، نظرياته في الإرادة العامة، والعقد الاجتماعي، وسيادة الشعب·
يقول بنجامان كونستان: "إن خطأ روسو هو أنه قد جعل من عقده الاجتماعي، والذي كثيرا ما قيل إن هذا العقد هو لصالح الحرية، الأداة الرهيبة لكل أصناف الطغيان (···) واستعباد أي فرد بكل حقوقه استعبادا مطلقا لصالح الجماعة·
إن التعريف التقليدي للديمقراطية بأنها حكم الشعب بالشعب يحيل الى تفكير شعبوي قد يؤدي الى نقيضها· فالشعبوية تحسن الظن بالشعب بإطلاق، وأنه بغريزته ينشد الصالح العام، في حين أن الشعب متضارب المصالح والآراء والعواطف، ولا يمكن أن نطمئن الى أن الديمقراطية هي في حد ذاتها تنظيم عقلاني يتجاوز التضاربات لبناء علاقات تقوم علي التوازن والإنصاف، لا بد إذن من مرجعية للديمقراطية· ولهذا ميز بعضهم بين الديمقراطية الليبرالية وبين غيرها من الديمقراطيات، فالديمقراطية الليبرالية هي "نظام سياسي يتسم ليس فقط بانتخابات حرة ونزيهة، وإنما أيضا بحكم القانون، والفصل بين السلطات، وصيانة الحريات الأساسية في الكلام والدين والملكية·
العملية الانتخابية
تكاد تؤول الديمقراطية عند الكثيرين الى العملية الانتخابية· ونفهم أهمية ذلك في دول تصنع فيها الانتخابات صنعا لتكوين برلمانات موالية أو ليس فيها برلمانات منتخبة أصلا· من هنا تطرح مسألة الانتخابات المباشرة النزيهة مطلبا أساسا لإقرار النظام الديمقراطي· ومع ذلك، فلا يمكن أن تختزل الديمقراطية في عملية انتخابية· ذلك أن نتائج ما سوف تسفر عنه صناديق الاقتراع ما هو سوى محصلة نوع الثقافة السياسية السائدة لدى أغلبية المقترعين· فلنفترض أننا سنطرح لاستفتاء عام مهما كان حرا وشفافا مسألة المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في أي بلد عربي، فإنه ليس من المؤكد أن أنصار هذه المساواة سوف يفوزون ديمقراطيا، لذا، فإنه لا بد للديمقراطية من مرجعية، وهي قيم ومبادئ حقوق الإنسان· ليس معنى ذلك أن نتوقف عن مطلب الانتخابات العامة والنزيهة الى أن تعم ثقافة حقوق الإنسان، بل معناه أنه لا ديمقراطية من غير ديمقراطيين· أو بمعنى آخر، إن الديمقراطية لن تترسخ إلا بنضال ديمقراطي طويل وشاق، حتى تتأسس الديمقراطية على سند من ثقافة ديمقراطية هي نفسها ثقافة حقوق الإنسان·
الديمقراطية إذن تراكم، لكي ترسخ مؤسساتها وآلياتها وثقافتها وتصير عوائد في العقليات والممارسات، سواء تعلق الأمر بالعلاقات داخل الأسرة، أو بين المرأة والرجل، أو بين المواطنين، أو داخل منظمات المجتمع المدني، أو بين المجتمع والدولة·
تراكم اقتصادي وسياسي
لكن الإشكال بالنسبة لبلدان مثل بلداننا العربية هو كيف يمكن إنجاز تراكمين متكاملين: تراكم اقتصادي لإرساء الديمقراطية على قاعدة اقتصادية، وتراكم سياسي ديمقراطي لكي تصبح الديمقراطية هي بنية النظام الاجتماعي والسياسي· وكثيرا ما قيل إن الديمقراطية غير ممكنة مع اتساع قاعدة الفقر·
وليس معنى ذلك إرجاء قضية الديمقراطية الى حين إنجاز نمو اقتصادي، بل معناه أن هدف النمو الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصل عن هدف التنمية الديمقراطية· ذلك أن الديمقراطية عدالة ليس فقط أمام القانون وفي التصويت الانتخابي وإنما هي أيضا عدالة اجتماعية·
لقد تجدد التفكير ولانقاش في الفترة الأخيرة حول مسألة العدالة، ولذلك سبب: وهو سيادة اقتصاد السوق على مستوى العالم·
يغلب الاقتصاديون الليبراليون الجدد منطق الفعالية الاقتصادية على سياسات الاقتصاد الاجتماعي التي تتوخى التضامن مع الفئات الأقل حظا في المجتمع، واللجوء الى الضرائب كآلية لإعادة توزيع الثروة وتمويل المرافق الاجتماعية كالخدمات الصحية والتأمين الاجتماعي وتعميم التعليم ومجانيته، وأيضا مراقبة الأسعار ونظام الأجور···
أما الليبراليون العرب التابعون، وخاصة رجال الأعمال منهم، فإن قضية العدالة عندهم تختزل في المطالبة بنظام قضائي فعال وسريع، فقط لأن سير الأعمال المالية والتجارية يتطلب ذلك· أما العدالة في مفهومها الاجتماعي فهي لا تعنيهم وحسب، بل هم يرونها عبئا على الدولة التي عليها أن تخفف من أعباء تمويلها· وحين يذهب الليبراليون أبعد في مسألة العدالة، فهم لا يتعدون مفهومها القانوني: مساواة المواطنين أمام القانون أو مساواتهم حين يذهبون الى صناديق الاقتراع· ويقولون إن العدالة الاجتماعية هي ضد الفعالية الاقتصادية، وتستلزم أعباء مالية على الدولة العصرية أن تخفف منها، كما تتطلب منها أدوارا وظيفية ليست من اختصاصها· وعلى كل - يؤكدون - فقد انتهى عهد دولة الرعاية والرفاه، سواء كان ذلك حقيقة أم مجرد شعار·
عدالة
هل العدالة توزيعية أم هي تبادلية؟ الذين ذهبوا مذهب العدالة الاجتماعية قالوا بالمقالة الأولى، أما المقالة الثانية فهي مذهب الليبراليين· المقالة الأولى اعتمدت تدخل الدولة لبناء النسيج الاجتماعي على التضامن، ومحاربة المجتمع الطبقي، واعتماد آليات في توزيع الثروة وتقريب الأجور ودعم القوة الشرائية للفئات المجتمعية الأقل حظا، وتوفير الخدمات الاجتماعية الضرورية، وأصحاب المقالة الثانية اعتمدوا اعتبار مكافأة الجهد الشخصي، والمبادرة واحترام مبدأ الحرية الذي يقلص تدخل الدولة ويفسح المجال لجني ثمار الجهد الشخصي والابتكار والمبادرة· لكن المشكل ليس في المنطق، بل أمام مجتمع قائم بتفاوتاته المتوارثة في المواقع والعلاقات حيث تتفاوت منطلقات الأفراد على نحو هو أبعد ما يكون عن المساواة في فرص الانطلاق·
في كتابه نظرية العدالة، والذي نوقش كثيرا منذ صدوره في أوائل السبعينيات، يبني جون رولز نظريته على فكرة العقد الاجتماعي كما أرسى مفهومها جون لوك وروسو وكانط· يتخيل رولز موقفا متساويا للأفراد يكون كل واحد كامل الحرية، ويلف الأفراد فيما يسميه الكاتب "حجاب الغفلة"، فالأفراد يكونون على جهل مسبق بما سيؤول إليه المجتمع من فروق في الثروة ومكانة العائلة والمعتقدات والاختلافات العرقية والتفاوت الطبقي· النموذج النظري الذي يبنيه رولز يبدأ من مبدأ الحرية، بأن لا تكون هناك عوائق مسبقة تقيد حريات الأفراد الأساسية، لكنه يقر بواقع الفروق في الموهبة والكفاءة والكد والاجتهاد· فالرهان إذن هو ضمان العدالة دون طمس الفروق المستحقة· لكن فروقا في الطبقات ومكانة العائلة والمعتقد والعرق تتراكم وتترسخ بالزمان والعادات· من هنا العودة الى فكرة العقد الاجتماعي كفكرة إجرائية لكي لا تصبح الفروق مجرد امتيازات متوارثة مع تهميش أو إقصاء فئات من المجتمع، وهكذا يكون مبدأ العدالة هو إعادة إقرار تكافؤ الفرص، وإقرار سياسة التضامن، أي بناء المجتمع على مبدأ الديمقراطية· نظريته في العدالة إذن هي نقض لليبرالية المتطرفة، خاصة عند أصحاب المذهب النفعي الذين يعتبرون حرية الفرد واختياراته هي أساس نظام المجتمع· العدالة عند الكاتب ليست مساواة، بل إنصاف· هو مع الفعالية الاقتصادية ولكن دون احتكار، وهو مع الحد من الآثار السلبية الاجتماعية لاقتصاد السوق·
سياسة اجتماعية
اعتراض الليبراليين على تبني الدولة سياسة اجتماعية ليس لأن تمويلها يثقل كاهلها ويقيدها وحسب، وإنما لأن مثل هذه السياسة تمنع تراكم الادخار· وقد بين اقتصاديون مرموقون، أمثال كينز، أن تراكم الادخار قد حصل تاريخيا على حساب العدالة الاجتماعية· فقد أوضح أن التراكم الكبير لرأس المال قبل الحرب العالمية الأولى ما كان ليتحقق لو أن الثروة قد وزعت على أساس من العدالة· فلو حدث في القرن التاسع عشر أن فائض الدخل الذي كان في أيدي الأغنياء الجدد من الصناعيين ورجال الأعمال قد أنفقوه في البذخ والاستهلاك المظهري لما قامت الرأسمالية· وهكذا تراكم ادخار أفادت منه الأجيال اللاحقة· وهنا يتساءل رولز: ما مبدأ الادخار الذي يكفل العدالة بين الأجيال؟ إن العدالة لا ينبغي أن تقاعس على مدى جيل واحد، بل على مدى أجيال· ذلك أن التراكم لا بد أن يحصل بتضحيات، وهذا ما تدل عليه تجربة التراكم الرأسمالي في الغرب· فالتطور الاجتماعي قد قام على غير اعتبار للعدل الاجتماعي·
نضالات اجتماعية
وقد صحب مسلسل بناء الرأسمالية في الغرب نضالات اجتماعية من أجل رفع الأجور، وتحديد ساعات العمل وتحسين ظروفه، ومن أجل التأمين الاجتماعي، والاعتراف بحق التنظيم النقابي للدفاع عن الحقوق الاجتماعية· إلا أن المكتبات التي حصلت بالتراكم في الغرب (النمو الاقتصادي، وبناء دولة القانون، وإرساء المؤسسات الديمقراطية، وتحقيق الحقوق الاجتماعية)
تصبح مطالب آنية لدى الأمم الأخرى، لأن شعوبها تقيس أوضاعها بما أصبح واقعا لدى الأمم المتقدمة· كيف إذن يمكن جعل شعوب الدول النامية تحتمل الانتظار؟ وهل يمكن تقليص الزمان واختزال التراكم؟ هناك جوابان: جواب المعتقدين في الثورة، وأن هذه الأخيرة بواسطة السلطة الاستثنائية والتعبئة الشاملة تقوم باختزال المراحل لتجاوز التأخر· لكن حصيلة الثورات في البلدان النامية هي ما نعلم· وهناك جواب آخر، وهو أن نموذج التنمية ليس هو النموذج الغربي، وأن المداخل الى التنمية وأنماطها تتعدد بتعدد الخصائص الثقافية والاجتماعية للأمم· لكن، إذا فرضنا أن هناك حداثات وليس نموذج الحداثة الغربية وحده هو النموذج الممكن، فإن أي حداثة - لكي تكون كذلك - لا بد وأن تستوفي شرط الندية في عالم اليوم، بأن تتأسس على اقتصاد منافس، وديمقراطية حتى ولو اختلفت آلياتها فإن المقياس هو المشاركة الحقيقية للناس في الشأن العام وضمان حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية·
الثقافة السياسية
إن التوازن الاجتماعي، والاستقرار السياسي القائم على التوافق الديمقراطي، يعودان الى طبيعة الثقافة السياسية السائدة· إن النمو الاقتصادي، والتنمية الديمقراطية السياسية كلاهما يقضتي عنصر الزمن، ولذلك ذهب البعض الى ضرورة سلطة سياسية مستنيرة تقوم بالإصلاحات الضرورية وتضمن الاستقرار بضبط الفوارق الاجتماعية التي يقتضيها التحول الإصلاحي· لكن، من يضمن أن مثل هذه السلطة ستكون مستنيرة فعلا، وأنها ستحقق في نهاية الأمر التنميتين معا، الاقتصادية والسياسية الديمقراطية؟ لذلك فالأضمن أن يقوم توافق بين النخب الفاعلة في المجتمع: بين الفاعلين الاقتصاديين والنشطاء السياسيين، والمنتجين الثقافيين· قد يبدو التعويل على مثل هذا التوافق ضربا من الحلم من منظور سوسيولوجي بحت· لكننا نفكر بطبيعة الثقافة السياسية، حين تكون هذه الثقافة مولدة لقيم التوافق والحوار، واللجوء الى آليات الحل السلمي للنزاعات الاجتماعية والسياسية، وذلك من أجل تكوين رأسمال اجتماعي يمكن من تأثيل التراكم المطلوب· والتراكم ليس اقتصاديا وحسب، كما يعتقد أصحاب الأيديولوجيا التنموية، وإنما هو أيضا تراكم المعرفة، واستيعاب التكنولوجيا المتقدمة، كذلك فهو تراكم ديمقراطي لكي ترسخ الديمقراطية كثقافة ومؤسسات وعادات سلوكية·
هناك موقفان يقصي أحدهما الآخر فيما يتعلق بمسألة القيم، موقف نجده الآن رائجا عند الكثيرين من الكتاب الغربيين الذين يتحدثون عن الحضارة الغربية كاستثناء لا يضاهى وأنه ليس هناك طريق آخر لبناء اقتصاد مزدهر وديمقراطية حقيقية إلا على القيم الغربية، مثل الحرية والفردانية والعقلانية· وموقف اخر يرفض قيم الحضارة الغربية جملة وتفصيلا، ويحاول التنقيب في التراث لإحياء قيم بديلة، وأحيانا مضادة، وكأنه لا تاريخية للقيم، وكأن الأمم اليوم يمكن أن تعيش كجزر معزولة· وهم في نقضهم لقيم الحرية والفردانية والعقلانية لا يبرزون سوى وجوهها السلبية· فهم مثلا لا يرون في الحرية سوى إباحية· وحين يتعلق الأمر بحرية الفكر أو العقيدة فهي عندهم دعوة الى الإلحاد· أما الحريات العامة كأساس للنظام الديمقراطي فهم لا يرونها، وأيضا لا يرون قيمة للحرية الشخصية لضمان حرية الحيز الخاص لحياة الإنسان· ذلك أن النظام الاستبدادي يسعى الى التغلغل حتى في الحياة الخاصة لكل فرد، وذلك بالقولبة الأيديولوجية والرقابة الزمنية، حتى يعم تفكير واحد، واعتقاد واحد، ويسود سلوك النفاق فيضطر الفرد ويتعود على إظهار نقيض ما يعتقد· والفردانية قد تكون أنانية وقد تفضي الى عزلة الأفراد في المجتمع الواحد وفقدان التضامن والتواصل الحقيقي بينهم، إلا أن الفردانية أيضا هي اكتساب روح المبادرة، والاعتماد على الذات، والتشبع بروح المسؤولية الشخصية· والعقلانية قد يبنى عليها نظام اجتماعي صارم التنظيم يفقد فيه الأفراد خصوصياتهم وتميزهم (كما هو حال المجتمعات الصناعية)، كما قد تبنى بها أنظمة شمولية: ألم تكن النازية قمة في التنظيم العقلاني الشمولي للمجتمع؟
ثورة الاتصالات
يقال إن في عالم اليوم، عالم ثورة الاتصالات الذي تتهاوى فيه الحدود والسدود، فإنه لا بد من تعايش الثقافات كشرط من شروط استقرار العالم، ذلك أن كثيرا من الحروب التي عرفتها مناطق من العالم في العقدين الأخيرين هي الى حد كبير حروب ثقافية (دينية، طائفية، أثنية··) إلا أن هناك خللا صارخا في إنتاج ونشر المنتوج الثقافي في عالم اليوم· ذلك أن حركة إنتاج وتوزيع هذا المنتوج هي لصالح الشمال على حساب الجنوب· فبلدان الشمال الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تحتكر التجارة الثقافية في العالم، فهي تتحكم في عدد هائل من شبكات الاتصال، وإنتاج البرمجيات، والأفلام وغيرها· وفي مثل هذه الأحوال، فإن كثيرا من الثقافات المحلية تؤول الى نوع من الفولكلور، يمارس بين أهله في الوقت الذي يستهلكون فيه على الأكثر ما يرد إليهم عبر شبكات الاتصال والإعلام "العالمية"، أي الغربية بالأساس· قد تستطيع ثقافات كبرى، كالثقافات العربية، أن تصمد وتنافس في عالم اليوم، شريطة أن تكتسب رهان الحداثة، وأن تسندها قوة مجتمعاتها، اقتصاديا وسياسيا·
إن الثقافة العربية أمام مصيرين: إما أن تكون قيمها محركة لمجتمعات عربية منتجة ومنافسة في عالم اليوم، أو أن تبقى على هامشه، إن العرب يفخرون بوحدتهم الثقافية، ولهم الحق في ذلك، إلا أن وحدة الثقافة غير كافية لبناء كيان عربي متكامل الارتباط على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية· ثم إن المسألة تتعلق بمحتوى الثقافة، ومدى حداثتها· ذلك أنه قد يحصل أن ينقسم المجتمع الواحد الى أقلية تمتلك المعرفة المتقدمة، وتدخل في تعاملها وارتباطاتها ومصالحها مع شبكات العالم المتطور، وأخرى تداول ثقافة متخلفة تبقى على هامش عالم يتجه نحو العولمة، إلا أنها ليست عولمة يندمج فيها جميع البشر، بل هي من حظ العالم المتقدم، وتشارك فيه أقلية من العالم النامي، أفرادا وشركات ومؤسسات، وهكذا فإن المجتمع الواحد في العالم النامي يسير بسرعتين: أقلية تمتلك المعرفة المتقدمة، والقدرة على الاندماج في شبكات العالم المعلوم، وأكثرية إما تغلب عليها الأمية، أو تتعلم تعليما غير نافع في عالم اليوم· وهكذا فإن تحديث الثقافة العربية هو الكفيل بتكوين الرأسمال الإنساني الذي به وحده نستطيع المنافسة في عالم سريع التطور·