مع موافقة الكنيست الإسرائيلية على قرار باراك بالتفاوض مع سورية حول الإنسحاب من الجولان تظل صورة الرئيس الأسد الشغل الشاغل لمخططي السياسة الأمريكية ويظل فهمهم لها هو محور تحركهم لرسم سياسة "سلام" وعقد اتفاقية حولها في المنطقة· ولم يعرف الأمريكيون كيف يتصورون شخصية الرئيس السوري حافظ الأسد فحتى وقت استلامه السلطة في عام 1969، كانت سورية مشققة، وفي ظل حكم الأسد انتهت هذه المشكلة، وبرغم ذلك استطاع أن يحقق الاستقرار ولا عجب إذاً في أن ترى إسرائيل في الأسد الجار المفضل الذي ينبغي ارساء السلام معه، والسبب لا يتصل كثيرا بالقدرة العسكرية السورية التي تلاشت الآن، كما يقولون، إنما معظم الأمور يتصل بالأسد نفسه، فالأسد عرف أكثر من أي من نظرائه في الدول العربية ما هي السلطة وما هو البقاء، وهو صاحب سجل في المحافظة على ما حققته صفقات قليلة له مع إسرائيل·
ووفقا لتقرير حديث صدر قبل يومين عن صحيفة "نيويورك تايمز" فإن إسرائيل ترى فيه رجلا يلتزم كلمته إذا أبرم صفقة معها·
فوق ذلك يتمتع الأسد بكلمة فاصلة بشأن ما يحدث في لبنان الذي لم يستطع إنهاء حربه الأهلية في الثمانينات إلاّ بالتفات نحو الأسد باعتباره حكما قويا فدعا جيشه إلى الدخول وليبق لبنان منطلقا لحرب الفدائيين ضد إسرائيل التي تسير على منطقة عازلة هي مسرح لحمامات دم متكررة·
ولهذا السبب كان الشرق الأوسط يترقب اللحظة التي يقرر فيها الأسد لإبرام صفقة سلام مع إسرائيل ومع الإعلان المفاجىء (الأمريكي عن استئناف المحادثات مع إسرائيل من حيث نقطة توقفها) كان الأسد جاهزا لإرسال وزير خارجيته إلى واشنطن ليلتقي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي وهنا يبرز سؤال آخر: هل هذه هي لحظة الحقيقة فعلا؟
ثمة أسباب وجيهة تبرر الاعتقاد أنها كذلك، لا مجرد التغيير البسيط في موقفه الذي فتح الطريق أمام محادثات السلام عندما زارت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت دمشق في الأسبوع الماضي، ووراء هذا التغيير يكمن إحساس قوي لا بمجرد وجود فرصة جديدة إنما بوجود ضرورة·
حتى مطلع هذه السنة، يقول الأمريكيون، كان الأسد يتصرف وكأن الوقت لا يهمه فقد كان يتفاخر برفضه للتسوية: ويقول إنه لتحقيق السلام ينبغي على إسرائيل أن تنسحب من كل شبر في الجولان - وفي الأشهر الأخيرة، ذهبت حكومته إلى أبعد من ذلك قائلة أنه لاستئناف المفاوضات يجب على إسرائيل أن تلتزم علانية الحدود التي كانت قائمة قبل الرابع من يونيو من عام 1967، وهذا ما يرفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي لكن الأسد بلغ الآن الـ 69 من عمره وصحته ليست على ما يرام، ومنذ مطلع هذه السنة كان يبدو مشغولا بتعزيز مكانة ابنه بشار "34 عاما" باعتباره خليفته، أما قراره استئناف المفاوضات من دون الحصول على ذلك الالتزام الإسرائيلي المطلوب فيعني أن من الجنون الإنتظار طويلا·
ربما كان الأسد يشعر أن السلام مع إسرائيل يضمن مكانته في التاريخ،والأهم من ذلك، إنه ربما يشعر أن السلام يجعل الأجواء الداخلية السورية أفضل لمصلحة ابنه، فالأسد الابن هو عقيد ركن، لكنه لا يتمتع بخبرة عسكرية كبيرة في حين تعوزه ثقة الأعضاء الكبار في حزب البعث والجنرالات القدامى ومصدر قوته هو علاقته الوثيقة مع أوساط رجال الأعمال في سورية، وهكذا يبدو منطقيا أن سورية التي تعيش السلام وتتطلع إلى تحقيق الازدهار لا الانشغال بالأمن، هي مكان أفضل لتبوؤ بشار الأسد السلطة وبالنسبة إلى سورية، هناك ساعة أخذت عقاربها تتقدم بسرعة، وهي التقدم الحاصل على المسار الفلسطيني باتجاه حسم الوضع النهائي فمع تعهد الاسرائيليين والفلسطينيين بإنهاء مفاوضات الوضع النهائي في وقت متأخر من السنة المقبلة، لا يرغب الأسد في أن يجد نفسه خارج دائرة السلام، بما في ذلك إبعاده عن القرارات المتعلقة بمصير اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيش 500 ألف منهم في لبنان وسورية·
وثمة ساعة أخرى تدق عقاربها بسرعة وهي أن ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تشارف نهايتها وهي الساعة التي تحدد كم يستطيع البيت الأبيض أن يضغط على إسرائيل حتى يحافظ على ميراث كلينتون في السلام·
كان الأسد يدرك كل ذلك طبعا· فالمفاوضات في واشنطن ستبدأ من حيث توقفت قبل أربع سنوات أي عندما خرجت منها إسرائيل عند تعرضها لسلسلة هجمات المتشددين الإسلاميين فحدثت مواجهة واسعة النطاق في جنوب لبنان بين القوات الإسرائيلية و"حزب الله"·
هذا التاريخ يظهر كيف يمكن الابتعاد عن طريق السلام بسهولة لكن هذه المرة، قدمت التغييرات في الشرق الأوسط على نحو ما يدرك الأسد، لسورية فرصا أفضل لا سيما في لبنان حتى تريح نفسها من النزاعات·
فقد أعلنت إسرائيل، في طلب ثمن للسلام، رغبتها في أن تمسك سورية زمام حزب الله الذي استعملته دمشق لشن هجمات على القوات والبلدان الاسرائيلية· لكن القضية ليست سهلة، فهذا الحزب الذي تسلحه إيران وتشعله الحماسة الدينية الإيرانية لا يخضع لغير سيطرة سورية غير مباشرة· وقبل أربع سنوات كادت محاولة سورية لاخضاعه تؤدي إلى تمرده·
لكن لبنان الآن ليس كما كان قبل أربع سنوات، ويعود ذلك جزئيا إلى أن إيران تغيرت أيضا، فقد غادر الحرس الثوري الإيراني منطقة البقاع حيث كان يدرب عناصر حزب الله، ومنذ تولي محمد خاتمي الرئاسة الإيرانية في عام 1997، حاول أن ينهي عزلة إيران فصار يواجه معارضة قوية من المحافظين في بلاده، وهذا الصراع على السلطة في طهران يعطي الأسد حتما هامشا في المناورة إذا أراد أن يخضع الرافضين·
في الصيف الماضي، أبلغت الحكومة السورية الأطراف الفلسطينية الرافضة للسلام المقيمة في دمشق أن السلام آت وأنه حان الوقت حتى تجد هذه الأطراف لنفسها خطا سياسيا جديدا ومن خلال بشار الأسد، وجهت سورية الرسالة نفسها إلى حزب الله، ويقول الدبلوماسيون في بيروت إنه إذا كان السلام آتٍ فعلا، فالرسالة يفترض أنها مفهومة·
لكن المسار نحو السلام لن يكون قويا وإن كان طريق مفتوحا الآن، فقد بقيت سورية وإسرائيل عدوتين لمدة خمسين سنة، وهناك قدر كبير من الريبة بينهما، وهناك كثير من المشككين في الولايات المتحدة وإسرائيل يرون في انفتاح الأسد محاولة لترغيب إسرائيل ودفعها إلى تنازل كبير، أو ربما لاقناع الولايات المتحدة بانهاء عقوباتها ضد سورية·
يقول المقربون من الأسد إنه لا يرحب بجميع الحركات المسرحية التي صاحبت عملية السلام في الشرق الأوسط· لكن بإرساله وزير الخارجية فاروق الشرع، وهو أحد مستشاريه المقربين إلى واشنطن يعرف الأسد أنه يرسل إشارة جديدة فلم يحدث قط في الماضي أن أجرى مسؤول سوري على هذا المستوى مفاوضات مع وفد إسرائيلي·
وإذا كان للأسد أن يشارك شخصيا في أي مفاوضات يتوقع الدبلوماسيون في بيروت ألاّ يفعل إلا في اللحظات الأخيرة عندما تكون الصفقة جاهزة للتوقيع، فللمرة الأولى في الذاكرة الحية، يعتبر الدبلوماسيون هذا الاحتمال أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال·