رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20رمضان 1420هـ -22-28ديسمبر1999
العدد 1408

ضوء

عالمية الأدب... خديعة

 

(1)

 

ماذا تعني "عالمية الأدب"؟ لم يعرفها أحد وإن كان هناك ما يشبه الاتفاق بين أصحاب هذه المقولة والساعين إليها على أنها نقل أدب أمة من الأمم الى اللغات الحية الأكثر فاعلية وانتشارا في عالمنا المعاصر، ولا سيما اللغات الانكليزية والفرنسية ثم الألمانية والإسبانية وهؤلاء "المعَوْلَمون" لا تعنيهم لغات أكثر حياة كالروسية والصينية واليابانية و··· العربية فمصطلح "عالمية الأدب" ليس مصطلحا فنيا ولا أدبيا ولا فكريا بقدر ما هو جيوسياسي ولكي لا نتماهى حتى بلغتهم نقول "جغراسي"··· إنه مصطلح الأمم الأقوى سياسيا وعسكريا واقتصاديا وإعلاميا··· فقط·

 

(2)

 

كان الأدب الأوروبي عظيما في القرون الثلاثة الماضية، أما الآن فإن أوروبا العجوز تشيخ أدبيا أيضا، وهي تعيش على أمجاد الماضي، والى الآن لم تقدم روائيا بحجم تولستوي أو بلزاك أو حتى كامو·· أما أمريكا الشمالية فهي في مجال الأدب ما زالت من العالم الثالث الأدبي، في حين أن بلدا فقيرا كالهند يتكئ على آلاف السنين من الأمجاد الفلسفية والأدبية لا يحلم بمزاحمة أدب لوكسمبورغ التي هي بحجم مدينة هندية متوسطة سكانا ومساحة··· ولا يمكن أن نعد الأدب الهندي أدبا عالميا إذا لم يترجم الى الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية!··

 

(3)

 

حين أفلست الساحة الأدبية الغربية واستنفدت حركاتها الفنية، التفتت الى آداب الأمم الأخرى، ولا سيما أمريكا اللاتينية وأفريقيا، فلمعت عدة أسماء مهمة كماركيز وباث وبورخيس ونيرودا وآمادو وسنغور وسونيكا··· من غير أن ننسى أن هؤلاء جميعا يكتبون بلغات أوروبية· فإذا كانت أوروبا لم تكتشف عظمة آداب هاتين القارتين إلا في وقت متأخر على الرغم من اللغة المشتركة، فهل ننتظر من أوروبا أن تكتشف أدب أمة لا تتكلم بلغتها؟

فالغرب بلغ به التعالي والتورم أنه نظر الى الشعوب الأخرى نظرته الى فئران المختبرات لإجراء البحوث والدراسات "دراسات شتراوس مثلا!"· أما المستشرقون فهم نوعان: رجال استخبارات، أو أكاديميون، ولم تكن الدراسات الأكاديمية ذات تأثير في الحركات الأدبية والفنية الأوروبية·

 

(4)

 

في زمن النظام السوفييتي المرحوم، كانت الماكينة الإعلامية السوفييتية تصب مفرزاتها في جميع الاتجاهات وبجميع اللغات، فقد ترجمت الكتب غثها وسمينها حتى الى لغة الهنود الحمر، ونشرت مؤلفات عمالقة الأدب الروسي وأقزامه، ومع ذلك لم يصبح الأدب السوفييتي عالميا بالمصطلح الغربي، لا لأن الأعمال الأدبية كانت مؤدلجة وساذجة فقط، بل لأن الغرب حارب الأدب السوفييتي حربا حقيقية، حتى الأعمال العظيمة فيه لم تسلم من حصاره والتعتيم عليه، فقد نظر الغرب إليها نظرته الى الصواريخ الاستراتيجية النووية الموجهة الى مدنه واستطاعت ماكينته الإعلامية طحن ما تنتجه الماكينة السوفييتية·

إذاً، الترجمة وحدها لا تصنع أدباً عالمياً·

 

(5)

 

مؤتمر "الأدب العربي والعالمية" الذي عقد في القاهرة من أهم المؤتمرات الثقافية، وأشدها حساسية وضرورة، بالنسبة الى ثقافتنا العربية، وهو أحد إنجازات عاصمتنا الثقافية الدائمة "القاهرة"· وربما كان التحرك الأقرب الى الواقعية والعملية، وهو إن كان يدل على ضرورة دفع ثقافتنا وأدبنا الى العالمية، فإنه في الوقت ذاته مؤتمر دولي هجائي للغرب الذي اعترف ممثلوه بأهمية ثقافتنا العربية قديمها وحديثها وتقصير الغرب تجاهها·

ما يلفت الانتباه أن بعض المشاركين العرب في المؤتمر يريدون أن نكتب ما يشغل خاطر القارئ الأوروبي ليستطيع قبولنا في ميدان اهتمامه! بمعنى آخر لن يكون المتنبي عالميا إلا بعد أن ينال شهادة حسن سلوك من بريجيت باردو، وشهادة خبرة من شركة مطاعم ماكدونالدز، وأن يكتب امرؤ القيس عن الثلج وأشجار البتولا!

 

(6)

 

إذا لم يستطع بلاشير بعد جهد دام أكثر من عشر سنين أن يقنع قومه بأهمية المتنبي، وبأهمية الأدب العربي القديم بعد كتابه الذي أرخ فيه لهذا الأدب بطريقة فريدة، فمن سيقنعهم بعد ذلك··· هل ستتولى فضائياتنا تقديم أدبنا وثقافتنا الى الغرب وهي لا تقدمهما الى جمهورها العربي؟!

 

(7)

 

ما زال الغرب يجهل ثقافة العالم! لأنه يعيش أزمة وجودية، روحية، فإن ثقافة لا تتنفس هواء آسيا، ولا توغل في مجاهل أفريقيا، لا يمكن أن تكون ثقافة متكاملة···

لعله آن أن نتحرر من عقدة التفوق الغربي، فنحن نعرف أدبهم وثقافتهم وهم لا يعرفون أدبنا وثقافتنا، وأدبنا وأدب الأمم الأخرى كانا قبل نوبل وسيظلان بعدها· العالمية في الأدب·· خديعة!

طباعة  

في أمسية برابطة الأدباء حملت فيها عصفورتها الزرقاء
ثريا البقصمي "تشكل" عالم الأنوثة وتهجو زمناً بعكس عقارب التاريخ

 
باقي.. البلاد
 
نافذة
 
أجراس