رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7-13رمضان 1420هـ -15-21 ديسمبر1999
العدد 1407

من الفقه الجعفري

الصيام والبعد الاقتصادي

 

بقلم الشيخ علي حسن

المشكلة الاقتصادية واحدة من أكثر المشاكل الحياتية تأثيرا في حياة الإنسانية المادية وأوضاعه الاجتماعية، وترقى لتتصدر المشكلات الإنسانية المعاصرة في بعض جهاتها، وتأثيرها على الجانب الأمني والاجتماعي وغيرهما أمر ملحوظ، لذا كان الإسلام حريصا على استقرار الحياة الاقتصادية بهدف بناء مجتمع مسلم مستقر مستقل قادر على التكامل المعنوي والسمو الروحي والأخلاقي، ففي الحديث النبوي الشريف "نعم العون على تقوى الله: الغنى" وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق "رضي الله عنه" "غنى يحجزك عن الظلم خير من فقر يحملك على الإثم" وعنه أيضا "لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال: يكف به وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه"·

ويكمن جانب مهم من المشكلة الاقتصادية المعاصرة في الخلل الواقع في نظام التوزيع الاقتصادي، بينما نجد الإسلام يجعل النظم المناسبة والكفيلة بحل جزء كبير من هذه المشكلة ومن بينها:

1 - الملك لله، وما الإنسان إلا مستخلف على مال الله، لا يتصرف في ذلك إلا بالحد المسموح، قال تعالى {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}·

2 - للإنسان حاجاته الطبيعية، وليس من الصحيح حرمانه منها، والتشريع الاقتصادي قائم على أساس توفير الحاجات الاعتيادية اللازمة·

3 - إباحة الملكية بأنواعها الفردية والعامة·

4 - تحديد أسلوب الكسب والحيازة والتعامل الاقتصادي، لئلا تطغى نوازع الطمع والاستغلال، وذلك من خلال التربية الروحية والأخلاقية التي تنمي حب الخير والحس الاجتماعي، وتشريع القوانين المانعة من بعض طرق الاكتساب الضارة بالمجتمع كالاحتكار، وقد جاء في كتاب الإمام علي بن أبي طالب "رضي الله عنه" لمالك الأشتر

"وتفقّد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك، وأعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله "صلى الله عليه  وسلم" منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا: بموازين  عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حٌكرة بعد نهيك إياه فنكّل به وعاقبه في غير إسراف"·

5 - الرد والموازنة من خلال تشريع الفرائض المالية كالزكاة والخمس، والأمر بأخذها من الأغنياء ومن مواردها التي تجب فيها، ورّدها على الفقراء ليسد عوزهم وليقضي على مشكلة الفقر، وقد روي عن الإمام جعفر الصادق "رضي الله عنه" أنه قال:

"إن الله عز وجل جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، ولولا ذلك لزادهم، وإنما يؤتون مِن مَنع مَنْ مَنَعهم"·

6 - التكافل والضمان الاجتماعي الناشىء عن القناعة الذاتية بضرورة مدّ يد العون تبرعا وبدافع شخصي وتفاعلا مع آلام ومشكلات الآخرين، وفي الحديث النبوي الشريف "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، وما من أهل قرية يبيت وفيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة"·

والدولة الإسلامية هي المسؤولة عن كفالة كل فرد من رعاياها مسلما كان أو غير مسلم، وذلك في حالة عجزه أو عدم قدرته على توفير الكفاية لنفسه، وقد روي أن الإمام علياً "رضي الله عنه" رأى شيخا نصرانيا من أهل الذمة يتكفف الناس ويسألهم المساعدة، فقال "ما هذا ؟قالوا: يا أمير المؤمنين، نصراني، فقال: استعملتوه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال"·

إن مجموع ما سبق لا يتحقق بمجرد التشريع والتقنين، وإن كان ضروريا وحيويا في تحقيق ذلك، إذ إن الكثير من الممارسات تحتاج إلى الرقابة والدافعية الذاتيتين، لذا نجد إهتمام الإسلام بتربية الأفراد والمجتمع على مجموعة من الأخلاقيات الفردية والاجتماعية الكفيلة بتحقيق الدافعية والرقابة، وتنشأ هذه التربية بطرق مختلفة من بينها بعض العبادات الواجبة والمندوبة، ويأتي الصيام كأهم تلك العبادات ذات التأثير التربوي والروحي على الإنسان·

إن تحديد مصادر الكسب وتجنب مصادرها المحرمة والالتزام بالرد والموازنة وخلق الدافعية الذاتية للتكافل والضمان الاجتماعي تتحقق كلها من خلال التقوى، والتقوى هدف الصيام {يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}· ولا يخفى على من له أدنى إطلاع مدى التركيز على المسألة الاقتصادية وخصوصا التكافل والضمان الاجتماعي في النصوص الدينية الخاصة بالصيام، ومن ذلك ما أجاب به الإمام علي بن محمد الهادي "رضي الله عنه" حين سئل "لِمَ فرض الله عز وجل الصوم؟ فأجاب: ليجد الغني مسّ الجوع في منَّ على الفقير" وما  جاء في النبوي الخاص ببيان فضل شهر رمضان وأعماله "وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم·· وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم·· أيها الناس من فطّر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه"·

طباعة  

في رحاب أهل البيت
 
من فقه الصيام "2"
 
في لقاء مع رئيس قسم العقيدة والدعوة
د. متولي: لا يمكن السيطرة على الإعلام الفضائي··· وواجبنا استغلاله

 
الغلو في الدين: تحريم الطيبات(1)
 
اجتهادات مستنيرة
 
من ذكرياتي
حفاظاً على تراثنا البحري وإثراء للمكتبة الوطنية في الخارج
سيف الشملان: "تاريخ الغوص على اللؤلؤ" بالإنجليزية سيصدر لأول مرة مطلع الألفية الجديدة

 
فتاوى هاتفية
 
هلا رمضان