رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7-13رمضان 1420هـ -15-21 ديسمبر1999
العدد 1407

من أوراق ندوة الثقافة وقضايا الحياة العربية الراهنة في مهرجان القرين الثقافي السادس
ثغرات في العقلانية العربية

·         تطوير خطاب يتعامل مع مراحل الانتقال التي تفرض نفسها علينا أصبح أمرا ضروريا

·         من متطلبات العقلانية الجديدة أن تخلق حالة حوار حول أفضل الوسائل لتحويل خلافاتنا إلى خلافات بناءة·· وتأسيس خطاب للتعامل مع الأقليات العرقية والمذهبية والسياسية

·         الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي العربي بعيد عن الواقع الذي يعيشه العرب في بداية الألفية الثالثة

·        النمو السكاني قوة للعرب إذا كان النمو الاقتصادي متجانسا ومتجاوزا له إن أي دولة تنمو سكانيا بأكثر مما تنمو اقتصاديا تتجه نحو كارثة أكيدة الدعوة إلي السوق العربية المشتركة لن تغير المعادلة الاقتصادية العربية في الثقافة العربية هناك حداد دائم على كل شيء ·· وهذا يمنع التفكير في المستقبل

·        هل نوقف حركات المعلومات ونعود للعصر الاشتراكي وتشييد الستار الحديدي

·         رؤيتنا السلبية للخارج·· ورؤيتنا الضيقة لحرية الفكر ومبدأ الحوار من أكثر  الثغرات في ممارستنا لخطابنا الفكري

·        هناك قطيعة كبيرة بين الثقافة والممارسة العملية في الساحة العربية على المراهنين على سقوط الدور الأمريكي أن يتعمقوا في فهم هذه الأمة الصناعية كثيرة النمو

 

د. شفيق ناظم الغبرا

أهدف من خلال هذه المناقشة، والتي قد تكون منطلقاً لبحث أكثر تعمقاً ويستند إلى أمثلة ووقائع أكثر توثيقاً وتفصيلاً، إلى المساهمة في النقاش حول الأبعاد التي تشكل مجتمعة أو منفصلة ثغرات في العقلانية في البلاد العربية· إن تناول الثغرات في العقلانية والتي تعتبر أن المنطق والعقل والتجربة هي الأساس في حل المعضلات ينطلق من آثارها السلبية على الوضع العربي· فهذه الثغرات لا تتلاءم مع المرحلة التاريخية التي تتميز بوجود طريق واحد رئيسي متنوع لا طريقين للتقدم والتنمية، وذلك بعد سقوط الطريق الثاني الشيوعي والثالث الاشتراكي في أواخر الثمانينيات· لقد وصلت ثورة الخصخصة والعولمة إلى إحدى مراحلها المتقدمة، وهي تبدو عملية مستمرة ذات طاقة لا تنضب على الدفع والتوسع، هذا الطريق الواحد قلل من الخيارات أمام المجتمعات، ووضع على دول العالم العربي مسؤولية الدخول في مجرى النهر، وذلك خوفاً من الوقوف خارجه ودفع ثمن أكبر نتاج التأخير، إن الثغرات تكتسب أهميتها في ظل واقع دولي جديد، تتحكم به تحولات هائلة في التكنولوجيا وفي طريقة نقل المعلومات ووسائل الاتصال والاستثمار·

إن الثغرات في العلقانية هي نقاط ضعف في التعامل مع قضايا الإصلاح الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي، ومرتبطة بوجود تكاثر سكاني أكبر من أن تستوعبه مؤسساتنا وأنظمتنا، والثغرات مرتبطة أيضاً بأسلوب التعامل مع  سلسلة الحروب الأهلية التي تحيط بنا· إن علماء النفس يجمعون على أن البدء في التغير على الصعيد الفردي أو الصعيد الجماعي يتطلب وعياً بضرورة هذا التغير، ثم يتطلب استعداداً للاستماع والتقبل، إذ لا تعلم ولا تطور من دون شعور بوجود مشكلة تتطلب حلولاً·

 

الواقع الصعب: فوضى المشكلات

 

لهذا نتساءل بداية، هل الخطاب السياسي العربي بأبعاده الثقافية والإنسانية مرتبط بشكل أو بآخر بالمرحلة التي نمر بها؟ وهل يساهم هذا الخطاب في حل المشكلات التي تواجه العربي في عيشه ضمن دول حديثة، ضمن مجتمعات متنوعة، وضمن عالم متداخل متفاعل شديد التغير؟ إننا أميل إلى افتراض أن الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي العربي بعيد عن الواقع السياسي والاقتصادي الذي يعيشه العرب وهم على أعتاب القرن الواحد والعشرين·

لنبدأ بتشخيص الواقع العربي من خلال البعد الاقتصادي، والذي يشكل أحد أكبر المؤثرات السلبية على العرب··· لنبدأ بمسألة التزايد السكاني غير المترافق مع نمو اقتصادي يستوعب هذا التزايد ويحوله لطاقة إنتاجية، إن إحصاءات البنك الدولي والعديد من المؤسسات التنموية تخبرنا بأن مجموع سكان الدول العربية لم يتجاوز عام 1970 حدود 120 مليوناً ثم تحول إلى 279 مليوناً عام 1997، وسوف نكون وفق تقديرات البنك الدولي عام 2015، بحدود 393 مليوناً، وسنصل إلى نصف المليار عربي عام 2030، ولو أخذنا بعض الأمثلة سنجد أن مصر تتزايد بنسبة %1.9 وهذا يعني أن المصريين وعددهم اليوم 66 مليوناً، سوف يكونون بحدود 93 مليوناً عام 2030، أما العراق فهو 21 مليوناً اليوم، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكانه عام 2030· ففي العراق، رغم ظروفه الصعبة الراهنة، نجد أكبر نسبة تكاثر في العالم العربي، إذ تصل إلى %3.2 سنوياً، وهناك 9 دول عربية النمو السكاني فيها أكثر من %3، وهو نمو قادرعلى مضاعفة أعداد السكان فيها خلال جيل واحد· هذه الدول هي غزة والضفة الغربية، العراق، ليبيا، عمان، قطر، سوريا، المملكةالعربيةالسعودية واليمن، وفي الوقت نفسه، تؤكد لنا الإحصاءات الحديثة الصادرة عن البنك الدولي  أن ما يقارب %40 من العرب هم دون الرابعة عشرة، وأن الأغلبية في جميع الدول العربية لأقل من الواحد والعشرين، وسوف يعتبر البعض منا أن هذا النمو قوة للعرب، وقد يكون هذا الاعتقاد صائباً، لو كان النمو الاقتصادي متجانساً لهذا التزايد السكاني·

إن أي دولة تنو سكانياً بأكثر مما تنمو اقتصادياً تتجه نحو كارثة أكيدة· إن الثغرات في العقلانية العربية تتبع من إهمال التعامل فكرياً وجدياً من قبل الثقافة العربية مع هذه الأبعاد، فالمقياس الذي يقاس عليه كل شيء مرتبط بالنمو الاقتصادي· فهذا النمو بين (1990 - 1981) كان بحدود %2.1، وذلك إذا ما قارناه بمنطقة شرق آسيا التي كان النمو الاقتصادي فيها في الفرة نفسها %7.5· أما في جنوب آسيا فكان النمو: %5.6· وقد تحسن الأداء العربيلغاية %2.9 في الأعوام (1997 - 1991) لكن شرق آسيا تحسنت إلى حد 9.4، وفي أمريكا اللاتينية إلى %3.8 ومن الملاحظ أن دولاً مثل مصر نجحت على مدى عدة أعوام متتالية في إيصال النمو الاقتصادي فيها إلى أكثر من %5، وهذا يعكس حالة نمو أكيد في الميزان الاقتصادي المصري نسبة للتزايد السكاني· ومن الواضح أن سياسات الإصلاح الجادة لديها فرصة حقيقية في منطقتنا، ولكنها مازالت دون الانتشار ودون الوصول إلى عموم دول المنطقة، بمعنى آخر هناك خطر حقيقي يتربص بالأقطار العربية في مجال الاقتصاد والتكاثر الكساني، وهو خطر كامن في معظم الدول العربية، لهذا فإن كان التزايد السكاني العربي %3، والنمو الاقتصادي للمنطقة %2.9، فهذا يعني أن منطقتنا ستواجه صعوبات كبيرة في الأوضاع الاقتصادية، خاصة أن النمو  الاقتصادي يجب أن يكون أمام التزايد السكاني بما لا يقل عن %2·

ويعزز سلبيات هذا الوضع أن الزيادة في الدخل القومي العام للعامين (96 و97) في البلاد العربية وفق آخر تقرير للبنك الدولي كانت %0.8، بينما كانت %6.2 في شرق آسيا، و%3.9 في أمريكا اللاتينية و%3.4 في جنوب آسيا، وقد كانت الزيادة في استهلاك الفرد %0.7 للشرق الأوسط في الأعوام (97 - 89) بينما كانت 6.8 في شرق آسيا، من جهة أخرى، إن دخل الفرد السنوي في البلاد العربية أقل بنسب تصل إلى %40 مقارنة بما كان عليه الحال العام 1980·

وفي المقابل ترد الثقافة العربية على كل هذا بالتحدث عن السوق العربي المشتركة، والوحدة الاقتصادية العربية، وكأننا نمتلك المقدرة على أن نقوم بوحدة شبيهة بتلك التي وقعت في أوروبا بين ليلة وضحاها، ولكن علينا أن نعرف أن الدعوة للسوق العربية المشتركة لن تغير المعادلة الاقتصادية العربية، فالتنسيق الإقليمي والتجارة الإقليمية لن يكونا ممكنين بين دول إنتاجها متراجع، ولديها فائض سكاني كبير، ولا تمتلك فائضاً اقتصادياً يساعدها على التبادل المفيد، لهذا التحدث عن ذلك دون بناء شروط الاقتصاد الحر والسوق المزدهر والإنتاج الفعال يبقى أمراً ثانوياً ومحدوداً· إن الاتجاه سوف يكون أن كل دولة ستتاجر مع دول غير عربية - وأساساً غريبة - وذلك لتحصل على سلع أفضل وتكنولوجيا متقدمة· التجارة بين دول أمريكا اللاتينية على سبيل المثال ارتفعت جدياً بعد أن شهدت اقتصادات تلك الدول نمواً حقيقياً·

 

طريقة في التفكير إلى أين؟

 

شكلت حالة سقوط الماركسية والاتشراكية والقومية في السبيعينيات والثمانينيات بداية لهزة عالمية مازالت أصداؤها وآثارها معنا، إذ سقطت عقائد أعتقد الكثير منا أنها الحل لمشكلات عالمية وإقليمية، وقد بدأ المثقف في العالم في البحث عن الجديد والبديل الذي يملأ هذا الفراغ، فمنذ الثمانينيات نجد أنه في فرنسا اكشتف المثقف الفرنسي الليبرالية· وفي ألمانيا اكشتف المثقف الألماني التجريبية، وفي أمريكا تم اكتشاف البراجماتية· وأصبح الفكر المغامر والمغالي والفوضوي والانقلابي والثوري اللينيني والجيفاري والتروتسكي والاشتراكي عنصراً من عناصر الماضي، وبدأت حركته في الاندثار لمصلحة الفكر الذي يقوم على الإصلاح وحركة السوق والاقتصاد الحر بصفته الطريق الوحيد، وإن كانت له عدة تشعبات وأبعاد للاستمرار في التنمية والتقدم·

ويتساءل بعضنا عن الذي حل بالفكر الفلسفي والديني الغربي والذي شكل أساساً للكثير من الصراعات وكثيراً من المذابح في الغرب؟ نجد أن عالم الغرب لم يقدم حلاً نهائياً ولم يصل لاتفاق على "أصل الأنواع"، أو الخليقة، أو الإيمانيات والمذاهب أو نقيضها··· في الغرب لم تحل القضايا الفلسفية والدينية الكبرى على مدى عقود وقرون إلا أن هذه القضايا، وهذا هو الأهم، توقفت عن أن تكون قضايا رئيسية للمثقفين والمفكرين، ولم تعد أساس الخطاب السياسي، وإن كانت لاتزال تثير الكثير من الخلافات (اليمين في الولايات المتحدة) فبطبيعة الحال وأمام التطورات الكبيرة استحوذت قضايا أخرى مباشرة، وتصب في مجرى التطور والتقدم على عقول وإبداعات الثقافة: هنا وقع التغيرات الذي لم يتعرض للقضايا الفلسفية إلا أنه تجاوزها باتجاه جديد· ولكن الغرب أبدع مسألة أخرى أساسها تحمل الاختلاف وقبوله كأساس للتعايش·

لكننا في البلاد العربية، نجد أمراً مختلفاً إلى حد، فهناك استمرار للأيديولوجية المرتبطة بتاريخ قديم خرج عن سيطرتنا وبعظمة سابقة لم تعد قائمة، لهذا تحول المثقف إلى انعكاس لحزن دائم ولألم مستمر، وتحول لإنسان يغوص في أعماق تاريخه، عاجز عن تفسير ما حصل وعاجز عن علاج الذي يمكن علاجه أو التعامل مع  التحديات المطلوبة في هذا العصر·

في الثقافة العربية هناك حزن عميق، هناك حداد دائم على كل شيء وهذا يمنع التفكير في المستقبل، بل لو عددنا المناسبات قد نجد مناسبة للحداد على مدى أيام العام: ذكرى هزيمة 48 وذكرى العدوان الثلاثي وذكرى 67 وذكرى موت عبدالناصر، وذكرى مجزرة عين الرمانة، ذكرى ميسلون أو تقسيم فلسطين، وذكرى صبرا وشاتيلا، وذكرى زيارة السادات إلى إسرائيل وذكرى كامب ديفيد، وذكرى أوسلو، وذكرى أيلول الأسود، وذكرى العدوان الثلاثيني، وهذا يختلف عن حضارات أخرى، الذكرى فيها إيجابية ومفرحة، والذكرى فيها مرتبطة بالنصر والإيجابي·

إن هذه البيئة الثقافية ملائمة لاستمرار الخطاب القومي والقائم على أيديولوجية الصراع بين الشرق والغرب، هي ملائمة كبيئة لنشوء الحركات الإسلامية كبديل أيديولوجي للقومية، وبالرغم من أن الحركات الإسلامية قدمت جانباً إيجابياً في تسييس قطاعات كبيرة من المجتمع وفي إثارة مسألة الهوية وأهميتها، وعلى الأخص بين القطاعات الريفية، إلا أنها في الوقت نفسه شكلت ردة فعل سلبية على التطورات العالمية، وكأن مقاومة التغير العالمي وانعكاساته أمرا ممكن بعيداً عن التأقلم وإجادة وسائط جديدة متطورة، واستمر المنطق القومي ومعه منافسه الإسلامي يسيطران على منتوجات الثقافة سياسياً واجتماعياً، بل استمر هذا المنتوج في تحكمه بحدود الحرية المعطاة للفكر ولحرية الكلمة·

لقد أصبح لمنتوجات الفكر العربي وصمة محددة وهوية محددة، وكما ذكر لي صديق في تعليق نقدي له على بضع ندوات تلفزيونية لي: عليك أن تدخل بعض الكلمات، هي كلمات مفتاح إذا لم تسخدمها تكون خارج الثقافة، وإذا استخدمتها تكون مقبولاً للثقافة الأوسع، سألته ما هي هذه الكلمات؟ قال لي: "الهيمنة الأمريكية" العدوان، المقاومة، الغزو الثقافي التطبيع، الحصار، سايكس بيكو، الغرب، المؤامرة، التوسع الصهيوني: الصليبية الجديدة، الاستعمار الجديد···" ولكن ماذا عن التعليم، الصحة، الحريات، حقوق الإنسان الديمقراطية، حرية الرأي والتنمة الاقتصادية؟ ألا يحق لها أن تصبح جزءاً شرعياً من الخطاب السياسي؟ ولماذا لا نقدر هؤلاء الذين يعملون بجدية لتحويل هذه الأبعاد لأساسيات في الخطاب السياسي؟

وصدق صديقي، ففعلاً هناك خطاب يميز الكثير من مثقفينا، وهو خطاب يتطلب الكثير من إعادة النظر· أذكر هنا قصة وقعت منذ ثلاثة أعوام، وأثناء حضوري مؤتمراً يجمع عدداً من المثقفين العرب وغير العرب، وإذ بدأ أحد المتحدثين العرب بالتحدث، فقدم في طرحه لائحة اتهمات للغرب المستكبر، وشرح للحضور كيف تتآمر أمريكا على الشرق، وكيف تسيطر أطراف يهودية دائماً وفي كل موقف على صنع القرار الأمريكي، وكيف تم توريط الرئيس العراقي في احتلال الكويت، شرح فكراً لم يكن غريباً عن الحضور: إنه فكر يقف عند زمن محدد ومرحلة تاريخية سابقة، وهو يعكس جانباً من الصورة دون أن يرى جوانب أخرى منها، فهو يرى العالم مختزلاً في مؤامرة، ويرى الغرب والشرق في مواجهة دائمة تبدأ مع الحروب الصليبية وتستمر حتى المستقبل غير المرئي، وأثناء الحديث همس في أذني رئيس المركز الداعي للمجموعة: "إنه فكر لم يتغير منذ عقود، وقد لا يتغير بعد عقود، ولكنه سوف يخلق الكثير من الآلام وخيبات الأمل في صفوف الشعوب العربية"·

ولو أخذنا بعض الأمثلة الأخيرة، لنأخذ مثلاً الموقف من "الغزو الثقافي" والذي يعكس الكثير من السلبية· الموقف من الغزو الثقافي يفترض أمة متلقية تضع سدوداً أمام حركة قائمة··· ويصبح السؤال: هل نوقف حركة المعلومات ونعود للعصر الاشتراكي وتشييد الستار الحديدي؟ بل نجد اليوم أن الصين قد سمحت في إقليمها الغربي بخدمة الإنترنت رغم التأثير السلبي على أقليتها الإسلامية هناك، ونجد أن الدول والمجتمعات قد اكتشفت الحاجة للانفتاح والتعلم من الآخر، وهي تكشف كل يوم طرقاً في الحد من الصراع الذي يعيق التعلم، وذلك لكي تنجح في التطور والنمو· إن روحية السدود وتشييدها تؤدي إلى نتائج ضارة على الذات،أما روحية التعامل مع العصر بإيجابية ومرونة فهو أمر ينقصنا عملياً، وينقص خطابنا السياسي على أكثر من صعيد· بل يفترض منطق "الغزو الثقافي" ضعفاً وانهزاماً وخوفاً وفشلاً، أما منطق التعامل مع ثورة المعلومات وانهيار السدود فيتطلب إبداعاً ثقافياً وفكرياً·

إن منطق السدود في العالم العربي· ينبع من فكر سلبي يتعامل مع كل شيء في إطار ردة الفعل، وفي هذا المجال يتحول لوم الآخر إلى أمر دائم في الفكر العربي· فمن الصعب أن ينجو أحد من ممارساته، ولو استعرضنا التاريخ الحديث لوجدنا أمثلة كثيرة من هذه الحالة· فقد لمنا الاستعمار على انقسامنا، فما إن رحل حتى قلنا إنه زرع الفتنة، وذلك دون أن نجد حلولاً صائبة لـ "الفتنة"، وما إن انتهت الفتنة حتى قلنا إن الاستعمار قد عاد بثوب جديد· وقد لمنا الدولة العثمانية قبل الاستعمار، وما إن ثرنا ضدها وانتهى عهدها حتى ترحمنا عليها· وقد لمنا الحكومات الملكية في السابق، فما إن وقعت الثورات وجاء حكم ضابط الجيوش حتى ترحمنا على الملوك واعتبرنا أن كل ضابط هو عضو في أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية··· وما إن بدأت الحركات المعارضة بعد أن لمنا أنظمة الضباط، حتى انقلبت الحال إلى ترحم على حكم الجيوش، في كل شيء لمنا الآخرين من الاتحاد السوفييت إلى الولايات المتحدة· الغريب في واقعنا أننا عشنا متناقضات كثيرة وحددنا مواقف غير وسطية من قضايانا· ففي مسألة الشرق والغرب ركزنا على لوم الغرب بينما الواقع يقول بمسؤوليتنا ومسؤولية الغرب، وفي الصراع بين  لوم الآخر ولوم الذات ركزنا على الآخر وكأننا نستعد لإعادة نفس الأخطاء ذاتياً في كل يوم·

والجديدر ذكره أن قمة هذا المنطق لها بعد آخر، ألا وهو كثرة الاعتماد على الآخر، والانطلاق من أن الآخر لديه قوة كبيرة وهائلة تتجاوز كل منطق، هكذا يبرز منطق يرى سيطرة أمريكية مطلقة على كل شيء في عالمنا· فصدام حسين وفق هذا المنطق "عميل أمريكي" وناصر "بريطاني وأمريكي"، وكل انقلاب وقع في العالم العربي "أمريكي"، وكل موت من اغتيال الملك فيصل إلى موت الحسين "مؤامرة": بل إن كل حرب في السودان أو الجزائر أو لبنان وكل هجوم إسرائيلي: أمريكي· هذا المنطق يعطي الولايات المتحدة قوة تتجاوز حقيقة قوتها ودورها، بل هذا المنطق يوصل الولايات المتحدة وقدراتها إلى حد الألوهية·

وفي حادثة طريفة ذكرها لي أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت (وهي تعكس منطقاً طريفاً وجوانب أخرى لمن يتكل على الآخرين) يقول: "جاءني أبوحمزة، وهو رجل كبير من بلدتي الجنوبية اللبنانية، في محاولة لتوظيف ابنه في أحد أجهزة الدولة، وقد جمعت بين أسرتي وأسرته علاقة قديمة، وكان من أكثر مناصري عائلة الأسعد المتنفذة والمعروفة في جنوب لبنان، وكا يتلقى الكثير من الخدمات في زمن تلك العائلة، وذلك مقابل التصويت الانتخابي· ولكن منذ أن أصبح نبيه بري (رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب اللبناني) الأكثر تأثيراً في تلك المنطقة فقد تغير كل شيء، وبدأ أبوحمزة في البحث عمن يوصله بالزعيم الجديد، وبما أن أبوحمزة يعتقد أنني على صلة قوية بنبيه بري، فقد أراد مني التوسط لديه لتوظيف ابنه، فرد الأستاذ الجامعي مؤكدا لأبوحمزة: "إنني سأبلغ السيد بري بالأمر حالما أعود من رحلة إلى الولايات المتحدة" فسكت أبوحمزة قليلاً وقال: "أنت ذاهب إلى الولايات المتحدة" فقال الأستاذ الجامعي: "نعم··· لحضور مؤتمر"، فقال له أبوحمزة بنبرة حادة وجادة: "أرجوك يا دكتور أن تطلب من الرئيس كلينتون الضغط على نبيه بري لتوظيف ابني"·

 

رفض الآخر ابتعاد عن الوسطية

 

في مؤتمر مميز أقامه المركز اللبناني للدراسات عن عملية السلام في يناير 1996، قدمت محاضرة تضمنت الكثير من النقد الذاتي للتجربة العربية في أسلوب المواجهة مع إسرائيل، والتي أدت لمزيد من الخسائر على مدى العقود، وفي نهاية المحاضرة رد العديد من المشاركين بحدة كبيرة تميز الكثير من دواتنا، وذلك بمنطق مفاده أن الوحدة العربية ممكنة الآن وأن النموذج الفيتنامي هو الآخر ممكن، وأن الذين وقعوا اتفاقات سلام بمن فيهم قادة السلطة الفلسطينية خونة، وأن المعركة القومية لم تنته، إنها في طريقها للنهوض· هكذا على مدى أكثر من نصف ساعة كانت الردود مفعمة بالشعارات والخطب··· وبطبيعة الحال لم يجد نقادي شيئاً واحداً في محاضرتي يتفقون عليه، بالمحصلة كان الهجوم شاملاً وترك انطباعاً بأن الرد على ما قلته هو المدخل للوحدة العربية، وتحرير كامل الأراضي التي فقدناها في كل الحروب· إن هذه الآراء لم تكن آراء المركز اللبناني أو آراء المنظمين للمؤتمر، ولم تكن هذه الآراء مجموعة ناضجة من المشاركين في المؤتمر، إلا أن أجواء المزايدة الوطنية والقومية فرضت نفسها على الجميع،ولم تسمح للرأي الآخر الموجود بالتحدث بحرية·

كان ردي بسيطاً: أشكركم على الدوش البارد ولا أمتلك رداً مقنعاً أكثر من العودة إلى المطار، فهذه زيارة أولى لي للبنان بعد حربه الأهلية، وأترككم تمارسون ما تقولون فتخوضون المعركة الأهلية والقومية لعشر سنوات لآخر مواطن، ثم تفقدون إبانها مزيداً من الأراضي، ومزيداً من الناس، ومزيداً من المياه اللبنانية، وتفقدون مزيداً من قيمة العملة المحلية، وتتحول الوحدة التي تنادون بها إلى نقمة بينما تتصاعد الهجرة من بلدكم لبلاد العالم، حينها أقدم لكم محاضرتي هذه نفسها، ربما تجدون فيها بعض التقدمية والثورية، ثم تساءلت: هل قيم أحد منكم المرحلةالسابقة؟ وهل قيم أحد معنى التضحيات التي بذلت في السنوات والعقود الماضية نسبة للنتائج؟ بعضكم من المشاركين في هذا اللقاء كان في الماضي يرسل الشبان في عملياتمحددة من شاكلة خطف الطائرات، ولو تعرف أحدنا على بعضكم في سن العنفوان الوطني لتحول لخاطف طائرات، هل قيمتم هذه التجربة؟ بعضكم هنا عمل مع الأشخاص الذين تتهمونهم بالخيانة على مدى ما يقارب الثلاثين عاماً· كيف تعملون مع فريق من الأشخاص ثم تكتشفون خيانتهم فجأة؟ هذا يعني أننا قد نفاجأ بكم في المستقبل تنضمون للفريق الذي تتهمونه الآن بالخيانة؟ ما هذه الثقافة والقيادات التي تكتشف الخيانة فجأة وتوزع أوسمة الوطنية فجأة؟ وماذا عن الوحدة العربية؟ أرى أنكم تتذمرون من وحدة مع جاركم الأقرب لكم فما بالكم بوحدة عربية أوسع؟ وفيتنام التي نادت انتصرت عسكرياً، ولو فتح المجال لفيتنام أن تعيد تقييم التجربة فلربما فضلت التجربة الكورية الجنوبية على الفيتنامية المؤلمة"·

إن رؤيتنا السلبية للخارج ورؤيتنا الضيقة لحرية الفكر ولمبدأ الحوار تنعكس حتماً على علاقتنا بصراع الأفكار في مجتمعنا· هذه واحدة من أكثر الثغرات في ممارستنا لخطابنا الفكري· فنحن نمارس القطيعة مع العربي الذي يقول بفكر مختلف ينادي بالتعايش بين الحضارات أو بإمكان التفاوض والتجاور· هناك رفض مبالغ فيه ضد المثقف الذي يقول بضرورة أن نسلك سلوكاً قانونياً ومتحضراً في المحافل الدولية، وأنه لابد من البناء الاقتصادي إن كان لنا من قيمة وشأن· وينعكس هذا في التجريح الكبير الذي يتعرض له أصحاب المنطق "العقلاني" في الساحة العربية· فهم "أمريكيون حتى النخاع باعوا أنفسهم للشيطان، وهم صهاينة بلباس عربي وهم أحصنة طروادة· هكذا يصبح الصراع مع الخارج والصراع في الداخل بالنسبة للمدرسة اللفظية وجهين لعملة لواحدة، الصراع مع العالم ضد الامبريالية هو ذاته الصراع مع الداخل ضد "الانخرافيين مسوقي العولمة"· بل يمكن القول إن أصحاب المنطق الهادئ في الداخل كانوا دائماً الهدف الأسهل، وذلك من حيث الإسكات والإرهاب· لهذا في نظرتنا للسياسة بقينا أمة غير وسطية: فإما حاكم أو محكوم، وإما ديني أو علماني أو ضد الغرب أم معه، وإما في اليمين أو في اليسار· في كل هذا نسينا الوسطية وحققنا الجانبية في كل شيء· وفي هذا ثغرة كبيرة في جانب رئيسي من الوضع العربي· وقد تكون هذه وسيلة للتعبير عن منطقة متأزمة في علاقتها بالآخر الغربي، ومتأزمة بعلاقتها بتاريخها وماضيها وحضارتها ولكن إلى متى هذا التأزم؟ بينما تسبقنا أصغر الأمم وأكثر الحضارات تأخراً·

إن انقسام المثقفين الحاد في بلادنا بين يمين ويسار، وبين ديني وعلماني دون أن يكون في الوسط دائرة رئيسية يلتقون حولها (سياسية، أم اجتماعية، واقتصادية، وأخلاقية) يشكل ثغرة في عقلانيتنا· من جهة أخرى، إن السياسيين الذين يتميزون بأنهم عمليون برباجماتيون ينقصهم الكثير من العمق الثقافي الذي تنتجه الثقافة، وذلك بسبب ضعفها العام وتشتتها· فهناك في الساحة العربية قطيعة كبيرة بين الثقافة من جهة، وبين الممارسة العملية من جهة أخرى· وينعكس هذا الانفصام على النظام العام وعلى صراع الأفكار وحدية التوجهات، والكراهية المتبادلة بين المثقفين والسياسيين وبين المنظرين والعمليين· إن هذا الانفصام مخسر كبير للمجتمعات العربية· التداخل بين المنتوج الثقافي والسياسي، وبين التفكير الاستراتيجي والمستقبلي، وبين التفكير السياسي المباشر وبين الجامعات والمؤسسات الاستراتيجية والمؤسسات الحكومية، يجب أن يكون مبنياً على الكثير من التواصل والتفاعل والتبادل· في المجتمعات الغربية التي تعيش هذا التواصل نجد مجالاً أكبر للتصحيح والنقد الذاتي الذي يساهم في التطوير، أما في المجتمعات التي ينقصها هذا التواصل، فنجد الانقطاع الذي يساهم في التأخير والتراجع وتكرار الأخطاء·

ولكن المشكلة تتعمق أيضاً عندما يكون السياسي في مجتمعنا أقرب للفكر المغالي في رفض الآخر، وفي رفض قيم عملية أو سياسات مفيدة، أو قيم الديموقراطية والعالمية والتعددية· في هذا إن تجارب عربية عديدة كانت أقرب للعقائدية منها للواقعية· لنأخذ موضوع السلام العربي ـــ الإسرائيلي، إذ تيساءل المواطن العادي عن حدة المعارضة الرسمية العربية لاتفاقات كامب ديفيد، ثم يتساءل عن حدة القبول بهذه الاتفاقات من قبل نفس المعارضين· الهجوم على السادات لم يكن شعبياً بل كان حكومياً وسياسياً من أوساط عربية رسمية عديدة، لدرجة أن جامعة الدول العربية نقلت من مصر· ولكننا الآن نجد أمراً مختلفاً في العالم العربي تجاه تلك المرحلة··· ويتساءل المواطن عن دور العقائدية والتشنج في تفويت الفرص وفي التأخر· في بعض الدول هناك اقتصاد أقرب للمرحلة السابقة الاشتراكية، وهناك تعامل مع اللغات ومع الحريات الصحافية ومع المجتمع أقرب أيضاً للمرحلة الاشتراكية منها للعالمية التي نمر بها، فهناك من يقاوم التغير ثم يقبل به متأخراً ويدفع بسبب ذلك التأخير أثماناً مضاعفة، وهناك من يرى التغير قبل أوانه فيقبل عليه بخطوات محسوبة·

التمسك العربي بالأساليب القديمة ليس جديداً، بل يبدو أكثر سلبية على العرب في هذه المرحلة التي تعني أن النمو يقع بلا ضوابط واضحة وبلا حدود محددة، وهو يفترض أبداع واكشتاف نماذج عوضاً عن استعادة تجارب· إن التطور اليوم مرتبط بالاكتشاف بأكثر مما هو مرتبط بما ورثناه عن السابقين· ونستاءل: وهل بالإمكان تعميم ثقافة وسياسة أم حكومة أو دولة منفصلة عن سعادة الإنسان والفرد؟ وإن كان الجواب بنعم، فإن التاريخ يؤكد لنا أن كل ما يؤدي للبؤس والفقر والألم كان أمراً مؤقتاً ومكروهاً في تاريخ البشرية، وما الحروب العالمية والانتهاء منها بهزيمة هتلر، ثم الحرب الباردة والانتهاء منها بهزيمة الاتحاد السوفييتي وسقوط الكثير من الدكتاتورية في العالم إلا دليل على ذلك· كما أن حركة التاريخ باتجاه التعليم، والتطور العلمي والتكنولوجي والطبي دليل على أن الفرد والإنسان يبقى الجوهر· إن هذا هو اتجاه في البشرية بدأ منذ قرون وتعمق منذ عقود·

وتشكل المدرسة العقلانية والعملية في التفكير ثمرة من ثمرات الفكر الوسطي، ألا وهو تحويل نظرتنا وتصوراتنا للعالم المحيط بنا أكثر ملاءمة لأكثر احتياجاتنا إلحاحا علينا· إن البراجماتية تتحول كل يوم إلى صيغة للتعامل والتصارع بين اتجاهات وعقائد، وبين أفراد وجماعات، لو أخذنا الماركسية بتراثها أو الإسلام بمدارسه وقيمه أو القومية بتقلباتها لوجدنا أن البراجماتية تسمح لنا بقبول هذه المدارس والاتجاهات والفلسفات دون قبول تفسيراتها وبعض اتجاهاتها الأكثر مغالاة وثورية وعنفا، البراجماتية الوسطية تساعد على الانفتاح على الأفكار والتوجهات الأخرى، وهي بطبيعة الحال غير منفصة عن الديمقراطية السياسية وقيم التعايش والاعتدال·

 

انقلاب في مفهوم الدولة الحديثة

 

ويقودنا هذا إلى مفهوم الدولة الحديثة وثغرات جديدة في هذا المجال، فمنا من تجمد عند مفهوم محدد للدولة مفاده الدولة القومية البسماركية ذات النفوذ والتأثيرات وذات التوازنات الاستراتيجية، بعضنا ما زال يبحث عن هتلر أو ستالين أو موسوليني أو فرانكو أو صدام، ولكن الفرصة لإنشاء هذه الدولة كانت في زمن مختلف، وقد أنشأتها شعوب أخرى : السوفيتية والصينية وقبلها الألمانية، وقد انتهى عهد هذا النمط من الدول، إذ إن محاولة إنشائها الآن سوف تعني عزله وتخلفا تكنولوجيا واقتصاديا وإنسانيا، والأمثلة كثيرة·

لكن من جهة أخرى، علينا أن نعي أن الدولة لم تكن عبر التاريخ الصيغة الوحيدة لتنظيم المجتمع الإنساني واحتياجاته، بل إن الدولة صيغة حديثه، وهي لن تكون الصيغة الدائمة للتكوين الاجتماعي والبشري في المستقبل، الدولة اليوم في مرحلة انتقال، وهناك تيارات كبرى تساهم في إضعافها نسبة لمفهومها الذي تميزت به في القرن العشرين، لننظر على سبيل المثال لتغيير أنظمة القتال والحرب، فهذه الأنظمة الجديدة تجاوزت الدولة التي تقوم على التوسع الأرضي أو الدفاع عن الأرض، الحرب التي تقوم على أنظمة المعلومات وأنظمة بعيدة الأمد هي التي بدأت تسيطر اليوم، وفي المستقبل سنسير نحو حروب تخاض من مسافات بعيدة جدا ومن الفضاء ومن البحار، ولا علاقة لها بالأرض والجغرافيا، وسيكون الانتصار في هذه الحروب مرتبطا بالتكنولوجيا والمعلومات والأنظمة لا بالأعداد والقوات والأرض، هذا يساهم في إضعاف جانب رئيسي من جوانب الدولة السيادية كما عرفناها منذ زمن نابليون·

أما العنصر الثاني الذي يتغير اليوم ويؤثر في قوة الدولة السيادية التقليدية فهو عولمة المجتمعات في العالم ومن ضمنها المجتمع العربي، إن العرب كأفراد ومجتمع ينتقلون عبر العالم بحرية كبيرة، وفي الوقت نفسه تنتقل المعرفة والمعلومات والبرامج والصحف والكتب بحرية هائلة لم تكن معروفة في السابق، خصوصا عبر الانترنت والفاكس والاتصال، العولمة بما تعني من عملية اقتصادية ثقافية تكنولوجية  متداخلة مع كل مجتمع ودولة، تساهم في إفقاد الدولة في كل مكان الكثير من مكوناتها السيادية الصارمة، هكذا لم تعد الدولة الضامن للانتعاش الاقتصادي والرخاء، بل تتحول كل يوم لأحد عناصره المعقدة، بل حتى المؤسسات والشركات العابرة للقارات بدأت بالتنصل من ارتباطها بدولة محددة، فمثلا نجد أن بوينغ أعلنت رسميا أنها ليست شركة أميركية مع أنها تاريخيا أمريكية ومقرها أمريكي، كوكاكولا أيضا ألغت الفارق بين عملياتها المحلية الأمريكية والعالمية، وهذا يعني أن الدول لديها تأثير أقل في كل ما يتعلق بالتطورات الاقتصادية في أراضيها، بل إن شح رؤوس الأموال والحاجة لإبداع طرق جديدة للاستمرار في التنمية جعلت الدول تتنافس لتقديم مزيد من التسهيلات والتنازلات لرأس المال المحلي والعالمي·

ونعود إلى الوضع العربي، حيث نجد إن الخطاب السياسي ما زال يحاول الالتفاف على الدولة الوطنية، وذلك من خلال الطرح القومي أو الإسلامي الأوسع، والحقيقة اليومية تؤكد أننا ندخل في مرحلة جديدة من حيث تأسيس وإصلاح الدولة الوطنية والتخفيف من مركزيتها ولكن في الوقت نفسه صون منطق العقلنة والاعتدال لجميع فئات المجتمع، فاليوم يمثل العرب دولا مختلفة تخضع كل دولة لتأثيرات الوضع الدولية، ولكل دولة مجتمع ولكل مجتمع فئات وهموم واحتياجات محلية ومن الضروري أن يلتفت لها الفكر العربي بكل مكوناته، في كل هذا نجد أن العرب كمفهوم متكامل قد اختلف، وأن المفهوم الجديد للعالم العربي يجب أن يتسع لتعدد المصالح ولاختلاف الآراء ولاختلاف المصالح والتحالفات والرؤى كما أنه يجب أن يتسع لإصلاح الدولة الوطنية والتخفيف من لا ديموقراطيتها ومن مركزيتها وذلك لصالح روح التنمية والتقدم فيها·

وفي هذا المجال فإن كان مفهوم القوة Power هو أساس علم السياسية، ففي السياسة بعد القوة والسلطة تأتي الحاجة لوضع ضوابط على استخدام القوة وكبح جماحها والتخوف من شذوذها، الأساس هو المقدرة على محاسبة الدولة عندما تخطىء والمقدرة على التحكم بها عندما تتجاوز القانون والدستور والحقوق، من هنا المراقبة، الشفافية، المحسبة، فصل السلطات، علنية السياسية، المحاسبة، كلها وسائل لن يتطور الوضع العربي في كل دولة عربية بلا انجازها·

 

انتظار المستقبل لا صنعه

 

هناك في الثقافة العربية مظاهر انتظار تتعامل مع المستقبل على أساس غيبي، يتجاوز ما يقوم به الفرد والإنسان وعملية صنع القرار وآلية تطبيقه وتنظيمه، من مشكلاتنا سيادة "الفهلوية" التي تعتقد بإمكان حل كل المشكلات على طاولة حسابات "الشطارة" في مكان ما في الطفولة العربية ينشأ نمط من الناس ينجح على مدى الحياة بالتأخر عن كل مسؤولية وعدم متابعة كل عمل ضروري والاعتقاد بإمكانية اللحاق بالآخرين على حسابات طاولة الشطارة، والفهلوي من يكون طالبا في المدرسة ــ على سبيل المثال ــ قلما يدرس ولكنه يمتلك دائما جوابا يساعده على التخلص من السؤال، وفي عالمنا السياسي نعتقد بإمكان تهربنا من مسؤولياتنا تجاه العالم وتجاه مجتمعاتنا وتجاه التنمية، والمواطن الذي يجب أن يكون هدف هذه التنمية·

هذه الفهلوية وتلك الغيبية تتضح معالمها اليوم في انتظار بعضنا لعودة الحرب الباردة، وكأن الأحادية القطبية الراهنة سوف تنتهي، وهذه النظرة لا ترى أن الحرب الباردة قد انتهت وان نظام ما بعد الحرب الباردة قد اكتمل شكله وتكوينه لقد قام نظام الحرب الباردة على صراع بين نظامين سيايين، وقام على القوة العسكرية وتوازن الرعب النووي، ووقع كل شيء في العالم انطلاقا من هذا الصراع، ولقد سقط كل هذا، وتبين أن المعركة الرئيسية لم تكن في مجال الأسلحة النووية، بل في التكنولوجيا التي تحولت للرافعة التي حولت المنافسة بين الجبارين لصالح الولايات المتحدة· أما الصراع المسلح فكان عاملا في سقوط الاتحاد السوفييتي الذي سخر أكثر من 20 في المئة من اقتصاده للمجهود الحربي مقارنة بالولايات المتحدة التي لم تتجاوز الستة في المئة·

إن نظام ما بعد الحرب الباردة ينطلق الآن من قوة مجموعة الجي 7.8 التي تقرر شكل الأوضاع الاقتصادية في العالم· ففي لقاءات هذه الدول التي تتضمن أهم وأقوى الاقتصاديات الصناعية ما يقرر شكل الاقتصاد العالمي، كما أن مفهوم دول العالم الأول والثاني والثالث قد سقط الآن ونستخدمه تجاوزا، فالعالم مقسوم الآن إلى قسمين رئيسيين، العالم الأول مكون من حوالي 25 دولة هي دول أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان واستراليا، والواضح أن تجانسا سياسيا كبيرا يقوم بين هذه الدول وأن علاقاتها تعتمد على الاعتماد المتبادل ووجود مصلحة لكل منها في الحفاظ على السلام العالمي وتوازناته  لهذا كان من الممكن لتسع عشرة دولة العمل معا في حرب كوسوفا، كما أن هذا أمر قابل للتكرار في ظروف أخرى إن دول العالم الأول متجانسة ومتداخلة اقتصاديا، ولديها تجربة تاريخية في مواجهة الشيوعية وهي في خلافاتها مع بعضها البعض لن تتعدى الشك ولن تتعدى ما يساعدها على البقاء في إطار التحالف والتعاضد، وهذه الدول ديمقراطية على الصعيد السياسي، فكرها السياسي متاشبه وخاضعة لتوجهات الرأي العام المحلي الذي يبحث عن مزيد من الاستقرار والتنمية وهي دول تتفوق في المجال العسكري على أي تجمع من دول الحلقة الثانية، والأهم أن دولة الحلقة الأولى غير مضطرة لاستثمار أموالها في بناء دفاعات عسكرية في مواجهة بعضها البعض إذن لا يوجد مواجهة أو منافسة حقيقية ذات أبعاد عسكرية وأمنية بين الدول المؤثرة في العالم وبإمكان هذا الوضع أن يستمر لمدة عقدين على الأقل، وكلما استمرت حالة الرفاه في الدول القائدة للاقتصاد العالمي استمرت حالة السلام العالمي، إذن لهذه الدولة الكثير من المصالح المشتركة ولديها القليل من الاختلافات الجادة، بمعنى آخر: على الخطاب العربي أن يتجاوز عقلية الانتظار التي لا نهاية لها، لنتذكر أن الفارق قبل قرن من الزمان بين حجم اقتصاديات دول العالم الأول "أمريكا وأوروبا" واقتصاديات الكثير من الامبراطوريات والدول في العالم الثالث كان 1 إلى 4 أم اليوم فهو يتجاوز 1 إلى 400·

من جهة أخرى، على المراهنين على سقوط الدور الأمريكي أن يتعمقوا في فهم هذه الأمة الصناعية الكثيرة النمو، والمعتمدة على عقيدة العمل والإبداع، في الجوهر سوف يبقى الدور الأمريكي طليعيا، وذلك لعدة عقود قادمة، بل لم تشهد الولايات المتحدة مرحلة نمو منذ عقود كتلك التي شهدتها في التسعينات، فمن حيث الدور القيادي في صياغة النظام الاقتصادي الدولي، أو من حيث التجارة العالمية أو من حيث الاستعداد الدفاعي والعسكري تبقى الولايات المتحدة الدولة الأولى عالميا، كما أن قوتها العسكرية لا تشجع الدول الأخرى لبناء قوة شبيهة، بل إن الدول في الإطار الأوروبي أو الألماني أو الياباني تفضل الاعتماد علىها عسكريا، وقد تفوقت الولايات المتحدة عالميا، وذلك من خلال مقدرتها على تحقيق القوة الملساء التي تقوم على مطاعم الوجبات السريعة، وثقافة الحرية والديمقراطية، والموسيقى، والفن والأدب والرسم، وروح المبادرة الفردية، وروح القطاع الخاص، وحرية الأديان، وحقوق الأقليات، ودور اللغة الإنجليزية التي سيطرت على العالم في السنوات العشر الماضية، إن هذا الدور مستمر ومن المتوقع له أن يتصاعد لا أن يضمحل·

وعلينا في الوقت نفسه، أن نعي أن دول الحلقة العالمية الثانية "دول العالم الثالث" ليست موحدة سياسيا أو أيديولوجيا، وهي تنتمي لاقتصادات مختلفة منها النامي ومنها المتطور ومنها الضعيف والبسيط، ومنها النفطي ومنها ما هو ديمقراطي ومنها ما هو ديكتاتوري، وتكتسب هذه الدول الكثير من قوتها من خلال موقعها بالعلاقة مع دول المركز الخمس والعشرين، وتكتسب الكثير من دورها من خلال مقدرتها على التعامل مع مؤشرات التنمية والنمو السكاني، ومستوى المعيشة ونوعية الحياة والمؤسسات، ومدى تفاعلها مع الاقتصاد العالمي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في هذا الإطار على العقل العربي أن يعرف هذا ليعرف أين يقف من التطورات العالمية، وكيف يتعامل معها بروحية تساهم في الإطار العالمي، وتحمي المصالح العربية على المدى البعيد من خلال التنمية والتطور·

 

نحو خطاب مختلف: المستقبل

 

لقد أضاع العرب على مدى عدة عقود، بسبب ثغرات في العقلانية الكثير من الوقت في التفكير في الماضي وأضاعوا الكثير من الوقت في التفكير فيما كانت عليه حالهم من قبل، ثم أضاعوا الكثير من الوقت في الاختلاف على الطريق الذي يجب أن يسلكوه: طريق الوحدة أم طريق العودة، طريق الإسلام أم طريق القومية، وقد اختلفوا في هذا بين اليمين واليسار، وبين الديني واللاديني· وبين مدرسة وأخرى، ولكن الشيء الأكيد الذي غاب عن جميع المدارس هو المستقبل والتهيؤ له، بمعنى آخر بينما كنا نصارع بعضنا البعض كان العالم المحيط بنا يتغير، كانت رياح الانفتاح والعولمة تهب، كانت قيم الكوكب تتغير، وكنا لا نزال نتساءل عن السبب كل صغيرة وكبيرة، وبقينا نبحث عن الماضي الذي يعيد إلينا الحاضر، وعن القوة التي تقدم لنا حاضرنا وإذا بالمفاجأة تصدمنا كل يوم، وإذا باللامركزية تتحول إلى مدرسة تطبيقية في كل شيء، لقد تغير العالم من حولنا دون أن نلتقط أنفاسنا·

إن المستقبل العقلاني والنامي أصعب من أن يتنبأ به أحد، وذلك لأن المستقبل عالم من "الفوضى المعقدة" التي تقوم على السرعة والتغير الناتج عن ملايين القرارات المستقلة غير المنسقة، والتي يمارسها ملايين الأفراد كل يوم ودقيقة فبينما يقوم الناس بالشراء في الأسواق بعمل بيع ومتاجرة وبتنظيم تجمع، برفض فكرة، أو بأخذ قرارات تؤثر في ملايين الناس فهي تأخذ قرارا في كل خطوة، إنها من خلال هذه القرارات تستكشف العالم وتحقق المستقبل الذي يصبح مساويا، بل وأكبر بكثير من مجموع القرارات المأخوذة لهذا لا يوجد ضمان بأن تكون قرارات العرب القادمة أفضل من السابقة، الفترة البشرية الآن مليئة بالحركة مليئة باكتشافات تساهم فيها ملايين الأطراف، إنها مرحلة مليئة بالأفكار والنظريات والاحتراعات والاتصالات والتنقلات والأعمال، وهذه مجتمعة تفرض تغيرا هو الأكبر والأوسع زمنيا في التاريخ كل هذا هو المستقبل لهذا سوف يبقى السؤال: أين العرب من كل هذا؟

وما زال العالم العربي يواجه الجديد كملاكم قديم ازداد وزنه وفقد حركته وكبرت سنه، ربما كانت مرحلة الأعداء الخارجيين أسهل، حيث يقف العربي فكرا وسلوكا وعمقا في مواجهة الاسرائيلي والغربي والأمريكي والاستعماري والفارسي والتركي، لكن العالم لم ينتظرنا لنكتشف أن مشكلاتنا لم تكن، جلها بفضل الاستعمار والغرب وإسرائيل وإيران وتركيا، بل تبين لنا بفضل التجربة المرة المليئة بالتراجعات أن ضعفنا في مواجهة أو مجاراة أو منافسة كل هؤلاء، ناتج عن مشكلات أعمق تنبع من داخل مؤسساتنا التعليمية والفكرية، وتنبع من مدارسنا القومية والإسلامية، ودرجة تعليمنا وتنظيمنا·

إن تطوير خطاب يتعامل مع مراحل الانتقال التي تفرض علينا أصبح أمرا ضرويا·· إن الخطاب الجديد "العقلاني" يجب أن يكون حساسا لمتطلبات تطوير اقتصادي كل دولة وكل مجتمع من المجتمعات العربية، على الخطاب السياسي أن يشجع على أن تتحول معظم الخدمات إلى القطاع الخاص، وعلى الدول أن تقبل بدور أقل حجما في الحياة الاقتصادية والداخلية، كما أن مدارسنا ومناهجنا التعليمية يجب أن تتطور لصالح تنمية روحية الفرد المبدع والمنافس والساعي إلى الأفضل وهذا بحد ذاته يتطلب إصلاحات موسعة في مجال التعليم ويجب أن يترافق هذا مع خطاب سياسي، يسعى باتجاه الشفافية في أعمال الحكومات ومسؤوليتها الكاملة أمام جهات رقابية تنبثق عن المجتمع وذلك تأكيدا على أن النمو الاقتصادي وأرضية الاستثمار العالمي أصبحا أكثر ارتباطا اليوم بتأمين هذه الأمور فمن دون الانتقال بحالة حقوق الإنسان والشفافية والرقابة، لن تكون منطقتنا مكانا يجذب رؤوس الأموال المهاجرة والعالمية، بمعنى آخر إن معادلات الماضي هي غير معادلات اليوم وإن ما يجب أن يشغل الدول والمجتمعات العربية اليوم يختلف تماما عن ذلك الذي شغلها بالأمس القريب·

إن تحرير الاقتصاد يتطلب موقفا واضحا من الحقوق والواجبات لكل مواطن ويتطلب مساواة بين السكان ويتطلب اعتماد الانتاجية والولاء لهذه الانتاجية أساسا للتفرقة بين مواطن وآخر، إن التقدم يتطلب تغيرات في العلاقات بين الناس وفي الحقوق والواجبات وهذا الشأن يجب أن يتعامل معه الخطاب العربي الذي ما زال لا يتقبل المساواة بين الناس، وفي مجال الحقوق والواجبات·· وتؤكد تجارب الإنسانية بأن تحرير الاقتصاد غير ممكن إن كانت المرأة تعاني من قيود رئيسية تعيق تعليمها وتعيق حرية انتقالها وتمنع عملها وتمنع عنها حقوق المشاركة والانتخاب لهذا فإن دور المرأة وحقوقها يجب أن يكون أمرا رئيسيا في أي خطاب سياسي جديد·

لهذا من متطلبات العقلانية الجديدة أن تخلق حالة حوار حول أفضل الوسائل لتحويل خلافاتنا إلى خلافات بناءة، تركز على القضايا التنموية التي تؤخر انطلاقة مجتمعاتنا ونهضة شعوبنا، العقلانية الجديدة تعني في الوقت نفسه الحاجة إلى أن تكون قوانيننا وتشريعاتنا منسجمة باجتهاد مع قوانين الأمم والعالم، والعقلانية تعني في الوقت نفسه تأسيس خطاب للتعامل مع الأقليات العرقية والمذهبية والسياسية، والأقليات موضوع يهابه العرب ويعتبرونه دائما جزءا من مؤامرة الاستعمار عليهم، وتعني أيضا حقوق الأقلية عدم احتكار السلطة وعدم إدخال تشريعات باسم البرلمان والانتخابات تلغي اللعبة الديمقراطية وتضطهد المختلفين فكريا مما يبطل مستقبل التطور الديمقراطي، وبلا فكر يخاطب هذه الأبعاد فلن يكون للعرب مسقبل في المنظومة الدولية الجديدة، وعلى العقلانية أن تبحث عن وسائل تحد من اللاعقلانية بين الدول العربية، وأمامنا عدة نماذج يقف على رأسها النموذج العراقي الذي تجسد في غزو الكويت واستباحة أراضيها، البحث عن العقلنة هو البحث عن السلام في  الداخل والخارج ويجب أن يجسد محاولة للانطلاق إلى آفاق جديدة·

ولنتذكر أنه في الصراع التاريخي انتصر راكب الآلة على راكب الخيل، وانتصر صاحب الفكر الأكثر استنارة وتسهيلا على صاحب التزمت الشيوعية المتزمتة أمام الرأسمالية المنفتحة والديمقراطية تقدمت على التسلط بل عندما انتصر الإسلام في زمن الفتوحات كان انتصارا للمرونة والاستنارة على التعصب والانغلاق السائد حينذاك، لكن في مجتمعاتنا العربية، وبسبب الإرهاب الفكري الذي تمارسه الأقلية بحق الأغلبية الصامتة، أصبح الخوف والتردد هو المسيطر على أصحاب الفكر المستنير ودعاة العقل، إن المرحلة الراهنة تتطلب حوارا وتقييما عميقا بين كل الحكماء والوسطيين سواء أكانوا سياسيين أم اقتصاديين، أم أعضاء في الحكومات أم من نقادها، وسواء أكانوا رجال دين وشيوخا أم مفكرين ومجتهدين فمن خلال الحوار ربما ننجح في تأسيس الجديد لصالح العقلنة وتطويق ثغراتها، ولكن علينا أن نعي أن مبدأ الحوار بين كل المدارس يجب أن يتحول إلى ممارسة وذلك لأنه _ هذا الحوار _ أساسي لولادة نمط من العقلانية تمارس تأثيرها في جميع الاتجاهات والمدارس الفكرية والسياسية·

طباعة