في خطوة مفاجئة أعلن الرئيس السوداني الفريق عمر البشير في وقت متأخر من الليلة قبل الماضية حال الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وحل المجلس الوطني - البرلمان - وتعطيل عدد من مواد الدستور بغرض حماية البلاد مما أسماه بالتهديدات الخارجية ولتأمين الجبهة الداخلية وتعزيز الأمن والاستقرار·
وكان البشير قد تولى السلطة بعد انقلاب عسكري قاده في 30 يوليو عام 1989 أدى الى سيطرة الجبهة القومية الإسلامية التي يتزعمها الشيخ حسن الترابي على السلطة الفعلية في السودان·
وقال البشير إنه يحظى بدعم "الجيش والشرطة وضباط الأمن" وأنهم جميعا "عبروا عن دعمهم للإجراءات التي اتخذتها حتى إنهم اعتبروا أنها كانت يجب أن تحصل قبل ذلك"· وأوضح أنه لا ينوي القيام باعتقالات أو استبعاد أياً كان من الحكومة· وأعلن البشير في مراسيم قرئت في التلفزيون حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة شهور وقال إنه سيتحدد موعد فيما بعد لإجراء انتخابات المجلس الوطني· وينظر الى هذا الإجراء على أنه اتخذ في وقت يحول دون اجتماع المجلس الوطني (أمس) الثلاثاء للتصويت على قرار يحرم الرئيس من دوره في اختيار وإقالة حكام الولايات· وتعهد البشير باستمرار حرية التعبير والصحافة وأكد التزامه بالشريعة قائلا إن السودان دفع ثمنا غاليا ليطبق الشريعة ولن يخونها·
وبذلك يكون البشير قد ارتاح من حليفه اللدود وأطاح به في انقلاب لا يزال الى اليوم أبيض وإن كان لونه في المستقبل غير واضح حتى الآن· والدكتور حسن الترابي ليس رجلا سهلا فهو فصيح اللسان وقوي البيان ويملك شعبية واسعة وخلال عشر سنوات في السلطة حتى وإن بقي بعضا منها من دون منصب رسمي وصل نفوذه الى منظمات المجتمع المدني والى صفوف الجيش التي أرسلت وحداته تحت شعارات غوغائية شبيهة بشعارات النظام الحاكم في العراق لتخوض حروبا بأسلحة بدائية وأقدام حافية فخسرت كل معاركها حتى الآن ومنها ما أسمته - الفتح المبين - و - القول الفصل - الى غير ذلك من محاولات استذكار التاريخ الإسلامي في غير موضعه· وربما كان نفوذ الترابي وراء إعلان البشير لحالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر فهو في هذه الحالة يملك إطلاق النار على المعارضين إن تحركوا ضده ولكن ذلك كله مرهون بموقف المؤسسة العسكرية وما إذا كانت ستتحد خلف رئيس الجمهورية والقائد الأعلى أم ستنحاز الى الترابي رئيس البرلمان ومنظر الدولة خلال السنوات العشر الأخيرة·
وحتى المعارضة الموجودة في الخارج عسكرية كانت أم مدنية فإن موقفها من الصراع الأخير بين البشير والترابي يمكن أن يلعب دورا حاسما إن انحازت لأحد الطرفين والبشير هو الأقرب إليها في هذا الظرف· أما إذا اختارت موقف المتفرج بأمل تفتت السلطة وتآكلها فإن السودان يمكن أن يدخل نفقا أكثر ظلاما من النفق الموجود فيه منذ سنوات ويمكن أن يبقى عرضة لمزيد من المجاعات والكوارث والانهيارات الاقتصادية وهو البلد الأغنى عربيا من حيث موارده الطبيعية وخاصة الزراعية·
من جهة أخرى ندد رئيس المجلس الوطني السوداني حسن الترابي بقرار الرئيس السوداني عمر حسن البشير حل المجلس وإعلان حالة الطوارئ في السودان· ونقل راديو لندن عن الدكتور الترابي قوله إن هذا القرار يمثل انقلابا عسكريا وإلغاء للحقوق الأساسية· وأضاف أن إعلان الرئيس السوداني تلك الإجراءات الليلة الماضية يعني خيانة للدستور السوداني واليمين الدستورية التي أداها عمر البشير وتعهد فيها بحماية الدستور والشعب السوداني·
كما دعا حزب الترابي في ختام اجتماع استغرق عدة ساعات ليل الاثنين/الثلاثاء مناصريه الى "الجهاد" ضد الإجراءات التي اتخذها الرئيس السوداني الفريق عمر البشير لاستبعاده عن السلطة·
على الصعيد ذاته حذر الصادق المهدي أحد أبرز قادة المعارضة السودانية من اندلاع حرب أهلية في السودان ودعا الى انعقاد مؤتمر وطني لوضع حد للأزمة السياسية· وقال المهدي زعيم حزب الأمة في مقابلة لمحطة "الجزيرة" القطرية الفضائية ليل الاثنين / الثلاثاء إن "هناك أزمة تخيم على الأوضاع في السودان وهي الحرب الأهلية، المطلوب من أهل السودان جميعا الآن أن يتكاتفوا ويتجهوا نحو حل شامل يوقف الحرب الأهلية ويقيم الديمقراطية الدستورية في البلاد·
وقال حسن أحمد الحسن المتحدث باسم حزب الأمة ومقره القاهرة إن البشير يحاول تأكيد سلطته على الترابي مضيفا أن المعارضة تنتظر الآن أن يصفي الحزب الحاكم صراعاته الداخلية· وهناك مبادرتا سلام بشأن السودان الأولى تضم مصر وليبيا والأخرى تطرحها منظمة حكومات شرق أفريقيا للتنمية ومكافحة الجفاف ( إيجاد) وتدعمها الولايات المتحدة· وفي تصريح لوكالة فرانس برس قال المحامي غازي سليمان رئيس "جبهة القوى الديمقراطية" (معارضة) إن "الوضع هادئ في الشوارع ولا تحركات للقوات في العاصمة"·
وفي سياق متصل لقياس ردود الفعل الخارجية أعربت مصر يوم الاثنين الماضي عن دعمها للرئيس السوداني عمر البشير الذي حل أمس البرلمان وأعلن حال الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر في البلاد· وقال وزير الخارجية المصري عمرو موسى إن بلاده "تتابع باهتمام التطورات الأخيرة في السودان وأن الاتصالات استمرت طوال اليوم بين القاهرة والخرطوم وعلى رأسها اتصال بين الرئيس حسني مبارك والرئيس عمر البشير للاطمئنان على استقرار الأوضاع في السودان"·
وقالت الولايات المتحدة تعقيبا على الأزمة السياسية في السودان إنها سترحب بأي نتيجة تؤدي الى انتهاج سياسات للمصالحة واحترام حقوق الإنسان· وقال جيمس فولي المتحدث باسم وزارة الخارجية "ما نسعى إليه هو تغيير السياسات في السودان سياسات تشجع على المصالحة وإنهاء الحرب الأهلية·· والكف عن اضطهاد أناس لمعتقداتهم الدينية وإنهاء ممارسات الرق والكف عن مساندة الجماعات الإرهابية"·
وزارة الخارجية الفرنسية أفادت أن فرنسا "تترقب" انعكاسات إعلان حال الطوارئ في السودان "في وقت كان يلاحظ فيه تطور البلاد باتجاه مزيد من الانفتاح السياسي"·