· قصائد قصيرة أشبه بمناظر من نافذة قطار
· توق المرأة لتهشيم ظلام الليل بنجمة الحلم
كتب المحرر الثقافي:
أقيمت في رابطة الأدباء في التاسعة والنصف من مساء الأربعاء الماضي أمسية أدبية أحيتها ثريا البقصمي، قرأت فيها قصائد من مجموعتها الصادرة حديثا "في كفي عصفورة زرقاء" وقدمت للأمسية الشاعرة جنة القريني التي قدمت تعريفا لمسيرة البقصمي الأدبية والفنية·
قصائد على المقاعد البلاستيكية
ثم اعتلت المنبر الأديبة ثريا البقصمي التي قالت إنها كتبت نصوصها خلال تجوالها في العالم، فقد كانت تحمل دائما هاجس الكتابة، ولذلك فإن هذه النصوص ولدت في المطارات والمحطات والأسواق، ولدت على المقاعد البلاستيكية في المطارات، كما قالت· وأشارت الى أنها المرة الأولى التي تقرأ فيها نصوصا أمام الجمهور·
أمام جمهور من المهتمين ألقت البقصمي إحدى وعشرين قصيدة بدأتها بقصيدة "ولادة" التي رأت فيها أن الولادة الحقيقية كانت الصراخ تحت الجلد والبكاء في مغطس الحبر· وفي قصيدة "دعوة غريبة" تختلط فيها الرومانسية بالرمزية، وفي "مصيدة" تقع في شباك الأنوثة المندحرة، وفي قصيدة "ورق" طفولة تغزو الفضاء بطيارات الورق التي ترفرف فتهزم حر الصيف· وفي "جلباب المجد" هم عام، إذ يسقط العالم الفقير جلباب أحزانه ويرقص عاريا "تحت أمطار خط الاستواء والانحناء"·
دشاديش مبتورة
وألقت قصيدة "جنية" التي قالت إنها كتبتها تفاعلا مع ما يجري من تقييد لحرية التعبير وحرية الكلمة وتضامنا مع الكثير من الكتّاب الذين تصادر آراؤهم، تقول فيها:
دشاديش" مبتورة
طاردت جنية الكتب
في أزقة الورق
وفي قصيدة "أبي لهب" ترثي واقع المدينة "الشيزوفرونية" التي التهمت فيها محرقة أبي لهب أنشودة الحب، وفي "نساء وفتوى" تصبح النساء عصافير مستترة، وحين يحل نجم الحلم ذلك الخمار تصدر فتوى تحرم النجوم على النساء، وفي ذلك دلالة رمزية لقهر المرأة في المجتمع الذكوري المتعصب الذي يحاول خنق حلم المرأة·
سريالية
وفي "مدن مهزومة" ندخل عالما سرياليا، إنه عالم المدن التي يعلكها الزحام، مما يجعل الذات المخنوقة تتنفس رملا ذهبيا لصحراء شاسعة· إن الشاعرة هنا تمزج بين العالم الشعري والعالم التشكيلي الذي يدلق عناصره على القصيدة وفق قوانين اللامعقول·
وفي قصيدة "رجم" تنسج الشاعرة على نول اللغة عبر ثيمة واحدة هي الحجر الذي يتحول من رمز للفجاجة والخشونة والعجز الى رمز حركي تهديمي لما هو سائد·
وفي "حدود امرأة" عالم أنثوي مسيّج بالأسرار والمخاوف لا يقتحمه العاشق إلا بعد أن يشف ويغدو روحا ترفرف في ثوب خمري" في علاقة جدلية بين الخارج الذكوري المغامر والداخل الأنثوي السري، مما يغري بلذة الاكتشاف الذي يؤدي الى الإزهار الخصب·
تأريخ شعري للواقع
وفي قصيدة متميزة بعنوان "من أجندة العالم" تؤرخ البقصمي شعريا لأربعة عقود معاصرة هي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وترصد فيها نكهة كل عقد، ويتجلى ذلك في وضعية المرأة، فهي الحامل الموضوعي لهوية المجتمع، فمن عالم تحررت فيه المرأة الى عالم إباحي الى عالم ثار على الأنوثة الى عالم اعتقل الأنوثة وجعلها في أبراج مراقبة سود ترقب العالم المنكفئ المزيف الذي علق أحجبة الفضيلة على باب زويلة، وفي ذلك إشارة تاريخية الى أحد أبواب القاهرة الذي كانت تعلق عليه رؤوس المتمردين، في إدانة صارخة لزيف القيم التي تشهر فوق الأعناق في عصرنا المظلم هذا، لتكون هذه القصيدة التي كتبت لمناسبة انتهاء الألفية هجائية طريفة لزمن يتقهقر اجتماعيا بعكس عقارب الزمن التاريخي·
رحلة تاريخية
أما قصيدة "لغة خاصة" فهي خطاب أنثوي موجه الى الحبيب، في رحلة تاريخية عبر العصور على هودج شرقي يسعى منذ الأزل الى الاكتمال بالآخر·
وفي "بورنو" نشاهد عبثية الإنسان واندحاره أمام ذاته ضاحكا "وشر البلية ما يضحك" ليكفن نفسه بورق مجلات البورنو، فالجنس لم يعد حياة كما كان في عصور البراءة الإنسانية، ولم يعد خصبا عشتاريا أو تموزيا، وإنما غدا ورقا لا حياة فيه، وفي ذلك تشيؤ الإنسان المعاصر·
وفي قصيدة "تلوث" غناء من نوع خاص، مشحون بتوق الى الاغتسال من الواقع والانفلات من ربقة رحيل الآخر الى رحيل خاص يحقق الذات· أما قصيدة "دوامة" فهي دوران للذات الأنثوية الممزقة المبعثرة دونما كوة للخلاص·
قديس
وختمت الشاعرة بقصيدة بعنوان "قديس" بناء على طلب بعض الحضور، وهي قصيدة تستعير ثيمة من "ألف ليلة وليلة" وهي المارد الذي يختطف الأنثى، فتوظفها توظيفا جديدا، تقول:
أنت قديس ركع ذات
مساء
أمام أنثى أسرها مارد
الشوق
الجبار
أنت قديس···
صدرك سنابل سمراء
وأنا أنثى معجونة
بالشوق والرغبة المدفونة
تمنيت أن ألمسك
تمنيت···
وخفت أن ينطفئ وهج
الشوق
في عينيك
الذات – الآخر
وفي نظرة عامة الى القصائد الملقاة نلاحظ أنها تتمحور حول العلاقة التالية: الذات - الآخر"، ويكون الطرف الأول ذات الأنثى في حين أن الطرف الثاني يكون المجتمع، الواقع، الرجل· وفي هذه الجدلية القائمة على التناقض أو "صراع الأضواء" تبزغ الحرية مفهوما شاملا يبث ضياءه في حلكة النفس وظلام الواقع، مما يجعل القصائد تنحو منحى انتقاديا تمرديا، ولكن بلغة بعيدة كل البعد عن المباشرة والخطابية، وإنما كانت لغة مقتصدة مكثفة، وكانت القصائد قصيرة أشبه بالانطباعات المكثفة، وأشبه بمشاهدة متفرقة نطل عليها من نافذة قطار جامح·