· عشق عميق للحياة والرغبة الحميمة في عناق الكائنات والامتزاج بالحس الإنساني في كل لحظة
· كاتبة تعشق الحرية والتمرد على الواقع وتغني للحب والحياة والفرح والطفولة والوطن الجميل
· الكتاب ليس نقداً اجتماعياً وإنما روح تنساب برقة تلملم تفاصيل صور قديمة لتشكل حياة جديدة
رؤية كتبها علي عبد الفتاح:
عندما جئت إلى الكويت عام 1977 لم أكن أبحث عن شيء سوى الكتّاب والأدباء ومنافذ النشر ولم أكن قد قرأت أو عرفت من أدباء الكويت وشعرائها ومفكريها إلا قليلا، منهم الأستاذ أحمد السقاف الشاعر الكبير الذي درسنا له قصائد في المرحلة الثانوية والدكتورة سعاد الصباح التي نشرت لها دار المعارف أحد أعمالها الشعرية "أمنية" بالقاهرة خلال تلك الفترة·
وكنت قد قرأت بعض قصائد في مجالات ثقافية لشعراء وأدباء من الكويت ومنهم عبد الله زكريا الأنصاري وأحمد العدواني وعلي السبتي ولكن لم أكن قد قرأت لهم كتبا أو إصدارات مطبوعة حتى ارتحالي إلى الكويت للعمل في وزارة التربية مدرسا للغة الإنجليزية·
وقبيل سفري كنت في مكتب الأديب إحسان عبد القدوس أخبره بموعد سفري للكويت الذي لن يطول أكثر من عام علني أدخر خلاله شيئا يعينني على مصاعب الحياة التي لا أعرف كيف أواجهها، وكنت أنشر في تلك الفترة بعض الحوارات والمقالات الثقافية في المجلة التي يرأس تحريرها الأديب احسان عبد القدوس·
فقال لي إحسان عبد القدوس: سوف تدفن مواهبك هناك ولن تعود بعد عام أو أكثر، ولن تقرأ وسوف تتجاوزك القراءة وتصبح كائنا لا هم له سوى إشباع حاجاته المادية·
ولم أفهم تماما ماذا كان يقصد غير أنني انتابني نوع من الخوف على عشقي الكبير للقراءة والكتاب والكتابة والنشر فقررت أن يكون هدفي عندما أصل الكويت أن أبحث عن الكتّاب والمثقفين وشعراء الكويت وتمنيت أن أرى السقاف وسعاد الصباح وعلي السبتي وأحمد العدواني وفاضل خلف والأنصاري وعبد العزيز حسين·
ومع الشهور الأولى كنت أتردد على المكتبات بصفة دائمة ولمحت بالصدفة كتابين هما: "همسات حبيبي" و"امرأة في إناء" من تأليف ليلى العثمان فكان هذان الكتابان أول ما اشتريت وقرأت·
وذات مرة في إحدى صحف الكويت كنت أزور أحد الصحافيين الأصدقاء وأثناء النقاش سألني إن كنت قرأت لأدباء من الكويت قلت له: ليلى العثمان وقد أحببت هذه الكاتبة لأسلوبها البسيط الشاعري وطرحها لقضايا المرأة بحرية ودقة وكذلك لمساتها الإنسانية مع التراث والقديم وأصالة الإنسان ومواقفه، فسألني: هل تحب أن تراها؟ فقلت بدهشة: أتمنى ذلك وذهبت معه إلى بيتها وكانت ليلى العثمان أول من أحببت وأول من التقيت وقرأت من أدباء الكويت·
وأعترف الآن بعد مرور أكثر من عشرين عاما وأكثر في الكويت وقد صدر لي خمسة عشر كتابا بأنني لم أندم إطلاقا فقد انفتح المجال أمامي من قراءة ونشر ولقاءات وصداقات وأمنيات وكبر الحلم ومازال وأنا من خلال وجودي في الكويت انفعلت بقضايا الواقع وتأثرت وعبرت عن أحاسيسي بحرية وعشق كبير للكويت وأصدقائي الأدباء والشعراء من مختلف البلاد·
لقد منحتني الكويت الكثير والكثير وكتبت هذا في مقدمة كتابي "أعلام الشعر في الكويت" وكررت هذا الكلام أيضا في حديث إذاعي "أمسية الأربعاء" أعددته الأديبة ليلى محمد صالح وقلت إن وجداني القومي والعروبي تشكل في الكويت ولمست جراح العالم واقتربت من الإنسان الحقيقي هنا في هذا الوطن الذي ولد في مهده أبنائي وتعلموا حتى الجامعة·
وكلما تذكرت كلمات إحسان عبد القدوس ابتسمت فقد هزمت الواقع المادي بما شيدته في فكري وأعماقي من ثقافة قادرة على المقاومة والالتزام بأن يكون للإنسان دور مؤثر وإسهام مضيء في عالم الأدب· وقد حاولت وما زلت·
وعندما التقيت بالأديبة ليلى العثمان وتناقشت معها فتحت أمامي عالما جميلا مورقا بأشجار الياسمين وأكدت لي أني لن أسافر من الكويت بعد عام أو أعوام وسوف أعيش حياة حافلة مادمت صادقا ومخلصا للأدب وذكرت لي أسماء كثيرة لأدباء وشعراء يجب أن أقرأ لهم وأتابعهم في الكويت وقالت لي إن إحسان عبد القدوس لم يعرف طبيعة الحياة لمن قرر أن يساهم في الأدب والثقافة واسأل دكتور محمد حسن عبد الله وعبده بدوي وغيرهما من المفكرين والشعراء الذين أمضوا حياتهم في الكويت في عطاء وإبداع دائم·
وخرجت من منزل ليلى العثمان وأشجار من التفاؤل والأمل قد نبتت في حدائق روحي وذهبت أقرأ وأبحث وأصادق وظلت صورة ليلى العثمان تسكن وجداني وروحها تمنحني إحساسا بأني لم أغادر وطني بعد فشعرت أني حقا لست وحدي في الكويت ولكنني محاط بسنابل من حب الأصدقاء ودفء العاطفة الصادقة·
وحين التقيت بشعراء الكويت ورموز الثقافة والفكر كانوا جميعا قد سكنوا وجداني وعشت معهم بين إبداعاتهم أقرأ لهم وفي الحياة الثقافية بشغف وأكتب عنهم ليتأكد الأديب إحسان عبد القدوس وغيره أنني لم أنهزم أمام الماديات وما زلت متحمسا لثقافتي وكتاباتي وطموحي الأدبي·
دعوني أتكلم
ولذلك عندما قرأت إصدارها الأخير "بلا قيود·· دعوني أتكلم" لم أكن أقرأ ليلى العثمان للمرة الأولى فقد كنت أتوقع أن أعيش انفعالات أديبة ملتزمة بقضايا الحياة ومعاناة الإنسان وهذا الحب الذي يسكنها الجارف العميق للحياة والأشياء والرغبة الحميمة في عناق الكائنات والامتزاج بالحس الإنساني في كل لحظة تحياها·
إنها ترفض الأسر والكبت والمصادرة للمشاعر والانفعالات وتعشق الصراخ في الصحراء والارتماء في أحضان الرمال وبين حنين الشجر وعشق البحر والركض تحت الأمطار طفلة تبحث عن باقات من الفرح والبراءة·
كتاب ليلى العثمان: بلا قيود·· دعوني أتكلم "ليس مجرد سرد لذكريات الطفولة أو حكايات أدبية أو قصص من واقع حياتها أو اجترار لسيرتها الذاتية، الكتاب أكثر من ذلك وأعمق من هذه الأفكار·· إنه رعشات روح·· وخفقات قلب وجرح يسجل بدم الألم مواقفه·· ودمعه تنساب لتشكل صورا من الكويت القديمة والأسرة الكبيرة التي نشأت فيها الكاتبة وطلعت ياسمينة في حقولها وحدائقها تفوح بأزاهير الأدب وأريج الجمال والفن والحرية·
السيرة الذاتية
إن كتابة السيرة الذاتية فن من فنون الأدب يلجأ إليه الكاتب أو المبدع ليلمس أحاسيس القراء ويصبح أكثر قربا من وجدانهم وأكثر تجسيدا لصورة حياته في أذهانهم والهدف من ذلك أن الكتاب لا يقدم اعترافات وإنما يبوح بما في أحاسيسه الداخلية ومشاعره وأفكاره من مشاهد وحياة ورؤى واتجاهات وتجارب قد عاشها أضافت إلى وجدانه أنغاما من المشاعر يبوح بكل ذلك للقارىء ليكون هناك هذا التواصل الحميم·
فنحن أحببنا طه حسين أكثر بعد أن قرأنا سيرة حياته في "الأيام" وتوفيق الحكيم في "زهرة العمر" و"عصفور من الشرق" واحببنا أنيس منصور حين حدثنا عن حياته وأسرته ومواقف مؤلمة عاشها وألوانا من اليأس والعذاب استطاع أن يتغلب عليها في أكثر من كتاب منها: من نفسي وفي صالون العقاد والبقية في حياتي وغيرها من الكتب التي قدمت سيرته الذاتية بصدق تام وصراحة جريئة ولذلك يقول العقاد: إن كاتب السيرة الذاتية قريب إلى قلوبنا لأنه إنما كتب تلك السيرة من أجل أن يوجد رابطة ما بيننا وبينه وأن يحدثنا عن دخائل نفسه وتجارب حياته·
ولكن يجب أن تتميز السيرة الذاتية بنوع من التشويق والطرافة والبساطة وبالطبع مع الصدق والمواجهة للأخطاء بلا خجل والاعتراف بها بشجاعة·
وفي الحقيقة لم تتعمد الأديبة ليلى العثمان أن تقدم سيرتها الذاتية وإنما انفجار بحر الحنين وانسيابه في شتى الأفكار جعل بعض أحداث سيرتها الذاتية يأتي بتلقائية وتشويق لذيذ وهذا ما أضاف إلى الكتاب سمة من السمات الفنية وهي المتعة الذهنية·
فأنت لا تستطيع أن تقرأ صفحة دون أن تتابع الصفحات الأخرى بشغف وحب عميق وفي كل صفحة مشهد يضيف لمحة من لمحات هذه الأديبة التي تألمت في طفولتها ومن أنات الألم ولدت الحروف وتعانقت الكلمات لتشكل إحساس ارقيقا برىئا يحتوي العالم والناس·
وتجربة الحب الأول في الكتاب أقرب إلى قصة قصيرة تكاملت عناصرها الفنية من تأثير في القارىء وطرح حادث له اثر ولحظة تنوير ··وفي النهاية فالأديبة في سردها لا تنسى القصة القصيرة وتأتي معها بعفوية وبساطة تثير الدهشة·
فالكتاب ليس سيرة ذاتية للكاتبة وإنما يتضمن مشاهد من السيرة جاءت مؤلمة للقلب ودامعة للعين وممتعة للذهن وصادقة أجمل الصدق وهذا ما يمنح الكتاب قيمة أدبية· فهي لا تخفي كونها أصبحت جدة وفخورة بذلك لأنه يعني "إنني حققت لنفسي زمنا جديدا بعد زمن الأمومة"·
وهذه المواجهة مع الذات تتطلب قدرا كبيرا من الثقة بالنفس والإحساس بأن هذه النفس تمتد لتشمل العالم بكل ما يحتويه ولا تقف عند حد أو حدود·
طرائف من حياتها
ويحتوي الكتاب أيضا على مجموعة من المواقف الطريفة تسردها ليلى العثمان بكل بساطة وبأسلوب فني عذب حيث تقص علينا كيف تحول بيتها إلى مزرعة للطيور والعصافير والسلاحف والديك الذي أزعج الجيران والقطط والكلاب إلى الحد الذي جاءت ابنتها تطلب أن تربي في البيت حمارا·
وتحدثنا من جهة أخرى بأسلوب طريف يقترب من كتابات الحكيم ومحمود السعدني حين تحدثنا عن صلعات الرجال وشواربهم وكذلك عن فستان ابلة علية وأبلة ألفت التي ترفض الفصحى في الفصل، أما عن قصتها الطيران بلا أجنحة فإن كانت تؤكد أن هذا حدث لها وقد طارت بسيارتها ولم تصطدم بالشاحنة فإني أكاد أصدقها فقد يحدث للإنسان حالات غريبة كأن يحلم بشخص ما فإذا به في الواقع يراه أو يتنبأ بواقعة تحدث في الحياة·
وكل هذه المشاهد تفاصيل صغيرة قد لا تعني الشخص العادي وإنما في عيون الفنان الذي يراقب الحياة ويتأملها تعني الكثير منها العطاء الإنساني الذي لا يفرق بين الطيور والحيوانات والبشر وتراها ليلى العثمان بأنها كائنات تحيا بالحب وتمنحها ألوانا من التعاطف والرحمة·
وتلك هي صورة الفنان في حياته الخاصة إنه لا يفقد إنسانيته في أدق الظروف أو أحلكها، أن يغني دائما للحياة لأنه عاشق لها متيم بها يسعى إلى الفرح والأمل والحلم ولذلك أيضا نراها عاشقة للبحر والمقهى والشارع وبسطاء الناس والأماكن الشعبية القديمة سواء في دمشق أو القاهرة أو تونس أو الخليج أو لبنان وتفرح في مزاحمتها لعامة الناس والجلوس على الطرقات والاستحمام تحت ماء المطر·
هذه فنانة تمردت على واقع كان من الممكن أن يحنطها ويحاصرها ويغلفها بالزجاج والبللور وتصبح بعيدة عن الواقع وخضم الحياة ولكم شاء لها القدر أن تحطم الزجاج حولها وتمزق ثوبها التقليدي وترتدي ملابس العصر وتجري مع الناس تشعر بعذابهم وتتحسس جراحهم وتبكي لفراقهم وتضحك وتغني في أفراحهم بكل حرية وانطلاق· وهذا ما جعل ليلى العثمان تنحاز إلى نبض وجدان الجماهير ولا سيما قضايا المرأة وتناضل من أجل الحرية وترفض العبودية وتدعو إلى الحب البريء الطاهر والصداقات الجميلة الرائعة لتضيف إلى الحياة معنى جميلا براقا وإنسانيا·
ومن هنا لمست الروح الإنسانية من الداخل وعاشت وسكنت في القلب تنثر أحلامه وهمساته ونبضاته وتتطلع بشغف إلى الشموس الوضاءة تحلم بالنهار المشرق الجديد·
الحس القومي والعروبي
في كتاب ليلى العثمان "بلا قيود··" نلمس الحس القومي والعروبي فإن قضيتها المرأة في كل زمان ومكان والتزامها بأزمة الإنسان العربي في كل أرض وبلد وتلمح بعض الكلمات والجمال والعبارات العامية تأتي عرضا بين الأقواس حين تحدثك عن بيروت أو القاهرة أو دمشق أو تونس أو الجزائر أو الخليج فهي دون أن تدري تنثر حبات من اللهجة المحلية للبلد الذي تتحدث عنه بحب وفخر وعشق نادر وغريب وكأنها ابنة هذا الوطن حقا·
وهي عاشقة لهذه المدن والبلاد فتراها الكويتية والمصرية والشامية والخليجية والمغربية والفلسطينية وتقص لك في بساطة كيف تزوجت فلسطينيا وامتزجت بالتجربة الأليمة لمحنة هذا الشعب وأصدرت كتابا يحمل بعض هذه الجراح ولعله "فتحية تختار موتها"·
إن ليلى العثمان هي مزيج من هذه الجنسيات جميعا عاصرت تجارب الشعوب وعاشت تجربة ثرية وفياضة بالمآسي والأحداث الرهيبة وقرأت خلال فترة الستينات لجيل النهضة الزيات والحكيم وطه حسين والسباعي ويحيى حقي ونجيب محفوظ ومحمود تيمور وأحمد العدواني والأنصاري وخالد الفرج وفاضل خلف والسقاف وأيضا تأثرت بأحداث الوطن من غزوات وانكسارات وهزائم ومعارك حتى يوميات الغزو العراقي لوطنها الكويت سجلتها بدقة واحساس وطني كبير·
وإذا قرأت من كتابها هذا "أغنيات المدن القديمة" انبعث لحن أثيري إلى فضاءات ذاتك وغرقت في وجه الوطن ولا تدري هل تبكي اغترابك أم تبكي عذابك، إنه صوت الشجن والحنين والعشق للأوطان، هذه امرأة لا تسكن وطنا واحدا وانما تسكن خارطة الوطن العربي·
حالة فلسفية
وفي الكتاب حالات فلسفية تشغل ليلى العثمان وتحاول أن تجد لها الخلاص وقد تنتاب هذه الحالات كثيرا من المبدعين ولكل منهم أسلوبه في العلاج والتغلب عن الحالة إذا كانت سلبية فالكتابة تحدثنا عن حالة فراغ الرأس إلى الحد من الرأس يصبح خفيفا ويفر والكاتبة تحاول أن تلاحقه وتعيده إلى مكانه وهنا تعبر الكاتبة عن مخاوفها من لحظات التشيؤ أي أنها تتحول إلى أشياء وموضوعات جامدة بلا حياة وتفترسها الغربة ونوازع الإحباط والإحساس بعبث الحياة وأنه لا جدوى من كل محاولات وكفاح الإنسان من أجل حياة أفضل وأروع وأجمل·
وهذه الحالة الفلسفية تقترب من الإحساس بالعدم أو انعدام القدرة والاستسلام إلى لا شيء وهنا يصبح الفرد كأنه أقرب إلى سلعة أو بضائع بلا ثمن، ومن هنا يحيا في خواء وفراغ قاتل
ولا تجد خلاصا من هذه الحالة إلا بالبحث والحركة الدائبة والانفعال المفاجىء بنفض الأشياء من حولها ربما عثرت على مذكرات لم تستكمل أو قصة أو أشياء في حاجة إلى عناية ثم تبدأ رأسها في الخروج من هذا الخواء·
وهذا ما يؤرق الفنان دائما أن ينزلق إلى الخواء ويقف في مدن العدم لا يدري إلى أين؟
تجربة الحب
ومن الكتاب أيضا نتسلل إلى مدينة الحب لدى ليلى العثمان منذ تلك اللحظة التي خفق قلبها لأول حب واتسمت التجربة بالحزن والخوف من الصديقة التي استولت على الرسائل وظلت تهددها وتبتزها بعمل الواجبات والاستيلاء على ما معها من مصروف أو حلي أو ساعة ثمينة إلى تلك اللحظة الأخيرة التي تعيشها الكاتبة وهي ما زالت تشعر بتلك المشاعر الأولى من الخوف والعذاب والألم في تجربة الحب·· إن ليلى العثمان في وداع دائم مع الحبيب وتذهب لعناق البحر لتشاهد هناك قصة حبيب غرق وظلت ذكراه· إنها سيد الحب والفرح والياسمين تشعل شموع الأمل في ظلمات الآخرين وحيدة تناجي شمعة مازالت مضيئة في حياتها· شمعة الذكريات والنغم الحزين·
ليلى العثمان شاعرة تخشى أن تنثر أحساسيها شعراً وإنما تغلق هذه الأحاسيس بمعايشة محن ومآسي الآخرين· وتتلون القصص القصيرة من منابع ذكرياتها ومواقفها وأحزانها وطموحها وأحلامها في حياة حرة يتوجها الحب والكبرياء وقداسة العلاقات وبراءتها من الآثام·
وموقفها من الرجل يعبر عن شيء من أحزانها فتقول: تقف المرأة في لحظة وعي صادقة تسأل نفسها هل يستحق هذا الرجل أن أدفن عمري في زنزانة أنانيته وغروره وانتهازيته؟
ورغم هذا الحزن يكتب عنها الشاعر الروسي حمزاتوف قصيدة بعنوان: سيدة الحب والفرح وقد أضفت أنا إلى هذا العنوان والياسمين أيضاً· ولكنه ياسمين يبكي وتنساب دموعه تحت ظلال القمر الوحيد·
ورغم هذا لا تتردد الكاتبة في تلبية نداء الحب الصادق وتقول للرجل: ها أنت أخيراً يا أمير قلبي وسيد حياتي· إن هذا يعني مدى إيمانها بالحب المطلق الذي يسمو فوق الغرائز والمصالح المادية· ولذلك تؤمن بصداقة الرجل عن المرأة وتسخر من المرأة بقولها إن لها أصدقاء أدباء وشعراء كلهم يعشقون بشكل أو بآخر ونساؤهم آخر من يعلمن·
وكنت أود أن أفسر تجربة العشق لدى الأدباء بأنها ليست أكثر من مجرد رفقة للروح ونبعاً للإلهام فقد عشق العقاد سارة ومي وأحمد رامي وأم كلثوم وكامل الشناوي ونجاة وجبران ومي وهذه القصص معظمها اتسم بالروحية والإبداعية أكثر من اقترابها من الحسية· والأمر يحتاج إلى إيضاح أكثر·
مواقف إنسانية
لقد عاشت ليلى العثمان بعضاً من طفولتها في ألم مع زوجة أبيها أو زوجة أخيها التي يصل الأمر بقسوتها إلى أن تعذب طفلة صغيرة وتجعلها تلعق أحشاء السمك وتضطهد طفولتها البريئة· ولكن رغم هذه المواقف فقد انحازت إلى فكر أبيها وتعلمت منه الدروس الأخلاقية رغم تهديه العصا بالعقاب فكان الدرس الأول عن الرحمة والرأفة بالفقراء والتواضع ونبذ المباهاة والتفاخر والالتزام بالصدق والبساطة والعطف والتواضع مع الآخرين حتى حين ترى المرأة الفقيرة في السوق فالطفلة تنسى ما جاءت لشرائه من لعب وهدايا وتعطي المرأة الفقيرة ما معها·
وتقول ليلى العثمان: في ذلك اليوم تعلمت من أبي أول درس في الرحمة وإنكار الذات والعطف على الفقراء وتعلمت أيضاً كيف يكون لتسامح الكبير مع الصغير معناه الجميل·
وهكذا تشكلت أفكار ومشاعر كاتبة وفنانة انصهرت مع أحداث عصرها وعاشت طفولة جادة يحكمها القانون الأخلاقي والمشاعر الإنسانية· ولعل هذه الحياة قد ساهمت بشكل عميق في بلورة وجدان ليلى العثمان لينفتح على القراءة والاطلاع والبحث عن الشعر والتأثر بالشعراء والأدباء العرب·
وكنت أتمنى أن تحدثنا الكاتبة عن الكتب التي تركت أثراً في حياتها والأدباء الذين قرأت لهم في صباها وأول كتاب أصدرته وكان عبارة عن خواطر نثرية بعنوان: همسات حبيبي· ثم كيف اتجهت إلى كتابة القصة القصيرة والرواية·
والأهم الأدباء العرب الذين التقت بهم مثل جبرا ونزار قباني وعبدالقادر القط وجابر عصفور ومحمد حسن عبدالله وأيضاً أدباء الكويت وعلاقتها بهم مثل أحمد السقاف وعبدالله الأنصاري وغيرهم·
ونحن جميعاً نعلم أن لها علاقات إنسانية كبيرة مع مجموعة كبيرة من الشعراء العرب والأدباء في الخليج ومصر وسوريا ولبنان·
وكنت أتوقع أن تكتب شيئاً عن كتابها الذي مازال يحاكم بتهمة الخروج على الآداب العامة وتوضح للعامة والقارئ المتلقي هذا التناقض الخطير والموقف المزدوج الذي يعانيه المبدع والثقف في مواجهة النظرة الضيقة الأفق والعقول المتحجرة·
خاتمة العرض
ليلى العثمان في كتابها الأخير: بلا قيود·· دعوني أتكلم قد حطمت الأصفاد منذ زمان طويل وعانقت الحرية وحلقت في فضائها منذ أن تفتح وعيها على الحياة والأشياء ورغم ذلك هل أباحت بجوهر أسرارها؟ هل أفضت إلينا بكل ما لديها من مشاعر وأفكار وأحاسيس؟ إنها مازالت بحراً لا ينضب وقادر على الفيض والفيضان فاحذروا كتابها القادم إن كتبت مرة أخرى بلا قيود!! فالكاتبة التي تمتلك القدرة على كشف مرايا حياتها وتعريه ذاتها بكل صدق وبراءة يمكنها أن تمزق الستار عن وجه الحياة الكئيب وتكشف لك خبايا النفوس وتعبث بالشخوص فوق الأوراق فترتعد لهول ما تصور لك وتنسجم لطرافة ما تقدم وتعجب لبساطة عباراتها وتدهش لرصانة أفكارها وعشقها للحياة والحب والناس·
* * *
الحكم في قضية العثمان وشعيب··· 22 يناير
في وجبة قضائية دسمة مثل السبت الماضي أمام محكمة الجنح العادية كل من الكاتبة ليلى العثمان والأديبة والفنانة د· عالية شعيب والكاتب محمد سلمان غانم والناشران أحمد الديين ويحيى الربيعان في القضايا المرفوعة ضدهم وأجلت المحكمة النطق بالحكم في قضية كتاب "الله والجماعة" إلى 15 يناير، وفي قضية "الرجل" لليلى العثمان و"عناكب ترثي جرحاً" لعالية شعيب إلى 22 يناير·
وكانت رابطة الأدباء قد أصدرت بياناً طالبت فيه مجلس الأمة بسد الثغرات التشريعية التي تتيح للأفراد رفع الدعاوى ضد الكتاب والمبدعين، دعماً لحرية الإبداع وحفاظاً على كرامة الكتاب والمبدعين وتكريساً لسيادة القانون·