إن الله عز وجل خلق الإنسان واستخلفه في الأرض ورزقه من الطيبات وسخَّر له ما في السموات والأرض، "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"·
كما جعل هذه الدار دار ابتلاء وامتحان "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور"·
ومن الامتحان والابتلاء للعباد أن جعل الله أعمال العباد لا تخلو من حكم فمنها:
أ - فرائض يحرم تضييعها·
ب - حدود يحرم تعديها·
ج - محرمات يجب عدم انتهاكها·
د - مباحات مسكوت عنها·
يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه أبو الدرداء رضي الله عنه: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئا، وتلا: (وما كان ربك نسيا)·
فكل مخالفة لأمر الله في أحد هذه الجوانب فهي معصية لله، والمباح - الذي هو المعني هنا - لا يجوز تحريمه، لأن "التحريم إنما هو لله ولرسوله فلا يحل لأحد أن يحرم شيئا، وقد وبخ الله من فعل ذلك فقال:( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا) فجعل ذلك من الاعتداء، وقال (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)·
وهذا التحريم للحلال هو أصل من أصول الضلال، فمعظم الضلال في الأرض إنما نشأ من أصلين:
أ - اتخاذ دين لم يشرعه الله·
ب - تحريم ما لم يحرمه الله·
ولذلك كان الأصل الذي بنى عليه الإمام أحمد والأئمة مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين عبادات وعادات·
والأصل في العبادات ألاّ يشرع منها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات ألاّ يحظر منها إلا ما حظره الله·
ولذلك دعا الله رسله إلى الأكل من الطيبات فقال: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، واعملوا صالحا إني بما تعملون عليهم"·
ونهى المؤمنين عن تحريم الطيبات فقال: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله)، يعني بالطيبات: اللذائذ التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب فتمنعوها أياها كالذي فعله القسيسون والرهبان فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم وساح في الأرض بعضهم، يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم، وفيما حرم عليكم فتجاوزوا حده الذي حده، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحب من اعتدى حده الذي حده لخلقه فيما أحل لهم وحرم عليهم"·
ولقد أنكر الله على من حرم زينته التي جعلها لعباده بقوله تعالى "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي اللذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون"·
ففي هذه الآية رد الله على كل من حرم شيئا من زينته، وهو بهذا "يبين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله"· ثم بين تعالى أن هذه الطيبات - التي "هي اسم عام لما طاب كسباً وطعماً" للذين آمنوا في الحياة الدنيا مع غيرهم من الكفار والمشركين، وأنها يوم القيامة خالصة للمؤمنين "أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آموا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا"·
ثم جاءت الآية التالية مبينة رؤوس المحرمات، فقال تعالى: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"·
كما نعى عز وجل على كفار مكة تحريمهم ما أنزل الله إليهم من الطيبات فقال: "قل أرأينم ما أنزل الله لكم من رزق مجعلتم منه حراما وحلالا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون"·
والاستفهام في الآية إنكاري أي: قل يا محمد آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، بل أنتم تفترون على الله·
وهنا يجب التفريق بين ترك فضول المباح، وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة الدين فهذا يثاب المرء عليه وبين ترك المباح بالجملة فهذا ليس من الزهد المستحب بل هو من تحريم ما أحل الله·
وبهذا يتضح الرد على من حرم شيئا واستدل لفعله بأن ذلك من الورع المستحب إذ الورع المستحب إنما هو "اتقاء من (كذا) يخاف أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح، ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام، وإن أدخلت فيها المكروهات قلت يخاف أن تكون سببا للنقص والعذاب" وعلى هذا فالشيء الذي لا ريب في حله ليس تركه من الورع، وبهذا يتضح أن تحريم شيء من الطيبات غلو واعتداء لقوله تعالى: "فلا تعتدوا" والاعتداء هو مجاوزة الحد" فكل من حرم شيئا مما أحل الله فهو مغال في الدين·
وهذاالتحريم للطيبات له صورة في الحياة المعاصرة، ولكنه لا يعدو أن يكون ممارسات لم أجد لها تأصيلا علميا، فمن الناس من يحرم ركوب السيارات بدعوى أن صُنَّاعها كفارا، أو يحرم استخدام بعض الأجهزة ونحو ذلك·
الغلو في الدين -عبدالرحمن اللويحق