· كلما انحطت الحياة نسمع من ينادي بنهايات عظيمة
· ليس هناك زمن هو آخر الأزمنة والشعر لا يموت
· الجمهور الذي تصنّع عقله وسائل الإعلام يسلِّع الشعر
كتب المحرر الثقافي:
نهاية الألفية التي نقف على شفاها توحي بالكثير من الأسئلة، وتوقظ مفهوم "النهاية في كل شيء، وليست النهاية هي خاتمة الأشياء، إذ إنها تكون دائما بداية لشيء جديد، فلا نهاية لأي شيء ما دام هناك زمن· وتطرح الآن - كما في السابق - قضية نهاية الشعر، أو موته بحسب تعبير البعض، ولكي لا ندخل في التباس المصطلح، فإننا نفهم موت الشعر على أنه الشعر الحالي الحديث، لأن أحدا لا يستطيـع أن ينكر خلود الشعر العظيم، هوميروس، المتنبي، المعري،··· الخ· ومن هنا هل يجب أن يكون السؤال عن موت القارئ لا الشاعر، أم عن موت الشعر الرديء مثلا؟ فلا بد إذاً من تقرير هذه الالتباسات التي تدل على أن القضية برمتها تمثل رد فعل على وضع راهن ليس أكثر·
إشكالية الشاعر والجمهور
في الواقع الموضوعي نجد الإشكالية قائمة في العلاقة بين الشاعر والجمهور، ذلك أن هناك شعراء لهم جمهورهم الواسع ومن فئات مختلفة، وآخرين ليس لهم من الجمهور إلا النخبة أو لا أحد، وعموما ليست الجماهيرية معيارا فنيا ولكنها مؤشر ملتبس الى دور الشعر وطبيعته، فمهما بلغ جمهور الشاعر فلن يكون بحجم جمهور مطرب ساقط مثلا، من ناحية أخرى نجد - من خلال استقراء أوضاع معارض الكتب العربية - أن الشعر يقف في آخر الصف لقائمة المبيعات، مما يفسر عزوف القارئ العربي عن الشعر بعامة، ولنا أن نستثني بعض الشعراء الذين مازالت أعمالهم مطلوبة بإلحاح، وهم بالطبع، قلة قليلة وفي إحصائية تقريبية لمبيعات الدواوين الشعرية في معارض بيروت ودمشق والكويت نجد أن نسبة مبيعات الشعر في معرض بيروت تقارب %4 وفي معرض دمشق %3,4 وفي معرض الكويت %0,.8 مما يدل على أن الإقبال على الشعر يختلف من ساحة عربية الى أخرى، ويرتبط بنوعية الشعر المقدم للقارئ· وعلى كل حال، لا تعني هذه النسب "غير الدقيقة" إلا مؤشرا للاستئناس، فإن هناك عوامل كثيرة تحول بين القارئ والكتاب لسنا الآن في صدد استقصائها، غير أن أمسيات مهرجان القرين ومعرض الكتاب دلت على أن الجمهور العربي لا يزال جمهور صالة في معظمه، فقد احتشد في الأمسيات الشعبية والأمسيات المنبرية واختفى في الأمسيات الشعرية التأملية العميقة، كما اختفى في أمسيات الشعراء غير المروجين إعلاميا· فالجمهور الذي تسهم وسائل الإعلام في صناعة عقله ووعيه، بات بتأثير الغزو الدعائي المصور يسلع الشعر، ويتوقع أن يجده في مؤسسة "انتروود مثل أي غرض للاستخدام، والى الآن لن يجده على الرقم 808808!
إصرار على مقاومة الانهيار
وفي تحقيق أجرته "الوسط" حول موت الشعر، توجهت فيه الى الشعراء وبعض النقاد، وكان ينبغي أن تتوجه أيضا الى القارئ، نجد أن هناك إصرارا على مقاومة الغناء، والانهيار، ولا يمكن لشاعر أن يعترف بهزيمته، وهذا حق طبيعي له، ولكن نتلمس في ردود الشعراء مرارة عميقة لا تخفى· فالماغوط يرى أن على الشاعر أن يكون صادقا في ما يكتب، فالناس تستمع الى الشاعر الذي لا يخذلهم سواء في شعره، ومواقفه· وسميح القاسم يرى أن الانفضاض هو عن الطفيليات الشعروية، وأن القراءة عموما في انحسار، وأن هناك علاقة جديدة بين الشاعر والجمهور تقوم على معادلة القصيدة - الشاشة - الجمهور·
وسعدي يوسف يرى أن السكونية في المشهد الشعري طبيعية في هذه المرحلة، وأننا في الارتباك الساكن فالغمائم كثيرة أما الأصوات فنادرة، نادرة، نادرة· ومحمد عفيفي مطر يشير الى أن السفسطائيين الجدد هم الذين يقولون بموت التاريخ وعدم الاعتراف بالمعايير ويعتبروننا ذرات فوضوية مكتفية بذاتها ومنغلقة على فرديتها المتهوسة بالانفلات من قيود الكليات والقضايا والمهام التاريخية والمسؤوليات الآنية والمستقبلية، ويبشرون باليقين الأوحد، الجسد، ويرى أنه ليس هناك زمن هو آخر الأزمنة - وأن الشعر لا يموت والأرحام لا تنقطع عن مزاحمة الخراب بالأجيال الجديدة المتدفقة·
الشعر الأرستقراطي
ويرى أحمد عبدالمعطي حجازي أن الشعر أصبح أرستقراطيا، وجمهوره جمهور مثقفين، وأن تراجع الشعر هو بسبب تراجع الأفكار والقيم والهموم والظروف التي ارتبط بها الشعر، وبسبب تراجع الروح الجماعية وتراجع فكرة الانتماء· ولكن موت الشعر خرافة أشاعها بعض النقاد، والدليل على ذلك أن هناك شعراء جيدين يجدون جمهورهم·
ويبدو إدوار الخراط متفائلا، كعادته، فيرى أن الشعر استغنى عن أن يكون احتفاليا منبريا وأصبح خبرة حميمية بين الشاعر والمتلقي، وإذا كان الشعر يتراجع ظاهريا فإنه في الواقع بدأ مسيرته الصحيحة في استكمال ما اخترعه شعراؤنا القدامى الحقيقيون باجتياب مسارات الروح الإنسانية والغوص على جوهرها وعلى جواهرها·
أما محمد القيسي فيرى أن الحياة نفسها أفقدت الأشياء جاذبيتها أو عطلت فينا الحواس وأن الشعر الآن مرآة الخيبة وهو مبعثر في أسماء قليلة، وأشار الى التعتيم الإعلامي الذي يتعرض له الشعر في الفضائيات والصفحات الثقافية التي تفسح المدى لهبوب الرداءة الممنهجة·
التكنولوجيا··· وأزمات
وتحدد مرام المصري أزمات الشعر بالتكنولوجيا التي حدت من عملية التخييل والحلم التي ترتكز عليها القصيدة، وبالتنازع الداخلي بين النمط الكلاسيكي والحديث، وبأزمة النشر والتوزيع، وأزمة المناهج التعليمية التي تكاد تخلو من المحاولة الجدية للتدريب على التذوق الشعري، وبأن شعر النخبة أبعد الشعر عن الجمهور·
أما ممدوح عدوان فيرى أن الشعر الجيد في كل العصور قليل، ولكن الشعر سيبقى ما دام هناك لغة، ويرى أن الشعر موجود ولكن القارئ غير موجود· في حين يرى حسن عبدالله أن الحياة في أدق معانيها لحظة شعر، وكلما انحطت الحياة بالإنسان أو انحط الإنسان بالحياة نسمع أصواتا تنذر بنهايات عظيمة، كالحديث عن نهاية الشعر، ونهاية الفلسفة ونهاية التاريخ·· ومن الطبيعي في عالم من هذا النوع أن يشهد الشعر تقهقرا عما كان عليه من قبل، ولكن لا يعني ذلك أن الشعر صائر الى الانهيار·
ما الذي تقدم عندنا؟
ويتساءل مريد البرغوثي: تسألون عن تراجع الشعر، فما الذي تقدم عندنا أيها السادة؟ ويرى أن الذين يتحسرون على الشعر إنما يتحسرون على الشعر الذي اعتادوا عليه، وأن الشعر الرائج في أجهزة الإعلام والجوائز التي تمنح للمتقاعدين والمفلسين ومؤتمرات الشعر المسلوقة قد تعطي انطباعا بموت الشعر كله، ويرى أن العرب حين استسلموا لشروط أعدائهم لم تعد الجماهير اليائسة المحبطة تتوقع أن ينصرها الشعر بعد أن هزمها القادة والجيوش والأحزاب والتاريخ نفسه·
أما إبراهيم نصر الله فرأى أن الرداءة انتشرت لأن المعايير لم تعد تخضع لمنطق الثقافة بل منطق التضليل وتمييع المفاهيم والأحاسيس أيضا، ويرى أن الشعر بدأ ذهبا وسيعود ذهبا، بعيدا عن اللغو المسرطن للحواس والأحاسيس·
ويحمل محمد إبراهيم أبو سنة شعراء التسعينيات مسؤولية تمزيق الاستجابة لدى الجمهور لأنهم أصابوا هذا الجمهور بالصدمة بتخليهم عن الإيقاع الذي يراه روح الشعر·
مقولتان خرقاوان
أما فايز خضور فيرى أن "موت الشعر" ومعه "ولادة ما بعد الحداثة" مقولتان خرقاوان، لا وجود لهما إلا في تقولات المشعوذين ومحترفي الهدم· ويقول عقل العويط إننا نعيش عصر النهايات، ونشهد لحظة أفول الحياة الداخلية المتألقة التي تنبع منها الفنون كلها، فقد سقطنا تحت أنياب وحش التكنولوجيا، ولكن لا بد من وجود حياة قادرة على أن تقول: لا· إنها حياة الشعر وهي خالدة·
عاد الى نفسه
ويرى حلمي سالم أن ما يعيشه الشعر العربي من علامات الصحة لا المرض، فقد عاد الشعر الى نفسه متخففا من المهام التي ليست من صلب ماهيته، وإن كان ذلك سيقلص من جمهوره، وأن العصر الحديث هو عصر الحركات الشعرية أو الجماعات الشعرية ولم يعد عصر الشاعر الفرد المبرز المميز الواحد الأوحد·
القضية في الآخر
والمتتبع لحركة الشعر العربي الحديث يلاحظ ببساطة أن الشعر يتطور ويقدم بين الحين والحين أسماء حقيقية وسط زحام الزيف والرداءة، ففي كل قطر عربي تجد عددا من الأسماء الجديدة التي تحقق نجاحا فنيا لا مراء فيه، وإن كانت هذه الأسماء لا تأخذ حقها من النقد أو الترويج الإعلامي، فالقضية إذاً ليست في الشعر، وإنما هي في الآخر، كالإعلام والنقد، والجمهور أيضا، ولذلك يبدو من السذاجة حصر أزمة الشعر في الشاعر أو النص،فالقضية شائكة ومعقدة، إنها قضية مجتمع وثقافة ووضع سياسي واقتصادي واجتماعي ملتبس· فإذا كانت قضية جمهور فإن الإعلام قادر على ترويج بهلوانات وتمريرها على جمهور لا يتقن إلا التصفيق، وإذا كانت قضية شاعر، فهناك شعراء حققوا نجومية لامعة "نزار قباني مثلا"، وإذا كانت قضية شعر فإن هناك شعرا جيدا وشعرا رديئا والقارئ الواعي المثقف يميز بينهما· فأين المشكلة إذاً؟
هل هي مشكلة الأمية، والأمية الثقافية؟
هل هي مشكلة التخلف الحضاري العام؟
هل هي مشكلة الانبهار بتكنولوجيا نتمتع بها ولا نصنعها، كما لا نسخرها لتحقيق تنمية ثقافية؟
هل هي مشكلة سياسية حيث تطغى ثقافة سلطوية، وتسود أسماء ملمعة إعلاميا؟
هل هي مشكلة الديمقراطية التي تجعل العقل العربي يحاور الآخر، ويقبل الاختلاف؟ وفي انتظار الإجابة عن هذه التساؤلات··· سيبقى الشعر حيا·