رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7-13رمضان 1420هـ -15-21 ديسمبر1999
العدد 1407

ضوء

المعلم .. وطواحين الهواء!

 

ركان الصفدي

 

"1"

 

أكاد أقول إن المعلمين أبعد الناس عن الثقافة·· حقيقة مؤلمة ومريرة ولكن لابدّ من ذكرها، لا سيما أن المعلم هو مهندس الأجيال ومربيها، وعليه تقع مسؤولية البناء الأول للإنسان، وقد عايشت خلال بضع عشرة سنة من التدريس مئات بل آلافا من المعلمين لم أر واحدا منهم يقرأ كتابا حتى في مجال اختصاصه العلمي، وإذا تسنى لأحدهم أن يقرأ صحيفة قرأ فيها كل شيء إلا الثقافة والأدب، والصحف لا تصنع ثقافة، وليس هذا فحسب، وإنما تجد الكثير منهم لا يهملون الثقافة فقط بل يعادونها أيضا ويرونها مضيعة للوقت في حين يتسمر بعضهم أمام التلفزيون ساعات، أو يذرف بعضهم وقتا طويلا في المقاهي أو التسوّق او الزيارات·· وإن وجدت قارئا بينهم فهو كأي إنسان مثقف وفي أي مهنة، لا يقرأ لأنه معلم، فمهنة التدريس لا تعني أبدا الثقافة ولا صنعها، والمعلم لا يفكر على الإطلاق في تطوير شخصيته العلمية أو الثقافية·· المعلم العربي حرفي ليس أكثر·

 

"2"

 

لماذا لا يفكر صانع الأجيال بالثقافة؟ ولماذا لا يشغله في وقت فراغه غير الحديث عن الاجازات والعلاوات والأخبار الاستهلاكية، ما عدا همومه الأسرية والاجتماعية والاقتصادية؟ لأن المعلم العربي يكاد يكون في أسفل الطبقات الاجتماعية، يتمرغ في الفقر والجوع والكسل، وإذا كانت له في مرحلة النهضة الحديثة مكانة مرموقة، فإنها اليوم في الحضيض من الاهتمام الرسمي والشعبي، وما ذلك إلا لتدني مستواه المادي في مجتمع لم يعد يقيم وزنا إلا للذهب الرنان·· المعلم العربي أحد أهم مشكلاتنا الأساسية·

 

"3"

 

لا تستطيع جميع القرارات الرسمية ولا الدورات التدريبية أن تصلح من حال المعلم العربي·· وكل ما يحدث في هذه المجالات يكون شكليا وخلبيا ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر·· الإصلاح لا يكون إلا قرارا ذاتيا، ولن يكون هذا القرار إذا لم يتحسن وضع المعلم المادي·· ما زال المجتمع العربي لا يعترف بالجهد العقلي، في حين يعظم الجهد المادي الملموس بالحواس الخمس·· وصدق من قال: إن الأمة العظيمة هي التي تحترم معلميها!

 

"4"

 

كان أنطون تشيخوف يتأرق قلقا على وضع المعلم، ويقول لمكسيم غوركي: آه لو تعلم مدى حاجة الريف الروسي إلى المدرس الجيد الذكي المثقف·· فالمدرس ينبغي أن يكون فنانا ومصورا، متيما بعمله، أما عندنا فهو عامل يدوي، شخص قليل الثقافة يمضي إلى تعليم الأولاد في الريف كمن يمضي إلى المنفى، إنه جائع مقهور، ويقول: إن من الحماقة أن تدفع ملاليم لرجل مدعو لتربية الشعب!

فلا ثقافة فاعلة حقيقية على المستوى الشعبي، إذا لم يكن المعلم مثقفا·

 

"5"

 

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على العلم وتبين أهميته، كما أن رسول الله "[" كان يفتدي الأسرى المتعلمين بتعليم الصبيان، ومع ذلك كان عامة العرب يحتقرون المعلم لوضعيته الاجتماعية - على ما يبدو - فقد ذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" أن من أمثالهم "أحمق من معلم كتاب" وقولهم "لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء" وبالطبع، يقصد بهذا المعلم معلم الصبيان أما معلمو الكبار أو معلمو أبناء الملوك والقادة فكانت مكانتهم سامية، لا لعلمهم فحسب وإنما لغناهم ويسارهم·

 

"6"

 

وفي عصر النهضة العربية الحديثة انتبه الأدباء لأهمية المعلم، وصارت قصيدة: أحمد شوقي التي يقول فيها:

قم للمعلم وفه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

أشبه بالنشيد الرسمي لهذه الفئة المسحوقة، وهي من باب "اعتبار ما سيكون" لا ما هو كائن· ومثل ذلك قول الأخطل الصغير:

رفعوا على شرف لواك

ورعت عيونهم سماك

بين المحابر والمنابر ضاع ليلك في ضحاك

وفي مقابل ذلك، لا تزال الذاكرة تحتفظ بالصورة الواقعية المريرة التي رسمها إبراهيم طوقان للمعلم ساخرا كقوله:

يا من يريد الانتحار وجدته

إنّ المعلّم لا يعيش طويلا

 

"7"

 

ستظل الثقافة العربية "نخبوية" غير فعّالة ما دامت الأجيال العربية منصرفة عازفة عن القراءة والكتاب، وما دام "مربّو  الشعب" غارقين في سلبيتهم وهمومهم المعاشية على الرغم من خطط وزارات التربية ونقابات المعلمين واستراتيجياتها الدونكيشوتية·· تدور الأرض، ويتبدل العالم كل يوم، وتتسابق طبقات المجتمع على غنائم العصر·· وحده المعلم العربي في زاوية قصية من وجعنا القومي، يقف في ركن مظلم أمام عشرات الأولاد، لا يحس بما يدور حوله، منشغلا بتفاصيله الصغيرة وأعبائه الكثيرة وبكثير من الضعف يصارع ·· طواحين الهواء!

طباعة  

إعلان نتائج مسابقة د. سعاد الصباحاعتمدت الدكتورة سعاد الصباح
 
اختتم فعالياته في القاهرة بمشاركة عشرات المختصين
مؤتمر "الأدب العربي والعالمية" يوصي بتنظيم الترجمة، ومنح جوائز أدبية

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
أمام انصراف الناس عن الشعر العربي الحديث
هل مات الشعر... أم مات القارئ... أم مات جمال الحياة؟!

 
عزف منفرد على ربابة كويتية
 
نافذة
 
أجراس