رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20رمضان 1420هـ -22-28ديسمبر1999
العدد 1408

الغلو في الدين
التشديد على النفس(2)

إن التشديد على النفس هو كل عمل أدى إلى مشقة وعنت بالإنسان والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب أو المستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولامكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات ولما كان للأمر علاقة قوية بالمشقة فليعلم أن المشقة نوعان هما:

1 - المشقة المعتادة:

وهذه لا يخلو منها عمل ديني ولا دنيوي، فالمطلوبات الشرعية كلها فيها كلفة، وهذه الكلفة متفاوتة في المقدار، فالكلفة في صلاة الفجر ليست مثل الكلفة في صلاة الظهر، ونفس تسمية المطلوبات الشرعية تكليفا مشعر بوجود الكلفة ولكنها كلفة معتادة، وإنما سميت مشقة تجاوزا، كما أنها ليست من مقصود الشارع، فلم يقصدها لذاتها بل من جهة ما في العمل نفسه من المصالح العائدة على المكلف في دنياه وأخراه·

كما أن في الأعمال الدنيوية كلفة ومشقة فكسب المعاش فيه كلفة، ولكنه واقع تحت قدرة الإنسان - في الجملة - فهو ممكن معتاد، بل إن أهل العقول يعدون المنقطع عن كسب المعاش بحجة المشقة كسلانا ويذمونه بذلك·

والمقصود أن هذا النوع من المشقة ليس مانعا من التكليف، لأن أحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، ولكن الله جعل له قدرة بحيث تكون الأحوال والتصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهرها، وكذلك التكاليف·

2 - المشقة غير المعتادة:

وهذه المشقة لو أردنا ضبطها في ضوء النصوص الشرعية، ننظر إلى العمل وما يؤدي إليه، فإن أدى الاستمرار عليه إلى انقطاع عنه أو عن بعضه أو أدى إلى وقوع خلل في صاحبه فهو مشقة غير معتادة وهذا تفصيل لهذين القسمين:

الأول - الانقطاع عن العمل:

ويتحقق الانقطاع عن العمل بأحد أمرين:

أ - السآمة والملل ثم العجز:

وقد عبرت عنه النصوص أحيانا بتبغيض العبادة أو الملل أو العجز ونحو ذلك وإلى هذه المعاني أشارت النصوص الآتية:

1 - عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي "صلى الله عليه وسلم" دخل عليها وعندها امرأة قال: "من هذه؟" قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال "مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا" وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه·

2 - عن عائشة "رضي الله عنها" عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"·

3 - ما ورد في قصة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من قوله بعدما كبر:"يا ليتني قبلت رخصة النبي "صلى الله عليه وسلم" قال النووي: "ومعناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووظفه على نفسه عند رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فشق عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى لو قبل بالرخصة فأخذ بالأخف"·

ب - الانقطاع بسبب تزاحم الحقوق:

فالمكلف مطالب بتكاليف وأعمال شرعية لابد له منها يقوم فيها بحقوق الله عز وجل وبحقوق عباده، فإذا أوغل في عمل شاق فربما قطعه عن غيره، وقد وقع هذا البعض صحابة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"·

فعن أبي جحيفة عن أبيه "]" آخى النبي "صلى الله عليه وسلم"بين سليمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال له: كل· قال : فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال : فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال، ثم فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان، قم الآن، فصلينا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فاعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي "صلى الله عليه وسلم" فذكر ذلك له فقال له النبي"صلى الله عليه وسلم" :"صدق سلمان"·

وقوع الخلل:

فالعمل متى ما كان مؤديا إلى خلل في العامل - نفسي أو بدني - بأن يعذب الإنسان نفسه أو يمنعها عن لوازم الحياة وتعبدا فإنه من المشقة على النفس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي "صلى الله عليه وسلم" يسألون عن عبادته ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي"صلى الله عليه وسلم" قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال :"إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"·

فالنبي "صلى الله عليه وسلم" استنكر عليهم هذا الفعل، لأن تحريم للطيبات المدفوع إليها البشر بالغرائز الطبيعية، وفي منع الإنسان نفسه عنها إيقاع خلل بنفسه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:"بينما كان النبي"صلى الله عليه وسلم" يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو اسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم فقال النبي "صلى الله عليه وسلم" "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"·

 

هل للمكلف أن يقصد المشقة طلبا للأجر؟

- إن المكلف ليس له أن يقصد المشقة في العمل نظرا إلى عظم أجرها، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته، فالقصد معتبر هنا لأن الأعمال بالنيات، ففي الحديث :"إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرىء ما نوى" فلا يصلح من الأعمال إلا ما وافق قصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع وكل قصد يخالف قصد الشارع فهو باطل والمشقة ليست مناط الأجر فالثواب إنما يأتي من كون المشقة ملازمة للمطلوب الشرعي، أو واقعة في طريقه، لا أنها مقصودة بذاتها، ويدل على هذا عدة أمور:

1 - ما ثبت بالاستقراء القطعي من نصوص الشرع أن الحرج مرفوع، وأن التيسير والتخفيف هما سمة هذه الملة·

2 - ما جاء في النصوص من نهي لبعض المكلفين عن قصدهم المشقة ظنا منهم أن فيها الأجر والثواب مع بيان مخالفة هذا لسنة المصطفى "صلى الله عليه وسلم" وأن فعلهم هذا تعذيب وشقاء لا يصنع الله به شيئا، من ذلك، حديث الرهط الثلاثة، حيث قال النبي"صلى الله عليه وسلم" "أأنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"·

3 - أن الواقع في الشريعة أن حصول التفاوت في الأجر ليس بسبب المشقة، بل قد يترتب الأجر العظيم على العمل القليل، ففي الحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"·

طباعة  

من الفقه الجعفري
 
من فقه الصيام "3"
 
مناسبات حدثت في رمضان
 
فتاوى رمضانية
 
من ذكرياتي
"البشير"·· القادم من الصحراء·· يعلن عن رؤية الهلال
السعيدان: مجاعة "بر فارس" و "الجزيرة العربية" دليل على كرم الكويتيين.. والسور الثالث بني في رمضان

 
هلا رمضان
 
فتاوى هاتفية
 
سيدة الحب والفرح والياسمين تنثر سيرتها الذاتية وبلا قيود أو حدود تتكلم
ليلى العثمان في كتابها الجديد: بلا قيود·· دعوني أتكلم